يعتبر ابن خلدون في المقدمة أنه بعد تحقق الاجتماع الإنساني، وتمَّ عمران العالم بهم، فلا بدَّ من وازعٍ يدْفع بعضهم عن بعضٍ، لما في طباعهم الحيوانيَّة من العُدْوان والظُّلمْ…فيكون ذلك الوازعُ واحدًا منهم، تكون له عليهم الغَلَبة والسُّلطانُ واليدُ القاهِرة، حتّى لا يَصِلُ أحدٌ إلى غَيْره بعُدْوان، وهذا هو مَعْنى المُلْك (ص71). فالدولة ضرورة طبيعية استوجبها الميل الطبيعي للإنسان في العدوان والظلم أي ميله للتسلط على غيره من الناس. إن الدولة هي الضامنة لتحقق المساواة والعدل بين البشر جميعًا. وهي تقوم على أسس عدة ليس بشرطها أن تكون نابعة من الوحي الإلهي. إذ الوُجود وحياةُ البَشَر قد تَتِمُّ من دون ذلك بما يفرضُه الحاكِمُ لنَفْسه، أو بالعَصَبِيَّة التي يَقْتَدرُ بها على قَهْرهم وحَمْلهم على جَادَّتِه (ص72). مبرزًا أن الكثير من الدول السابقة لم تقم على الوحي مثل دولة الفرس والروم وغيرها من الإمبراطوريات شرقًا وغربًا. فالعصبية كانت الغالبة على نشأة الدول وهذه العصبية ذات وجوه عدة منها العصبية الدينية والعرقية والطبقية. فالعصبية رابطة تتجاوز رابطة النسب والقرابة العائلية؛ فابن خلدون يُعنى بالعصبية رابطةً اجتماعية تنظم علاقات الأفراد، بل ينظر إليها، من حيث إنها قوة مواجهة، تنتظم العلاقات مع الدولة. ويقرر أنَّ الغايةَ التي تَجْري إليها العَصبِيَّةُ هي المُلْكُ (ص244)، وينتهي إلى القول إنَّ التغلُّب المُلكيَّ غايةٌ للعَصبِيّة (ص244)، فهو ليس اختيارًا بل ضرورة وجودية، فالعصبيَّة تؤدي إلى الملك ضرورةً لأن الله قد أجرى العادة على ذلك. وهذه العادة قد استقرت وأصبحت طبعًا ملازمًا للعمران. كما يؤكد ابن خلدون أن هذا الملك القائم على العصبيَّة إن تحول لظلم وعدوان وقهر للرعية فإنه مُؤْذِنٌ بخَرابِ العُمْران (ص491). فالتجبر والقهر والتعدي على حرمات الناس وإباحة دمائهم وأعراضهم من قِبل أهل العصبيَّة ممن ولوا شؤونهم قد يدفع الناس للثورة على أهل السلطان والتحرر من قهرهم وعدوانهم على الخلق. فأحوال الدول تتغير مثل أحوال الخلق؛ ولذلك يكون العدل هو أساس سلامة الدولة واستمرار أمرها لقرونٍ عدة ولأجيال كثيرة واستقرار تلك العصبيَّة التي أسستها فيما بينهم وترسخها.

لقد حدثت ثورة في تونس بين 17 ديسمبر (كانون الأول) و14 يناير (كانون الثاني) 2011 بسبب انحراف الدولة التي تشكلت بعد الاستقلال عن غايتها القصوى في تحقيق العدالة والرفاه للشعب التونسي وتحولها لدولة استبداد وفساد واستغلال ومس من الكرامة الإنسانية. والثورة كما تم تعرفها موسوعة علم الاجتماع: التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع، تلك التغييرات التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهريًّا وجوهريًّا من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وأيديولوجية وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنيفةً دمويةً، كما قد تكون سلمية، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجية. لقد كانت غاية الثورة تحقيق الحرية والكرامة الإنسانية للشعب التونسي ولا يتحقق ذلك إلا عبر بناء نظام ديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال التوزيع العادل للثروة.

إن الأهداف السامية للثورة التونسية تحمس لها عموم الشعب منذ اللحظة الأولى وأؤتمنت عليها مجموعة من الأحزاب والحركات والجبهات السياسية والمنظمات الوطنية وقوى المجتمع المدني لتحققها له وتضمن عدم العودة للاستبداد مرةً ثانية. وكان للشعب حضور قوي في انتخابات المجلس التأسيسي واختار من يعدهم على مستوى العصبيَّة الجديدة التي تشكلت من خلال قيم الثورة أو من يسميهم القوى الثورية وهي تيارات فكرية وأحزاب ومنظمات كانت تقارع عصبيَّة الاستبداد قبل الثورة. وكان يعتقد أنهم سيجتمعون من أجل تحقيق تلك الأهداف خدمةً للمصلحة العليا للوطن والشعب. ولكن الواقع كان مخيبًا لآمال الشعب كافة. فلقد انقلب هؤلاء على بعضهم بعضًا منذ اللحظة الأولى بل وصل بهم الأمر لاستدعاء الآلة الإعلامية الجهنمية التي استخدمها نظام الاستبداد التي حولت حياة عموم الناس لجحيم حقيقي وأفقدتهم كل أمل في المستقبل؛ بل دمرت كل القيم الأخلاقية والإنسانية للأجيال اللاحقة. فعم الخراب القيمي وعمت الفوضى الاجتماعية (30 ألف إضراب لم يشهد العالم لها مثيل طيلة تاريخ الإضرابات فيه) التي أوصلت تونس على حافة الهاوية. إلا أن الأمل تجدد  في انتخابات 2019 بظهور طبقة سياسية جديدة يمثلها الأستاذ قيس سعيد؛ ولذلك تداعى التونسيون من كل المشارب والأيديولوجيات لانتخابه علَّه يحقق الأهداف والغايات التي من أجلها ثار الناس. ولكن يا لخيبة المسعى فلقد تحول الأمل إلى شريك في الخراب والفوضى وها هي البلاد اليوم وقبل أيام من الاحتفال بذكرى الجمهورية تقف على حافة الهاوية؛ بل تكاد تسقط فيها ولا يمنعها عنها إلا شعرة أمل في أن يعود الكل إلى رشدهم.

إن السبب فيما وصلت إليه تونس من أزمة سياسية وما نتج منها من أزمات في الصحة والتربية والاقتصاد وغيرها، إنما هو تحول الأحزاب والحركات والشخصيات والقوى المدنية والإعلامية من الاتفاق حول العصبيّة الوطنية المشكلة للدولة التي تمثلها الثوار إلى عصبيات إيديولوجية متفرقة ومشتتة لا يجمع بينها أي عنصر ناظم ولا غاية لها إلا تدمير بعضها بعضًا بشكل يذكِّر بالطائفية التي شهدتها وتشهدها لبنان حيث تحولت الأحزاب هناك إلى طوائف لا علاقة لها بالحزبية السياسية التي هي في الأصل مضادة للطائفية ولا تقوم إلا على عصبيّة وطنية تتأسس عليها دولة في خدمة الكل لا خدمة أعضاء الطائفة على حساب بقية المجتمع وعلى حساب استقرار الدولة وازدهارها وتحقيقها لرفاه شعبها. لقد تحولت الأحزاب في تونس إلى طوائف متفرقة تدار بينها حرب شعواء مدمرة في رحاب الفضاءات الافتراضية، حيث تحول أنصارها إلى حماة الطائفة (الحزب أو الحركة أو المنظمة) على حساب الوطن، ولعل الخطر الأكبر أن تتحول هذه الحرب الأهلية الافتراضية إلى حرب فعلية وهو ما تسعى إليه العديد من القوى الطائفية (بعض قادة الأحزاب دعوا صراحة للحرب الأهلية) الداخلية والقوى الخارجية التي تقف وراء وخلف الثورة المضادة، والتي تريد استدامة الاستبداد في المنطقة العربية لأنه لا مستقبل لها تحت ظلال الحرية.

لقد حلت الطائفية وهي التعصب لجماعة دينية أو إيديولوجية ما، محل العصبيَّة الوطنية التي وحدت الناس في دحر الاستعمار ووحدتهم في الثورة وتوحدهم دومًا كلما ألمَّ بالبلاد خطب خطير استوجب تدافع الناس من أجل إنقاذ الوطن وهو ما تجلى أخيرًا في حملة التضامن الشعبي مع ضحايا الوباء حتى أصبح المجتمع المدني (توجه بنداء دولي لمساعدة تونس) هو الدافع لتدخل الدول الشقيقة والصديقة بالعون والتآزر من أجل الانتصار على الوباء وهو ما أكده رئيس الدولة نفسه لمراسل إحدى قنوات الثورة المضادة بأنه لم يطلب دعمًا من أحد وأن الدول تداعت من تلقاء نفسها. لكن هذه المساعدات تراوح مكانها لحد الآن بسبب الصراع الطائفي المزمن بين رئيس الجمهورية من ناحية ورئيس الحكومة (اختاره الرئيس نفسه دون موافقة الأحزاب) من ناحية ثانية، وهو صراع أصبح علنيًّا تدور رحاه في الفضاءات الافتراضية والقنوات الإعلامية ومؤسسات الدولة، ولعل انتقاله لمؤسسات الدولة هو المؤذن بخراب العمران، خاصة وأن الدستور ينص صراحة على حياد تلك المؤسسات وخاصة المؤسسة العسكرية والأمنية. فالمؤسستان أصبحتا مقسمتين بين قرطاج (رئاسة الجمهورية) والقصبة (رئاسة الحكومة) وهو أمر ينذر بالخطر الشديد ما لم يتدخل عقلاء الطوائف لمنع انحدار الأمر لمواجهة بين المؤسستين، وهو ليس أمرًا مستبعدًا إذا ما نظرنا إلى تاريخ تونس القديم (الحرب الأهلية في عهد الحسينيين) وفي تاريخ العالم (ما حصل في رومانيا في عهد تشاوسسكو).

إن عمر بن الخطاب بعد عزله لخالد بن الوليد حين دعاه هذا الأخير  للمناظرة حول أسباب العزل قبلها قائلًا: وأريد اليوم أن أجعل نفسي حجة على كل من يلي هذا الأمر بعدي فلا يأبى أحدهم أو يستنكف أن يناقشه أحد من رعيته على رؤوس الأشهاد أبدًا. ولكن هذه الحجة العمرية لمن سيحكم الأمة بعده لم تعد ذات بال اليوم في تونس حيث إن التعرض لمن في سدة الحكم من رؤساء الطوائف السياسية والفكرية والإعلامية من عموم الرعية يؤدي بصاحبه للمحاكمة العسكرية (عند نقد الرئيس) والمدنية (عند نقد الحكومة ورؤساء الطوائف الحزبية). إن التعصب الذي يحكم عقلية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين الذي حول الأحزاب والحركات والجبهات السياسية والنخب الفكرية والإعلامية إلى طوائف لا علاقة لها بالتحولات التي شهدها الفكر السياسي الإنساني في العصر الحديث. ذلك أن الفرق بين الحزبية والطائفية في تونس هو كالفرق بين الذئب (انقرض من تونس سنة 1964) وابن آوى الذي يوصف بكونه ذئبًا وتلصق بالذئب المنقرض كل أفعال ابن آوى في تونس، فالأحزاب هي أحزاب شكلًا طوائف فعلًا. هذه الطائفية تهدد وحدة تونس وأمنها واستقرارها بل تدفعها دفعًا نحو الهاوية. لقد تحولت المنافسة السياسية التي هي أساس الفعل السياسي الحديث خدمة للصالح العام إلى حميَّة طائفية قروسطية وتحول رؤساء الأحزاب والمنظمات إلى رؤساء طوائف وتحول الأنصار لمريدي شيخ الطائفة يدافعون عنها وعنه بكل الوسائل التي تفتقد في الأغلب لكل القيم الأخلاقية والإنسانية التي تنظم الحوار والجدال بين البشر. إنّ الحميّة الطائفية تتحكم في الفاعلين السياسيين وهي حميّة لم تحقق للشعب إلا التعاسة وزادت في تفقيره وتركته وحيدًا في مواجهة الوباء الذي اكتسح العالم اليوم. ولا يمكن الخروج من هذه الحلقة الجهنمية إلا بالتحرر من هذه الطائفية وعودة الأحزاب إلى وظيفتها الأصلية في بناء مشروعات دولة لا مشروعات طائفة على حساب الدولة وأن يعودوا للتنافس من أجل خدمة الوطن والشعب لا خدمة مصالح طوائفهم على حساب الشعب والدولة.

إن كل الأسباب السابقة كانت تنذر بأن الرئيس الذي قدم نفسه بديلًا للطائفية قد أصبح واحدًا منها. وها هو اليوم في ذكرى إعلان الجمهورية يعلن السيطرة الكاملة على كامل السلطة في البلاد، متعللًا بالفصل 80 من الدستور في حين أن كل القرارات التي أصدرها مخالفة له. إنه انقلاب كامل الأركان سيؤدي بالبلاد لا لحل مشكلاتها بل لمزيد من التدهور إن لم يتحرك العقلاء في تونس. هو انقلاب لا أفق له ولن يزيد الطينة إلا بلة. ذلك أن كل طائفة ستتمسك بمواقفها المعلنة ولن تتراجع عنها إلا بتنازل متبادل حتى لا تنزلق البلاد للحرب الأهلية، وهو أمر لا يمنع حدوثه شيء، فكل عوامل تلك الحرب متوفرة حتى وإن أراد البعض إنكار ذلك. إن الرئيس مدعو للعودة لمشروعه الأصلي في خدمة الشعب بالقطع مع رموز الطائفية والثورة المضادة من بين مستشاريه واختيار مستشارين تحركهم العصبيّة الوطنية، وأن ينأى بنفسه عن كل دعوات الخراب التي يصدح بها البعض هنا وهناك خدمة لمصالح لا علاقة لها بالمصلحة العليا للدولة وللأهداف التي من أجلها قامت الثورة. كما أنه على القيادات الشابة للأحزاب والحركات والمنظمات والجبهات والجمعيات تحريرها من الطائفية بتغيير القيادات الهرمة التي لا تحسن العيش إلا في ظل الطائفية والتعصب والعودة بها للعصبيّة الوطنية حتى لا تندثر الدولة ويذهب ريحها. إن العودة للعصبيّة الوطنية وترك الطائفية هو الحل الذي يمنع تونس من أن تكون لبنان الثانية.

يقول الطرطوشي في كتابه «سراج الملوك» في الباب التاسع والثلاثين في مثل السلطان العادل والجائر: مثل السلطان العادل مثل الياقوتة النفيسة الرقيعة في وسط العقد، ومثل الرعية مثل سائر الشذر فلا تلحظ العيون إلا الواسطة، وأول ما يبصر المبصرون وينقد الناقدون الواسطة، وإنما يثني المُثنون على الواسطة، وكلما حسنت الواسطة غمرت سائر الشذر فلا يكاد يذكر؛ … ومثل السلطان الجائر مثل الشوكة في الرجل، فصاحبها تحت ألم وقلق ويتداعى لها سائر الجسد، ولا يزال صاحبها يروم قلعها ويستعين وبما في ميسوره من الآلات والمناقيش والإبر على إخراجها، لأنها في غير موضعها الطبيعي ويوشك أن يقلع بالأجرة، فأين غرر الياقوت من شوك القتاد؟

فليختر كل رجال السياسة في تونس مكانهم بين أن يكونوا ياقوتة نفيسة في حضن الشعب أو شوكة في أقدامه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد