يعتبر استفتاء 2016 بالغ الأهمية بسبب المتغيرات الدستورية التي يُطالب بها والتي لم تتغير منذ 70 سنة تقريبا (1948)، بالإضافة  إلى أن الموافقة أو عدم الموافقة تعني بدرجة كبيرة تغيير الحكومة الإيطالية، فالموافقة عليه تعني إعطاء الشرعية الشعبية لحكومة رنزي الذي اعتبر الاستفتاء بمثابة رهان سياسي, كما أن رفض التعديلات تعني ضربة ستقصم ظهر الحزب الديموقراطي.

أولا: الجوانب الدستورية

والسؤال هنا: ما هو الجديد الذى ستقدمه هذه التعديلات؟ ونستطيع أن نستعرضها في تسعة نقاط:

1- سيضع نهاية للمساواة في السلطة التشريعية بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ولكن ماذا يعني ذلك؟

النظام النيابي بإيطاليا يشبه النظام النيابي بأمريكا ( مجلس النواب ومجلس الشيوخ) وكذلك إنجلترا (مجلس العموم ومجلس اللوردات)، وفي هذا النظام السلطة التشريعية لأحد المجلسين تكافئ السلطة التشريعية للمجلس الآخر, وفي هذا النظام النيابي يتوجب الحصول على موافقة المجلسين معا في:

– إعطاء الثقة أو سحبها من الحكومة

– الموافقة على أي قانون

وهذا النظام النيابي يوجد في الدول الفيدرالية (أستراليا, النمسا, بلجيكا, الهند, باكستان, روسيا، وغيرها..) لضمان تمثيل الولايات بها أو المقاطعات التي لها نوع من الاستقلالية، وكذلك نجده في كثير من الدول المركزية (غير الفيدرالية).

كما توجد بعض الدول والتي تكون السلطة التشريعية بها من اختصاص مجلس النواب فقط والذي يقوم بإعطاء أو سحب الثقة من الحكومة وتشريع القوانين المختلفة.

المؤيدون لهذا الاستفتاء يقولون أن جعل السلطة التشريعية من اختصاص مجلس النواب فقط سيساعد على سرعة اعتماد وإصدار القوانين، وستصبح العملية أكثر سهولة وأكثر مرونة, كما أنها تعني القضاء على البيروقراطية وزيادة فاعلية رئيس الوزراء الإيطالي في اجتماعات الاتحاد الأوروبي وامتلاكه الكثير من الصلاحيات التنفيذية.

أما الرافضون فيقولون إنه إذا تمت الموافقة على هذه المادة فستتحول الدولة إلى ديكتاتورية، فإذا كان للحزب الحاكم أغلبية كبيرة في البرلمان فسيسيطر بهذه الطريقة على السلطة التشريعية والتنفيذية معًا.

2- مجلس شيوخ جديد

من المعروف وكما هو محدد في الدستور أن مجلس النواب يتكون من 630 عضوا, ومجلس الشيوخ يتكون من 315 عضوا. وهنا التعديل متعلق بمجلس الشيوخ, إذ أن الاستفتاء سيقوم بتخفيض عدد أعضائه من 315 إلى 100 عضو, منهم خمسة سيختارهم رئيس الجمهورية, وخمسة ستختارهم مجالس المحافظات.

وقد أعلن الحزب الديمقراطي أن خفض عدد أعضاء مجلس الشيوخ من 315 إلى 100 عضو سيقوم بخفض النفقات والبدلات للأعضاء ولكن حركة 5 نجوم قد ردت وكذبت هذه المعلومة وأكدت أن النفقات ستزيد بصورة كبيرة، لأنه سيتم رفع الرواتب وبدلات كل موظفي مجلس النواب, وأعلنت حركة 5 نجوم أن الكلام عن خفض النفقات ما هو إلا خداع للشعب الإيطالي.

3- السلطة التشريعية لمجلس الشيوخ ستصبح ضعيفة وهامشية.

4- رئيس الجمهورية سيتم انتخابه بواسطة أعضاء مجلس (النواب والشيوخ)  أي 630+100  بعد التعديل, ولانتخابه يلزم أغلبية الثلثين لأول ثلاثة اقتراعات, فإذا لم يتم الحصول على أغلبية الثلثين من الأعضاء سيتطلب الحصول على أغلبية الثلاثة أخماس من العدد الكلي للأعضاء لثلاثة اقتراعات أخرى, فإذا لم يتم الحصول على هذه الأغلبية سيتطلب الحصول على ثلاثة أخماس من الأعضاء المشاركين في الاقتراع (ليس العدد الكلي).

5- تعديل عدد التوقيعات التي يتطلبها الاستفتاء من 500 ألف إلى 800 ألف توقيع, كما أن عدد التوقيعات التي تتطلبها المبادرة الشعبية لإنتاج قانون من 50 ألف توقيع في الوقت الحالي إلى150 ألف توقيع.

6- تغييرات طالت المحكمة الدستورية العليا

ومن المعروف ان عدد أعضاء قضاة المحكمة الدستورية العليا 15 ويتم اختيارهم كالتالي:

– 5 رئيس الجمهورية.

-5 من المجلس الأعلى للقضاء.

– 5 من البرلمان (المجلسين في جلسة مشتركة).

وسيتم تغيير طريقة اختيار الخمسة قضاة الخاصين بالبرلمان, فلن يتم انتخابهم في جلسة مشتركة, ولكن سيتم انتخابهم موزعة (3 قضاة لمجلس النواب و 2 لمجلس الشيوخ). وسيتم انتخابهم بأغلبية الثلثين من عدد الأعضاء لأول اقتراعين ثم أغلبية الثلاث أخماس بعد ذلك.

7- سيتم إلغاء كامل للمادة 99 الخاصة بالمجلس الأعلى للاقتصاد والعمل.

8- إضافة فقرة للمادة 55 من الدستور والتي تنص على المساواة في التمثيل بين الرجال والنساء في انتخابات مجلس النواب والشيوخ.

تاريخ الاستفتاء؟

سيتم استفتاء الشعب الإيطالي على التعديلات الدستورية في الرابع من شهر أكتوبر.

وفيما يتعلق بالآثار السياسية للاستفتاء:

بعض المشكلات المطروحة من قبل الراديكاليين أن الاستفتاء سيكون على كل المواد المعروضة للاستفتاء جملة واحدة بنعم أو بلا, وكان من الأفضل الاستفتاء على كل المواد متفرقة, كل مادة على حدة وليس كل المواد جملة واحدة.

ماهي القوى المؤيدة للاستفتاء وما هي القوى السياسية المعارضة؟

الحزب الديموقراطي الحاكم (رنزي) مؤيد للاستفتاء بينما معظم القوى السياسية الأخرى ترفض هذه التعديلات كفورسا إيطاليا (بيرلسكوني) وليجا نورد(سالفيني) وأيضا حركة 5 نجوم ( جريللو)*.

وقد أعلن ماتيو رنزي أن مستقبله السياسي مرهون بالموافقة على هذا الاستفتاء، وقال إنه في حالة رفض التعديلات الدستورية سيكون جاهزًا للاستقالة (نفس الكلام قالته دي بوسكي وزيرة الإصلاحات الدستورية في حكومة رنزي), ولكني لا أعتقد أن رنزي سينهي مستقبله السياسي من أجل ذلك، فقد سبق وأن تراجع عن وعوده (عندما أصبح رنزي سكرتيرا للحزب الديموقراطي قال إن الحزب لن يترأس الحكومة، ثم بعد ذلك ترأسها، وهذا الموقف جعله يفقد الكثير من مصداقيته ومن ثقة القوى السياسية الأخرى).

كما أني أرى قيام رنزي برهن مستقبله السياسي بالموافقة على التعديلات الدستورية هي حركة غير مفهومة سياسيًّا وكان بها الكثير من التسرع  وخصوصًا إن شعبية الحزب في تراجع بعد سيطرة حركة خمس نجوم على روما وتورينو في الانتخابات البلدية.

 ماذا سيحدث لو تم رفض التعديلات الدستورية؟

هناك عدة سيناريوهات:

1- حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة (الانتخابات البرلمانية المقبلة في 2018) وهنا الفرصة متاحة لحركة خمس نجوم لتكوين الحكومة إذا حصلت على الأغلبية.

2- استقالة رنزي وتكوين رابع حكومة غير منتخبة (آخر ثلاث حكومات غير منتخبة وهن حكومة مونتي وليتا ورنزي).

3- استمرار حكومة رنزي ورجوعه في وعده بالاستقالة.

4- صرح بيرلسكوني أنه جاهز لتكوين حكومة وفاق وطني مع كل القوى السياسية الموجودة حتى موعد انتخابات البرلمان في 2018.

وفي النهاية أرى ان الاستفتاء هو مأزق سياسي وضع رنزي نفسه فيه بحركة غير موفقة سياسيًّا, وأتنبأ أن رفض التعديلات الدستورية في نوفمبر المقبل هو الاحتمال الأكبر ولكني أستبعد حل البرلمان، ولكن في السياسة ليس هناك مؤكد وفي حالة إذا تمت الموافقة على الإصلاحات سيخرج رنزي منتصرًا وسيواصل مدته للانتخابات القادمة في 2018 والتي سيتوقع في هذه الحالة الفوز بالأغلبية وإحكام قبضته على الحياة السياسية الإيطالية.

الحشد الشعبي بين الموافقة والرفض على أشده, فمنذ شهرين كانت المؤشرات تشير إلى أن نسبة الرفض تصل الى 60% والموافقة 40%, ولكن بعد المشكلات المتعلقة بالمجلس المحلي لمدينة روما والتي ترأسها فيريجينا راجي إحدى قيادات حركة خمس نجوم والتي على أثرها خسرت الحركة 3% من شعبيتها وفقا لإحدى الإحصائيات فإن الصورة تظل قاتمة حيث إن شعبية الأحزاب تتغير باستمرار في الحياة السياسية الإيطالية , فإحصائية هافينجتون بوست في 24 سبتمبر تشير إلى أن شعبية الحزب الديموقراطي(رنزي) 32,3%, بينما يمين (بيرلسكوني/سالفيني) 31%, بينما حركة خمس نجوم 25% تقريبا.

العالم كله يتابع نتائج الاستفتاء، فالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من المؤيدين للإصلاحات الدستورية, وهذا ما عبرت عنه تصريحات السفير الأمريكي بروما جون فيلبس:

«عدم الموافقة على الإصلاحات الدستورية تعني الرجوع خطوة للوراء، وستسبب عائقًا لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية».

تصريحات السفير قد استنكرتها قادة المعارضة والتي اعتبرتها تدخلًا في الشأن الداخلي وعلى رأسهم دي باتيستا أحد قادة حركة خمس نجوم والذي رد على السفير الأمريكي قائلا «إننا حلفاء للولايات المتحدة ولسنا تابعين لها».

ولكن هل هذا فعلا تدخلًا في الشأن الداخلي في الوقت الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فهل نتذكر كيف تابع العالم مغامرة اليسار اليوناني عن كثب, وراقب استفتاء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوربي؟!

آثار الاستفتاء على الحالة الاقتصادية

الحالة الاقتصادية ذاتها تتأثر كثيرًا بعدم الاستقرار السياسي, ففي تقريره الذي أعده مؤخرًا وضع الوول ستريت جورنال «إيطاليا» في مركز الأزمة الأوروبية بسبب الركود الاقتصادي، واعتبرتها الحلقة الضعيفة في النمو الأوربي, بينما أطلقت النيويورك تايمز والفنانسيال تايمز تقارير مشابهة،كما عرفت الجريدة الأسبانية البايس, إيطاليا على أنها رجل أوروبا المريض والتي من الممكن أن يورط القارة في أزمة اقتصادية طاحنة، إيطاليا في حاجة إلى هامش من التسامح المالي من قبل الاتحاد الأوربي من أجل تحسين الأوضاع الداخلية.

بالفعل إيطاليا تقوم بإبطاء الجميع، فقد خسرت 1/5 قدرتها الصناعية مقارنة بـ 2007, وبلغت نسبة نموها الاقتصادي في آخر ثلاثة شهور صفر، ونتيجة لهذا البطـء بلغت نسبة البطالة بين الشباب 36,5% مع نسبة نيت (Neet) (أعداد الشباب دون الثلاثون عامًا بدون عمل أو دراسة) 2,2 مليون شاب. فإيطاليا رابع قوة اقتصادية في أوربا أصبحت واحدة من أكثر الاقتصاديات هشاشة مع دين عام يمثل 135% من الدخل الكلي, وقوة تشغيل ضعيفة جدا (الثانية بعد اليونان) مع معاناة اقتصادية وبيروقراطية تقوم بإبطاء الإنتاج وإضعافه.

الحالة الاقتصادية الصعبة تلك أعطت الاستفتاء أهمية كبيرة على أمل أن يتم الحصول على استقرار سياسي يقوم بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد دولة في طريقه إلى المجهول, ولذا فإن  أوروبا والعالم كله يراقب ويترقب وكما ذكر الوول ستريت جورنال أن هذا الاستفتاء قد يكون أهم من خروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي.

* حركة خمس نجوم هي حزب سياسي تم تأسيسه بواسطة الكوميديان والناشط السياسي بيبي جريللو في 2009, ثم كان مفاجأة الانتخابات البرلمانية في 2013, وكذلك الانتخابات البلدية في 2016, ويعتبر ظاهرة وتجربة ثرية ولدت من رحم مواقع التواصل الاجتماعي وسنخصص لها تقريرًا منفردًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد