يعتبر الفراغ الدستوري من أخطر المراحل التي قد تمر بها الدول عقب أي مسار ثوري، ويختلف الكثير في تحديد ماهية الفراغ الدستوري وآثاره على المستوى الوظيفي والبنيوي للدولة داخليًا وخارجيًا، فالفراغ الدستوري يعبر عن: «حالة تفككٍ للأنساق والبنى المؤسساتية للدولة، بسبب تعطل مرجعيتها الدستورية»، وتختلف إسقاطات هذا المفهوم باختلاف طبيعة أنظمة الحكم في الدول بين النظم: الرئاسية أو البرلمانية أو شبه الرئاسية، غير أن نتيجتها الحتمية هي: «تعطل كافة الآليات الدستورية لإدارة عملية نقل السلطة، بسبب غياب أي نص قانوني أو مخرج دستوري سليم لحل مسألة الشغور الرئاسي».

وفي الحالة الجزائرية فقد قام المجلس الدستوري في 1 يونيو (حزيران) 2019 بإصدار «فتوى دستورية» تربط بقاء رئيس الدولة بالغاية الأساسية من وجوده وهي تنظيم الانتخابات الرئاسية.

وبغض النظر عن وجاهة هذا التخريج الدستوري من عدمه والانتقادات الواسعة التي تعرض لها من طرف المختصين وعدم استجابته لمطالب الشعب العميقة رغم استناده على المادة 7و8، ومع ذلك فإن الخروج من مفعول المادة 102 بتاريخ 9 يوليو () 2019 لا يعني بالضرورة الدخول في الفراغ الدستوري كما يروج له البعض، لأن هناك مخارج دستورية أخرى لا سيما في فحوى المادتين7 و8 التي نادى الشعب بتطبيقهما وفي غيرهما من المواد، تجعل من إمكانية تفادي الفراغ الدستوري قائمة إذا تم التوجه نحو إقرار اجتهاد دستوري جديد يأخذ بعين الاعتبار المطالب المركزية للشعب الجزائري بإزاحة الشخصيات المنبوذة شعبيًا عن المشهد السياسي وتعويضهما بمن هم أوثق وأكثر قبولًا.

وفي هذا السياق؛ يخلط الكثير بين الفراغ الدستوري والفراغ أو الشغور الرئاسي! فالشغور الرئاسي يعبر عن حالة شغور منصب رئيس الجمهورية بسبب الاستقالة أو الموت أو العجز، وفي هذه الحالة يتم تطبيق الإجراءات الدستورية لاستخلاف رئيس الجمهورية مؤقتًا لغاية انتخاب رئيس جديد، وطيلة هذا المسار الانتقالي يعتبر الوضع دستوريًا وكل المؤسسات تكتسب الصفة الشرعية في قراراتها، وهذا الإجراء معمول به في أغلب دول العالم.

أما الفراغ الدستوري فيكون عند تعطل الآليات الدستورية لعمل مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسات السيادية (الرئاسة، الحكومة، المجلس الدستوري، السلطة القضائية، البرلمان) بسبب غياب نص دستوري يحدد طريقة تسيير الدولة حال فراغ السلطة، ويقتضي ذلك: عدم دستورية أي قرار متخذ من أي جهة قانونية بحكم فقدانها للشرعية الدستورية. ومن أهم تبعات الفراغ الدستوري:

– «الغياب التام لأي أثر قانوني للقرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية».

– «التحلل الكلي للحكومة من أي التزام قانوني تجاه المواطنين».

– إشكالية الاعتراف الدولي.

وبناء على ما سبق؛ فإن للفراغ الدستوري آثار محتملة ومؤكدة؛ سلبية جدا على الحياة والمصالح العامة، أبرزها:

أ‌- عدم شرعية القرارات المتخذة من طرف السلطة التنفيذية في جميع المجالات.

ب‌- عدم إمكانية إصدار قانون المالية للسنة القادمة من طرف الحكومة الحالية وما سينجر عنه من تحديات ومشاكل.

ت‌- تعطل المصالح العامة للمواطنين من الأجور ومسابقات التوظيف والدخول المدرسي والجامعي وسيرورة كل المؤسسات.

ث‌- التبعات الاقتصادية فيما يتعلق بالتعاملات التجارية ومصير المؤسسات الأجنبية ومشاريعها داخل البلاد.

ج‌- الهاجس الأمني وإمكانية انفلات الأمور.

ح‌- إضافة إلى غياب الاعتراف الدولي بشرعية الحكومة الحالية وممثليها.

وعليه فمن غير المعقول أن نفسر الفراغ الدستوري بأهوائنا ونزواتنا الخاصة أو نحكّمه في بعض الوقائع دون أخرى، فلا يمكنك أن تطالب بالفراغ الدستوري وتبتهج به وتحتج على تعطل مصالحك وحقوقك!

ففي الجزائر هناك فئات معلومة تود الذهاب إلى حالة الفراغ الدستوري كمقدمة تفضي مباشرة إلى المرحلة الانتقالية، ولهذا حرص هذا اللفيف الأيديولوجي على إجهاض أي مبادرة في سبيل الحل، أو تشويه أي شخصية قد تجتمع عليها كتلة صلبة من الشعب، كما سعوا إلى إطالة أمد الأزمة من خلال الدفع نحو الصدام بين الشعب وجيشه واختلاق مصيدة «فصل القيادة عن الجيش» وهو ما أدى فعلا إلى تقسيم الشعب إلى مؤيد ومعارض لهذا الطرح المريب، ثم أُقحمت مسألة الرايات ونزاع الهويات، وتم استغلال الأزمة السياسية للوطن لتمرير أجندات غريبة عنها، وظهرت نقاشات على هامش الحراك تصاعدت وتيرتها مع مرور الزمن وأدت إلى خلق تشنجات وجدالات سقيمة ألهت الكثيرين عن مطالبهم الأساسية؛ وهي إصلاح النظام السياسي والانتقال الديمقراطي الآمن.

إن الغرض من الترويج لأطروحة الفراغ الدستوري في الجزائر في ظل الاصطفافات الحادثة والتيارات الأيديولوجية والحزبية المتصارعة؛ هو:

1- الإقرار بالتعطيل الكلي للعمل بالدستور؛ ويترتب على ذلك:

2- عدم شرعية أي قرارات تصدر من الجهاز الحكومي أو القضاء أو المؤسسات الدستورية القائمة بما فيها المؤسسة العسكرية، ويترتيب على ذلك:

3- تعطل المصالح العامة للمواطنين وخلق حالة الفوضى الحقيقية، ويترتب على ذلك:

4- تصاعد الهاجس الأمني والاحتراب بين المجتمع في ظل التيارات المتناقضة، ويترتب عنه:

5- شرعنة التدخل الخارجي وبداية الضغوط الدولية وتدويل الأزمة، ويترتب على ذلك:

6- بداية مسلسل المجلس الانتقالي والتأسيسي والمرحلة الانتقالية!

هذا كله ليس تخويفًا بقدر ما هو استقراء لواقع معلوم بالضرورة واستلزام منطقي يفرضه الفقه الدستوري والمنطق السياسي والتجارب الإقليمية لا سيما العربية منها.

إن إقرارنا بعدم وجود الفراغ الدستوري أو المرحلة الانتقالية ليس الهدف منه إطالة عمر النظام الفاسد، أو إيجاد المبررات لرموزه حتى تستمر في إدارة المسار الانتقالي، بل الهدف منه هو الحفاظ على استقرار المؤسسات وأمن البلاد ومواصلة مسيرة النضال في أوضاع آمنة ومستقرة على الصعيد الداخلي والخارجي، لأن الحراك الشعبي لما خرج في مبدئه سعى إلى إصلاح النظام وإبعاد رموزه وليس إسقاط مؤسسات الدولة وتعريضها للمساومات الدولية ورهن سيادتها الترابية وقرارها السياسي، وهذا مسلك غاية في الخطورة وجب التنبيه عليه والتأكيد على ضرورة الوعي بمآلات أي توجه أو فكرة على المجتمع والبلاد ومؤسساتها وأمنها.

ويبقى اعتقادنا راسخًا أن من كان سببًا في الأزمة السياسية الحالية من أقطاب الموالاة لا يمكن أن يكون لهم أي دور ذي مصداقية في المرحلة القادمة، ويجب العمل على تعطيل آلة الفساد ومنع أصحابها من إعادة التموقع أو إنتاج النظام في أشكال مغايرة، كما يجب على المؤسسة العسكرية وهي السلطة الفعلية الحالية أن تستحث الخطى لإحقاق المطالب الشعبية بتفعيل المواد السيادية، وعدم المراهنة على البيادق الخاسرة، لأن بساط الزمن قد يسحب من تحت أرجل الجميع، وتتحمل حينها المسؤولية التاريخية عن أي تأخر أو سوء تقدير، فأي تأخر أو تردد في اتخاذ الموقف الصحيح هو نقطة مجانية تضاف إلى رصيد الشانئين الذين يسعون لإقحام البلاد في أتون الفتنة العامة.

مجمل القول

إن البقاء ضمن الأطر الدستورية وعدم الدخول في فراغ دستوري ومرحلة انتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات والمخاطر، لهو الطريق الأحكم والأسلم للوصول إلى الانتقال الديمقراطي الآمن، فالأولوية الوطنية تقتضي إجراء ترتيبات سياسية ودستورية ضمن حمى الدستور لا خارجه رغم الإقرار بقصور هذا الدستور ووضعه من قبل العصابة الآبقة، إلا أن ذلك لا يمنع من استغلال بعض آلياته ومواده لتنظيم المسار الانتقالي المؤقت ريثما يتم انتخاب الرئيس الجديد وفتح الورشات الإصلاحية الهامة.

إن استبعاد الذهاب إلى مرحلة انتقالية خارج الدستور هو من أولى الأولويات، تجنبًا لأي منزلقات خطيرة قد تفضي إلى انفراط العقد الاجتماعي والسياسي بين الأفراد والمؤسسات ممثلا في الدستور على عوجه، وعدم فتح الباب مُشرعًا للدخول في لعبة المساومات والمجالس الانتقالية والتأسيسية، أين ستظهر الصراعات الأيديولوجية والحزبية وترتفع وتيرة التدخلات الخارجية وقد تنزلق الأمور نحو المنحى العنفي خاصة في ظل النداءات المعادية للقيادة العسكرية، والمحاولات المتكررة لاختراق الحراك من تيارات أيديولوجية عنصرية وتعالي لغة التخوين والإقصاء والتعصب النّحلي والتصلب الفكري الذي بات يطبع مناخ الحراك. «فالحل التوافقي للأزمة يجب أن يكون ضمن الإطار الدستوري لا خارجه»، وفي إطار ذلك يمكن الوصول إلى حلول سياسية تجسد المطالب الشعبية إذ أن الحل السياسي ليس بالضرورة مناقضًا للحل الدستوري.

وعليه يجب العمل بكل جدية ومسؤولية لتوفير الضمانات والظروف الملائمة من طرف جميع الفاعلين الرسميين (المؤسسة العسكرية) وغير الرسميين (نخب الحراك وطلائعه) للذهاب إلى الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت وتوفير الآلية الانتخابية الأضمن والبيئة السياسية والقانونية الأنسب لتحقيق الرضا والثقة الشعبية والاقتناع بجدوى العملية الانتخابية القادمة بعد فشل انتخابات 4 يوليو () 2019.

وإزاء كل هذه التحديات الوجودية؛ أعتقد أن المؤسسة العسكرية الآن أمام رهان صعب وامتحان تاريخي يفرض عليها الاستجابة لخيار الشعب والعمل بقوة أكثر لاستبدال الوزير الأول بدوي بشخصية توافقية قادرة على إضفاء المصداقية على مسار الحوار الوطني بعد فشل بن صالح، فالرهان عليه وعلى بدوي هو توجه خاطئ تماما وسيوصل إلى الطريق المسدود حتمًا، فما هو مقبول اليوم سيرفض غدًا وكلما تقدم الزمن سقطت عدة بدائل وخيارات كانت متاحة، وتحولت بعض الخيارات إلى ضرورات وحتميات لا مجال للمناورة عليها. فالتوافق على الرأي الصالح أحسن من عدم التوافق على الرأي الأصلح.

وعليه؛ فمن الضروري لنجاح الحوار الوطني الجامع اتخاذ الخطوات التالية:

1- ضرورة استقالة بدوي وتعويضه بشخصية توافقية إما أن تكون جديدة أو من الفريق الحكومي الحالي (وزير أول مؤقت) كما تنص عليه المادة 104 من الدستور، وهو من يتولى إدارة الحوار وليس بن صالح الفاقد للمصداقية.

2- استبعاد رموز الموالاة عن أي دور في عملية الحوار أو في رسم ملامح المشهد السياسي الجديد، فلا يمكن لمن كان أصلا للأزمة أن يسهم في حلها، إضافة إلى أن أغلب أفراد العصابة قيد المحاكمة هم من هذا التيار الذي يتحمل مسؤولية تاريخية في إفساد وهدر مقدرات البلاد.

3- إنشاء الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات تكون منبثقة عن مخرجات الحوار الوطني؛ الذي يجب أن تحظى توصياته ومقترحاته بصفة الإلزام والتنفيذ.

حفظ الله الجزائر من كل شانئ وغادر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد