يروج البعض – جاهلًا وليس عامدًا على ما أظن- أن التعديلات الدستورية الأخيرة قضت تمامًا على الحياة السياسية في مصر، وكرست السلطة في يد الرئيس، وهو زعم باطل؛ فإذا كان الرئيس الآن ينفرد بالسلطة تمامًا، فليس هذا بسبب نصوص دستورية تكرس السلطة في يده، كما كان الحال مع مبارك في دستور 1971، ولكن بسبب عدم الاستفادة بالوضع الجديد الذي أنشأه دستور 2012، القائم على توزيع السلطات بين رئيس الجمهورية والبرلمان، ولم تستطع لجنة الخمسين التي عدلت الدستور في 2014 تخطي تلك المواد وتغييرها، وإن كانت قد مالت بها ناحية رئيس الجمهورية قليلًا، ولكن ظلت هناك ثنائية في السلطة، والتعديلات الأخيرة لم تقترب من تلك الثنائية، وما زالت حتى الآن السلطة التنفيذية في مصر مقسمة بين رئيس الجمهورية الذي يُنتخب مباشرة من الشعب، ورئيس الوزراء الذي يُنتخب من الشعب انتخابًا غير مباشر، إذ ينتخب الشعب أعضاء البرلمان، والذي هو صاحب الكلمة الفاصلة في اختيار رئيس الوزراء .

فالمادة 146 من دستور 2014 تنص على الآتي: «يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا لمجلس الوزراء بتشكيل الحكومة، وعرض برنامجه على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يومًا على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يومًا، عُدَّ المجلس منحلًا، ويعدو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد…» أي إن فوز حزب أو ائتلاف بأغلبية مقاعد المجلس يضمن له تشكيل الحكومة، في ما عدا أربعة وزراء، هم: العدل، والخارجية، والدفاع، والداخلية، إذ يختارهم الرئيس، واختيار الرئيس لأولئك الوزراء الأربعة هو من التعديلات التي استُحدِثت في الدستور في 2014، ولم يكن لها وجود في دستور 2012.

ولا يستطيع رئيس الجمهورية عزل رئيس الوزراء إلا بعد موافقة مجلس النواب، وفق المادة 147 من دستور 2014، وهي مادة استحدثت في التعديلات لم تكن موجودة في دستور 2012، الذي لم يكن يعطي لرئيس الجمهورية الحق في عزل رئيس الوزراء نهائيًّا، ولكن حتى مع التعديل الذي حدث في 2014، فإن رئيس الوزراء يبقى محصنًا من ذلك العزل؛ لأنه لا يحدث إلا بعد موافقة مجلس النواب، وإذا كان رئيس الوزراء ينتمي للحزب صاحب الأغلبية في المجلس؛ فإن المجلس حتمًا لن يوافق على عزله أو عزل أي من أعضاء حكومته نزولًا على رغبة رئيس الجمهورية.

إننا لا نجد أثرًا لتلك المواد في واقعنا السياسي؛ لأن البرلمان الحالي لا يوجد فيه حزبُ أغلبية، ولكنهم مجموعة من الأفراد غير المنتمين سياسيًّا، والطامعين في رضاء الرئيس عليهم، ورئيس الوزراء الحالي والسابق تكنوقراط عيَّنَهما رئيس الجمهورية ووافق البرلمان عليهما إطاعة لرئيس الجمهورية، ولكنْ إذا حدث ونجحت القوى السياسية – مجتمعة أو إحداها- في الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان، عندها سيختلف الوضع عما نراه الآن؛ فلن يستطيع رئيس الجمهورية أن يعين رئيسًا للوزراء من غير الحزب أو الائتلاف الحائز على الأغلبية، وستشكل حكومة برلمانية تتمتع بسلطات واسعة تعادل سلطات رئيس الجمهورية، وتزيد عليها فيما يختص الشأن الداخلي، حتى الوزراء الأربعة الذين يختارهم رئيس الجمهورية يجب أن يحدث ذلك بالتشاور مع رئيس الوزراء، ويلزم موافقة البرلمان عليهم.

بل إن ثنائية السلطة وفق الدستور الحالي تمنح رئيس الجمهورية سلطة حل البرلمان بعد استفتاء شعبي على قرار الحل، وكذلك تمنح البرلمان وفق المادة 161 من دستور 2014 سلطة سحب الثقة من رئيس الجمهورية، والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة بعد استفتاء شعبي تكُون نتيجته إما عزل رئيس الجمهورية في حالة موافقة الشعب على ذلك، وإما حل البرلمان في حالة رفض الشعب لعزل الرئيس.

كل تلك المواد لم تمسها التعديلات الدستورية الأخيرة، التي لم تعطِ لرئيس الجمهورية إلا ثماني سنوات إضافية، مقابل ذلك فقد تركت الباب مفتوحًا أمام القوى السياسية في مصر لتُنافس على السلطة في ظل وجود الرئيس، من خلال المنافسة على البرلمان الذي يمنح من يحوز الأغلبية فيه حق تشكيل الحكومة، بالإضافة إلى ما يعنيه ذلك من سلطات تعادل سلطات رئيس الجمهورية.

إن المشكلة الحقيقية أن القوى السياسية ما زالت تعيش في أسر دستور 1971، الذي حصر السلطة التنفيذية في شخص الرئيس، وحتى الآن تبدو وكأنها غير قادرة على استيعاب المتغيرات الجديدة التي أنشأها دستور 2012، ولم يستطع دستور 2014 أن يخرج عنها، ولم تغيرها التعديلات الدستورية الأخيرة في 2019.

إن الطريق أمام القوى السياسية للوصول إلى البرلمان لا يعيقه إلا ضمان نزاهة الانتخابات، وهذا حديث آخر قد يبدو صعبًا، ولكنه ليس مستحيلًا، خاصة بعد التغييرات التي استُحدثت بعد ثورة يناير (كانون الثاني) على قوانين الانتخابات في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد