يحق لنا التساؤل حول الفائدة من استمرار اللجنة الدستورية إن كان عملها بلا جدوى ومُعطّلًا من ناحية الإنجاز منذ تأسيسها أكتوبر (تشرين الأول) 2019، خمس جولات دون أي تقدم يُذكر؛ ناهيك عن أن موعد تشكيل اللجنة كان لحظة فارقة قسّمت المعارضة فيها إلى عدة معارضات، فجزء منها اعتبر أن الواقعية السياسية تدفع لمنع تعطيل مسارات التفاوض القائمة، بما فيها اللجنة الدستورية وحتى أيضًا مسار أستانا، والحفاظ على نسق التصريحات الإعلامية المُطالبة بضرورة التوازي بين سلة الدستور وسلة الحكم الانتقالي دون أن تُعير الدول الفاعلة في الشأن السوري لهذه التصريحات أي اهتمام، وهي التي كانت بالأساس تصريحات تنحصر في نطاق الاستهلاك الإعلامي.

يتهرب وفد المعارضة إلى اللجنة الدستورية من إعلان وفاة اللجنة، تخوفًا من أن ينعته المجتمع الدولي بالطرف المتسبب بتعطيل العملية السياسية في سوريا، إلا أن هذا المجتمع الذي قالت على لسانه المفوضية الأوروبية بأن ملف سوريا لم يعد ضمن أولويات المجموعة الدولية، بات حريًّا به وقبل أن يطلق رصاصة الرحمة على الملف السوري، أن يقوم بخطوة أخيرة وضمن محددات آلية الحل السياسي وفق القرار الدولي 2254، والضغط لتشكيل هيئة حكم انتقالي تتجاوز كل المسارات التي تم اختراعها في سوتشي وأستانا، لا سيما أن الروس الذين كانوا طرفًا رئيسيًا في عمليات التصعيد العسكري، يساهمون بشتى الطرق لتأخير العملية السياسية وهم الذين توافقت تصريحاتهم مع توجهات دمشق الأخيرة حيال الطلب من المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن بعدم تقييد عمل اللجنة الدستورية والابتعاد عن وضع جدول زمني لعملها ما يعني أن موعد انتهاء أعمال اللجنة سيبقى غير محددًا، كما قالها فيصل المقداد وقبله المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا، الكسندر لافرنتيف، مقابل اعتراف علني بتمييع عمل اللجنة وفق تصريح أحمد الكزبري، رئيس اللجنة المشترك عن وفد النظام، حينما قال مؤخرًا أن اللجنة تناقش فقط مواضيع دستورية وليس مهمتها صياغة المضامين الدستورية.

بمقابل انتظار الاعلان الرسمي لوفاة اللجنة الدستورية، الذي كان يتوقع السوريين منها الكثير وأنا أولهم، إلا أن حالة العطالة التي ترسخت بوجود اللجنة تدفع إما للسعي وللمرة الأخيرة في إيجاد آليات نافذة وفاعلة لإنهاء أعمال اللجنة بالشكل الذي يتيح الانتقال الفوري إلى باقي السلال التي أقرت في الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف، وهذا أمر لا نتوقع حدوثه قياسًا على الوقائع والمعطيات الحالية، وبخاصة أن أعمال اللجنة باتت تتأثر بسياق التصعيد العسكري، بل تُوجّه وفق أهواء الدول الفاعلة في الملف السوري خلال الفترة الماضية والتي تعرف بـالدول الضامنة لمسار أستانا. لذا فإن خيار طرح مجلس عسكري مشترك انتقالي من دون وضع محددات وآليات له كما تناقلت مؤخرًا بعض التقارير الصحفية، والاكتفاء بالإعلان عن ضرورة وجود مجلس عسكري مشترك من طرفي النظام والمعارضة يستلم مرحلة انتقالية تقود البلاد إلى بر الأمان مع تحديد اسم ضابط «مُتوافق عليه» بحسب التقارير يمكن له قيادة هذا المجلس.

يبقى طرح إيجاد مجلس عسكري يحكم البلاد بالشكل الذي يُسوّق له هو طرح قاصر، فمن الذي سيحدد للعسكر انتهاء صلاحية مرحلة قيادتهم للبلاد، ومن يثق بحكم عسكري بعد كل ما أحدثه العسكر سواء في التجارب التاريخية السورية أو الحديثة في المنطقة العربية. لذا فمن الحكمة القول إن إيجاد مجلس عسكري يتوجب إرفاقه بهيئات ومجالس انتقالية موازية، تسيّر شؤون سوريا وتأخذها إلى بر الاستقرار والأمان وتنتقل بخطوات العملية السياسية بشكل عادل وآمن ومتوازن.

وجود الضمانات الدولية هو الأساس لتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وهو الخطوة الأولى التي حددها وأوصى بإيجادها القرار الدولي 2254، بحيث تضمن هذه الهيئة أن ينتقل إليها جميع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، وينتج من خلالها تأسيس بعض المجالس الضرورية للمرحلة الانتقالية، أهمها الحكومة الانتقالية، والتي من الواجب أن تتمتع بصلاحيات رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وفقًا للدستور السوري المعمول به حاليًا للعام 2012.

وفي الوقت ذاته يتم تشكيل هيئة عامة انتقالية، تتألف من أعضاء من كافة القوى والتيارات السياسية والمدنية السورية، تنحصر مهمتها في مراقبة عمل الحكومة، والعمل المنجز لإعلان دستوري مؤقت.

ومن ثم يأتي المجلس العسكري الانتقالي الذي يضم ضباطًا محترفين من الأطراف السورية، يقود التشكيلات العسكرية ويضبطها، ويؤمن الاستقرار للبلاد، ويأخذ أوامره من الحكومة، ويتم تشكيل مجلس قيادة عليا له برئيس ونواب، وتكون إحدى مهامه دمج وإعادة هيكلة الإطار العسكري في سوريا، وإعداد خطة لمكافحة الإرهاب، وهيكلة الأمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد