استطاع الانقلاب العسكري بقيادة عبدالفتاح السيسي في بداية عام 2014 إقرار دستور للانقلاب، مما عد وقتها خطوة مهمة للحصول على شرعية للانقلاب، واستكمالًا للشكل الديكوري لدولة العسكر، وقد كان من شأن هذا الدستور محو مكتسبات الثورة وما حققه دستور 2012[1] في ملف الحريات، وإقرار هيمنة المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية على باقي السلطات، إلا أنه لم تكد تمر سنوات معدودات إلا وأعلن عن تعديلات دستورية فصلت لإبقاء السيسي على سدة الحكم حتى 2030، ولا مانع بعدها من إجراء تعديل آخر إن بقي على قيد الحياة، كما أنه من شأنها سحق السلطة القضائية والضرب بعرض الحائط بكل القوانين، بل بالدستور نفسه الذي كان ينص في إحدى مواده على عدم جواز تعديل المادة المتعلقة بمدة الفترة الرئاسية.

بنود التعديلات الدستورية

تضمنت التعديلات تعديل 12 مادة في دستور 2014م [2] وإضافة 10 مواد جديدة، بالإضافة لمادة حذف، المواد المعدلة هي المواد رقم: 102، 140، 160،185، 189، 190، 193، 200، 204، 234، 243، 244. والمواد المضافة: 150 مكرر، 241 مكرر، 244 مكرر، 148، 249، 250، 251، 252، 253، 254.

مضمون التعديلات الدستورية

1- مواد تتعلق بعبد الفتاح السيسي

يأتي التعديل الأبرز والذي من أجله جرت التعديلات في المادة 140، إذ جرى مد الفترة الرئاسية لمدة ست سنوات بدلًا من أربع سنوات، كما أضيفت مادة 241، مكرر وتنص على السماح لعبد الفتاح السيسي بالترشح لمدة رئاسية تالية أو ثالثة تنتهي في عام 2030.

2- مواد تتعلق بنائب الرئيس

المادة 150 مكرر أتاحت لرئيس الجمهورية تعيين نائب له أو أكثر، وله تحديد اختصاصاتهم، وتفويضهم في بعض اختصاصاته، أو إعفائهم من مناصبهم، والمادة 160 جعلت نائب الرئيس هو الذي يحل محل رئيس الجمهورية في حال وجود مانع يحول دون مباشرته لسلطاته، وفي حالة عدم وجود نائب يحل محله رئيس مجلس الوزراء.

3- مواد تتعلق بالقوات المسلحة

المادة 200 أضافت لمهمة القوات المسلحة صون الدستور والديمقراطية ومدنية الدولة مما يسمح للجيش قانونًا بالتصدي لأي ثورة، أو مظاهرة، أو أي حراك شعبي، كما يسمح له قانونًا بالانقلاب في حالة تولي الحكم حكومة ليست على هواه.

والمادة 204 جعلت المحاكمات العسكرية للمدنيين تشمل جرائم الاعتداء على المنشآت التي تتولى القوات المسلحة حمايتها؛ مما يعني جميع أنحاء الجمهورية، وليست المنشآت العسكرية فقط.

والمادة 234 جعلت تعيين وزير الدفاع غير مؤقت بدورتين رئاسيتين.

4- مواد تتعلق بالسلطة القضائية

المادة 189 جعلت اختيار النائب العام لرئيس الجمهورية بدلًا من المجلس الأعلى للقضاء.

المادة 193 جعلت اختيار رئيس المحكمة الدستورية ونوابه لرئيس الجمهورية وليس للجمعية العامة للمحكمة الدستورية.

المادة 190 بعد أن كانت تنص على أن مجلس الدولة يتولى وحده الإفتاء في المسائل القانونية ومراجعة وصياغة مشروعات القوانين تم حذف كلمة وحده مما يعني أن جهات أخرى لها هذا الحق.

5- مواد تتعلق بمجلس النواب

مادة 102 حددت كوتة للمرأة في مجلس النواب بنسبة 25% من أعضاء المجلس البالغ عددهم 450 عضوًا.

المادتين 243، 244 كانتا تنصان على أن الدولة تعمل على تمثيل العمال، والفلاحين، والشباب، والمسيحين، وذوي الإعاقة، تمثيلًا ملائمًا في أول مجلس للنواب فحذفت «في أول مجلس للنواب».

6- مواد تتعلق بمجلس الشيوخ

المواد من 248 إلى 252 تتعلق بإنشاء مجلس للشيوخ وبيان اختصاصاته، وتكوينه من عدد لا يقل عن 180 عضوًا، ثلثهم معين من رئيس الجمهورية.

بعض دلالات التعديلات الدستورية

كما هو واضح للعيان، فإن التعديلات ما هي إلا تعديات على الدستور نفسه، الذي نص صراحة في المادة 141 على عدم جواز تعديل المادة 140، كما أن المادة 157 في الدستور تلزم عند إجراء أي تعديلات على الدستور، أن يجري التصويت على بنود التعديلات كل بند على حدة، وهذا لم يحدث، فالتعديل باطل بنص الدستور نفسه.

تكرس هذه التعديلات لبقاء السيسي في الحكم حتى عام 2030، وإلى ما شاء الله، فمن يتلاعب بالدستور بهذا الشكل السافر يسهل عليه التلاعب به مجددًا.

تفتح التعديلات باب التوريث من خلال منصب نائب الرئيس، أو منصب وزير الدفاع.

تقلص التعديلات من صلاحيات السلطة القضائية أكثر وأكثر، وهي في الأصل كانت منبطحة للسلطة التنفيذية، إلا أن التعديلات أزالت أي شبهه شموخ أو استقلال.

تحكم التعديلات من سيطرة المؤسسة العسكرية، وتزيد من تسلطها على رقاب الشعب المصري بأكملة، وتشرعن تدخلها في الحياة السياسية.

تغلق التعديلات الباب نهائيًّا أمام أي محاولة أو أي طريق سياسي لتغيير السلطة الديكتاتورية الحالية، وتغيير عبد الفتاح السيسي، ولو حتى من داخل النظام نفسه.

الموقف من التعديلات الدستورية

تباينت الآراء والمواقف تجاه التعديلات الدستورية إلى مؤيد، ومعارض، ومقاطع.

المؤيدون للتعديلات الدستورية

وهم شلة المنتفعين من هذا النظام الفاسد والمتملقين له، بالإضافه لمن أرهبتهم الجهات الأمنية، وهم أصحاب المحلات التجارية، والعاملين بالمصالح الحكومية.

ويبرز من وسط هؤلاء جميعًا حزب النور بموقفه المثير للغرابة والاستهجان، أظهروا اعتراضًا على كلمة مدنية الدولة وأعلنوا الموافقة عليها بعد طمأنة رئيس مجلس النواب بأنها تعني دوله لا علمانية ولا دينية ولا عسكرية، ويشبه البعض موقف الحزب بمن وقف يعترض على فاحشة الزنا، إلا أنه سرعان ما وافق عليها بعد وعده بأن تظل الداعرة مرتدية للنقاب أثناء ممارسة الفاحشة! فأي إسلام هذا الذي سيقيمه السيسي ويحافظ عليه؟ وأي إسلام هذا الذي سيضمنه! بل أي مدنية تلك التي تتعارض مع الإسلام؟! فالاعتراض ليس على الفاحشة مطلقًا، بل هم من أسوأ الداعمين لها، وأتباع هذا الحزب يحتاجون لدراسة نفسية خاصة تبين كيف يقتادون للمنكر وتأييد الباطل باسم الإسلام، الذي لا يقبل باطلاً، ولا يؤيد ظالمًا بأي صورة من الصور، ولا بأي وجه من الوجوه مطلقًا!

رأي المعارضين للتعديلات الدستورية

يتبنى هذا الرأي غالبية التيار العلماني، والعائدون من معسكر الانقلاب، بالإضافة لبعض أفراد التيارات الإسلامية، وتتلخص وجهة نظرهم في أنه لا فائدة من المقاطعة، وأننا نحتاج إلى أن نفعل فعلاً إيجابيًّا بالتصويت «بلا»، حتى وإن زور الاستفتاء؛ لأن هذه المشاركة ستمنح المعارضة الشجاعة والإقبال، وتظهر قوتها وتأثيرها، كما أنها ستفضح التزوير، كما كان يحدث أيام مبارك، والمقاطعة لا تعني عدم الاعتراف بشرعية النظام، كما يزعم التيار الرافض للمشاركة؛ فكل مواطن هو معترف بالنظام رغمًا عنه، في كل تعامل له مع أي مؤسسة من مؤسسات الدولة.

رأي المقاطعين للتعديلات الدستورية

يتبنى هذا الرأي غالبية التيار الإسلامي، ومؤيدو الشرعية، بالإضافة لأفراد من التيارات الأخرى، وتتلخص وجهة نظرهم في النقاط الآتية:

من يشارك في هذا الاستفتاء يؤدي دور كومبارس، ويشارك في مسرحية هزلية من شأنها تجميل وجه عملية الاستفتاء، وإظهار الإقبال الشعبي عليها.

نظام السيسي سيرحب بأي مشاركة سلبية، ويثمنها؛ فهم يريدون فقط صورتك ولا قيمة لصوتك.

المقاطعة إن لم يكن لها جدوى في إسقاط الانقلاب، فإنها لن تجمل صورته كما ستفعل المشاركة السلبية.

الدستور نفسه دستور انقلابي غير شرعي؛ فكيف نشارك في الاستفتاء على تعديله!

المشاركة ولو «بلا» هي إقرار بالانقلاب واعتراف بشرعيته، وبعض الداعين للمشاركة بلا، هم ممن لفظهم الانقلاب وما زالوا مقرين بشرعيته، واعتراضهم فقط على بعض الممارسات الديكتاتورية للسيسي؛ فهم لم يعترفوا بالانقلاب العسكري، ويعتذرون عن تأييدهم ومشاركتهم فيه؛ لأن اعترافهم يعني الاعتراف بشرعية الدكتور مرسي، ويظهر شناعة جرمهم؛ ولذا يأتي قرارهم بالمشاركة.

دعوات المشاركة قد يكون لها جدوى في حالة واحدة فقط، وهي عندما يصاحبها فعاليات ثورية تظهر الاحتحاجات وتفضح التزوير، لا عندما تتستر عليه، وإلا فهي انتحار للعقل والمنطق.

دعوات المشاركة في الانتخابات دعوات غير منطقية، إن لم تكن دعوات سيئة السمعة يحركها العسكر، وينخدع بها بعض الشرفاء!

السيناريوهات المتوقعة بعد إقرار التعديلات الدستورية

من المتوقع إقرار هذه التعديلات الدستورية بنسب مشاركة ضعيفة تفضح هذا النظام الانقلابي، وتكشف مدى هشاشته، ويتوقع بعدها حدوث أحد هذه السيناريوهات:

1- تزايد خنوع الشعب وخضوعه بعد فقدان أي بصيص أمل في أي محاولة للتغيير، وبعد تزايد إحكام السيطرة الأمنية.

2- تزايد السخط الشعبي تجاه الانقلاب، وتوحد واصطفاف فصائل المعارضة حول فعاليات ثورية حقيقية لكسر الانقلاب، وخصوصا بعد ظهور تآكل شعبيتة كما هو متوقع وضوحه أكثر في المشاركة الفعلية في الاستفتاء.

3- ظهور جبهة من داخل مؤسسات الدولة من الفئات والأجهزة المتضررة من السيسي، تساند الغضب الشعبي المتزايد للقيام بثورة ضده أو انقلاب عليه.

وأخيرًا فهذا تدبير السيسي ومن ورائه، وهذا مكرهم، ويبقى تدبير الله ومكره والله من ورائهم محيط، فعسى أن يأتيهم أمر الله بياتًا أو نهارًا فيجعل تدبيرهم تدميرهم، ويجعل الدائرة تدور عليهم، وما أمر تعديلات السادات ومبارك منا ببعيد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد