هل يمكن رصد بوصلة الحاكم الجديد من خلال هاته المسودة ؟

انتخابات 12 ديسمبر 2019، ومع إفرازها لاسم الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون والذي تعهد بتعديل الدستور والتكفل بإصلاح القوانين ومكافحة الفساد، بعد هذا الوعد ها هي حالة من الترقب الشديد، والتي يشهدها الشارع الجزائري عشية الإعلان عن مسودة الدستور المقترحة من اللجنة المكلفة بإعدادها، خاصة بعد أن وعد الرئيس بإصلاحات عميقة ستمس أسمى قانون في الدولة، مع عدم تبيين المواد التي تمسها هاته التعديلات، ولا حتى تقديم حصر لها.

تصارع الإيديولوجيات داخل الحراك وداخل السلطة سيجعل من هذا التعديل الدستوري أمرًا في غاية الصعوبة، ومنعرجًا حاسمًا في تاريخ الجزائر الحديث.

من هذا المنطلق وجب إدراك أن الدستور الجزائري الحالي يتشكل من 218 مادة، لكن يا ترى هل المشكل يكمن في النصوص؟ وما أهم الملاحظات التي يجري تسجيلها في الدستور الصادر سنة 2016؟

أولًا: نظرة عامة وسريعة إلى العهدة الأخيرة من الحكم البوتفليقي

إن العهدة الرابعة من حكم الرئيس الجزائري المستقيل، عبد العزيز بوتفليقة، كانت، وباتفاق أغلبية الشعب، من أسوأ فترات الحكم التي مرت بها الجمهورية الجزائرية؛ إذ إن التفشي غير المسبوق لظاهرة الفساد أدى بالشارع للنزول يوم 22 فبراير (شباط) 2019 للساحات والشوارع ليقولوا بصوت واحد للحاكمين في البلد، ارحلوا عن الحكم فإن الجزائر أكبر منكم، هذا ما عبرت عنه الشعارات المختلفة التي حملها الشباب والكهول، الرجال والنساء وليطالبوا بتوقف العبث بالأموال التي هي في الأصل ملك للشعب.

إن الفترة الممتدة بين سنة 2014 إلى غاية 2019 فضحت العديد من الناس، وجعلت سياسة الرداءة منهجًا لها، بل كرستها في كل مفاصل الدولة لتصير الدولة تسير وفق ما يمليه عليها شقيق الرئيس، لا كما هو مفترض، الأمر الذي هو بديهي ومنصوص في الدستور على حرمته، إذ إن الرئيس لا يفوض صلاحياته لغيره في التعيين في المناصب السامية في الدولة (المادة 101) بل الأمر الذي تم الدوس عليه مثلما تم الدوس على المادة 102 من الدستور، والتي لم تفعلها إلا بعد ضغط من المؤسسة العسكرية، الأمر الذي يوحي بأن الحكم البوتفليقي كان يثري النصوص، ولكن التطبيق لا يعكس صلابة النص.

ثانيًا: وقفة عند ديباجة الدستور

«الشعب الجزائري شعب حر، ومصمم على البقاء حرًّا»، هي العبارة التي تصدرت ديباجة الدستور، والتي في لبها تعبير على إباء الشعب الجزائري وحريته، ولا يختلف اثنان على مدى صحة هذه العبارة، وهذا ما تجسد من خلال التاريخ الجزائري على مر العصور والأزمنة، بحيث إن المقاومات لكل أشكال وألوان الاستعمار دليل واقعي على هذا الكلام.

التعمق في مسألة التاريخ تجعلنا نفتح قضية حساسة بالنسبة لفئة معينة من الجزائريين، ألا وهي قضية «الحقبة العثمانية»، والتي يرى البعض أنها فترة استعمارية، في حين أن الأغلبية ترى أنها جزء مهم في تاريخنا العريق، وأنه لولا العثمانيون لما صارت الجزائر قوة إقليمية على مستوى البحر الأبيض المتوسط بشهادة الجميع، الأمر الذي جعلني أقف عند هذه النقطة هو مرور الكرام على هذه الفترة من التاريخ، إذ  أُدرجت في عبارة لا تمنحها حقها: «منذ العهد النوميدي، والفتح الإسلامي، حتى الحروب التحريرية من الاستعمار…» إن هذه الكلمات تقلص من الفترة التي مكث فيها الأتراك في الجزائر، وكأنهم لبثوا بضع سنين، بيد أنهم عمروا ثلاثة قرون من الزمن، وباعتبار أنهم جاؤوا لنصرة أصحاب الأرض على عدوهم، فأعتقد أنه من الواجب دسترة هذه الفترة وإدراجها ضمن الديباجة ردًّا للجميل.

ثالثًا: عدد المواد من 1996 إلى 2016 لماذا الزيادة؟ 

دستور 1996، والذي كان النظام الشبه رئاسي هو السائد فيه ضَمِنَ نوعًا من التوازن في السياسي حتى من ناحية توازن السلطات، بيد أن مجيء بوتفليقة للحكم غيَّر من الخارطة وتوجه بالدولة نحو نمط الحكم الرئاسي الذي جسده بصورة رهيبة سنة 2016 من خلال تعديله الدستوري الذي أربك الكل، وحمل الرئيس صلاحيات إمبراطورية لا قبل له بها خاصة، وأن القاصي قبل الداني يعلم أن بوتفليقة لم يكن قادرًا على إدارة الدولة الأمر، الذي أدهش الطبقة السياسية.

ومن باب المقارنة، لو بحثنا حول موضوع المواد الدستورية وتطورها لجودنا أن دستور 1996 لم يكن يحتوي على الكم الهائل من المواد التي يحتويها دستور 2016، حيث ضم 169 مادة، وفي تعدي 2008 ضم حوالي 182 مادة ليضاف لهاته الأخيرة 32 مادة دون سبب واضح ودون التماس الفارق على أرض الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد