نخجل، نتلعثم، نتصبب عرقا، ثم نتبارى في الدفاع والتبرير، كعائلة عتيقة تدافع عن شرفها. هكذا وأكثر نفعل عندما يمس أحد أبناء «عائلة يناير النخبوية المقدسة» أي اتهام، سواء كان اتهامًا بني على شواهد وقرائن أو لفق لأغراض سياسية، وما أكثرها.

لا أنكر على أحد حقه في الدفاع عن رفاقه ضد الاغتيال المعنوي لكل أصحاب الأصوات المعارضة بصرف النظر عن مستوى هذه المعارضة وتأثيرها، لكن ما أنكره هو محاولات الدفاع المستميتة عن أشخاص قد تشير قرائن إلى ضلوعهم في انتهاكات أو ابتزاز واستغلال جنسي لنساء، باستخدام سلطتهم المهنية.

هذا الدفاع «يضعفنا»، استخدامي هنا لغة الجمع ليس بمنطق العوائل الذي انتقدته للتو، ولكن بمنطق من وضعهم الواقع السياسي في مربع المعارضة مجتمعين، تظلهم المقصلة، وضع حرم أفراد هذه الكتلة الواسعة من التمايز المبني على انحيازات طبقية واضحة.

إن منطق القبلية الذي نتعامل به مع مثل هذه القضايا ليس فقط يتنافى مع ما ندعيه وندافع عنه من مبادئ وقيم إنسانية و«ثورية»، بل يضعنا دائمًا في موقع الدفاع عن أنفسنا أو أقراننا حتى في المعارك التي كان من المفترض أن يكون موقعنا فيها هو الهجوم حتى لو كان هذا الهجوم وسيلة للدفاع عن آخر المكتسبات، وهو ما يتجسد في معركة «التعديلات الدستورية» والتي لم نكد نتحسس بعد أساليب وأدوات خوضها، فنسينا دراسة هذه الأدوات وصلاحيتها، متفرغين للدفاع عن شرف أفراد «العائلة المقدسة».

ربما يبدو هذا تخليًا عن البعض وتركهم في مواجهة النظام بمفردهم لأنهم أخطأوا أو ارتكبوا جرمًا ما، رغم يقيننا أن الهجوم عليهم الآن و«كشف المستور» (هذا لو كانوا مدانين بالفعل) عقابًا لهم على مواقفهم السياسية.

بالتأكيد لم أقصد هذا، فضلاً عن أن القضية ليست بهذه السلاسة فالمسألة مركبة لها عدة أوجه متداخلة، أسئلة صعبة واختبارات قاسية، كيف نستطيع صد الهجوم ومحاولات التشويه والاغتيال المعنوي للمعارضين السياسيين دون أن نتستر على فساد أو استغلال أو ابتزاز من طرف هؤلاء المعارضين، بمنطق «حماية شرف العائلة»، كيف نتفادى محاولات السلطة لجرنا بعيدًا عن جوهر معارك الدفاع عما تبقى من مكتسبات، ومحاولات تكريس نظام الحكم العسكري، هذه المحاولات التي تتم ترجمة آخر فصولها في التعديلات المقترحة على بعض نصوص الدستور، والتي صوت البرلمان عليها بأغلبية كبيرة.

لا أعتقد أن أحدًا يختلف على أن محاولات تمرير التعديلات الدستورية المقترحة والتي تضمن للرئيس عبد الفتاح السيسي البقاء في السلطة حتى عام ٢٠٣٤، هي السبب وراء نشر فيديوهات للمخرج خالد يوسف عضو التكتل البرلماني (٢٥-٣٠) مع فنانتين شابتين، في هذا التوقيت بالذات، وتوجيه النيابة للفتاتين تهم ارتكاب فعل فاضح، والتحريض على الفسق، ونشر فيديوهات جنسية.

لكن هذا لا ينفي شبهة الاستغلال الجنسي من قبل المخرج خالد يوسف للفتاتين بحكم سلطته المهنية عليهما (حتى لو كانت سلطة غير مباشرة) مع حداثة سنهما وقتذاك وهو ما قالته إحدى الفنانتين الشابتين في تحقيق النيابة، طبقا لما أوردته «الأهرام»، قبل أن يتم تداول أخبار حول ظهور عقود زواج عرفية بين خالد يوسف والفتاتين، هذه العقود والتي وإن وجدت سيكون من شأنها أن تنسف القضية.

إننا هنا لن نتماهى مع خطط الانتقام من خالد يوسف بعد تصريحاته التي رفض فيها التعديلات المقترحة لبعض مواد الدستور بل سنفضح هذا ونقف ضده، لكننا لا يجب أن نتستر عليه أو نغفر استغلاله الجنسي لفتيات وسيدات، إذا توافرت قرائن موضوعية تثبت هذا الاستغلال، محتفظين بحقنا في مهاجمته بكافة الأشكال بصدد هذا الشأن، دون أن ننساق أو نتذيل محاولات وصم الوسط الفني بتهم أخلاقية جوفاء.
التعامل بالطبع سيكون مختلفًا في تعاطينا مع محاولة تشويه النائب هيثم الحريري، بعد الحديث عن تسريبات مسجلة له تتضمن مكالمة خاصة مع سيدة، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا لخصوصية الحريري ومحاولة لاغتياله معنويًا وسياسيًا بعد إعلانه رفض التعديلات المقترحة على بعض نصوص الدستور، علينا فضح هذا التشويه بكافة الأشكال المتاحة، دون أن نجر بعيدًا عن قضية رفض التعديلات الدستورية.

إننا إذن مطالبين بفضح محاولات تشويه المعارضين السياسيين سواء باختلاق وقائع أو استخدام وقائع حدثت بالفعل، وجر المعركة على أرضيتها السياسية وليس التفرغ لتبرئة ساحة رفاقنا بشكل أعمى، وترك جوهر المعركة، مطالبين بفعل هذا دون أن نكون مضطرين لاستخدام منطق الدفاع عن «شرف العائلة المقدسة»، مع انتقاد أي خطأ، وفضح أي فساد أو استغلال من طرف أي أحد من المعارضين.

هذا ما سيضمن إحباط المحاولات المستمرة للصق الأخطاء والجرائم الشخصية للأفراد بكتل المعارضة، هذا ما سيرسخ شيئًا فشيء لدى دوائر الجماهير وعيًا يمكنه الفصل بين الأخطاء الفردية للأشخاص والدور السياسي للكتل التي ينتمون إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد