استغلت الولايات المتحدة الأمريكية أجواء ما أسمته «الحرب ضد الإرهاب»، لابتزاز العديد من الأنظمة العربية لإجبارها على تقديم تنازلات تتلاءم مع السياسات الأمريكية في المنطقة . فقد قامت وزارة الخارجية الأمريكية بإصدار عدة تقارير عن منطقة الشرق الأوسط وشرق آسيا وشمال إفريقيا فيما يخص موضوع الإرهاب، ومحاربته في دول عربية كسوريا، العراق، السودان، ليبيا واليمن. وبعد التفجير الذي طال مكتب التحقيق الفدرالي الأمريكي أبريل (نيسان) 1995، أصدرت واشنطن مرسومًا شاملًا لمكافحة الإرهاب.

قام الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» بالتوقيع على وثيقة مكافحة الإرهاب الدولي في أغسطس (آب) 1996، وهي الوثيقة المعروفة بـ«قانون أماتو» الذي يحرم على الشركات الأجنبية استثمار أكثر من 40 مليون دولار أمريكي في إيران، كسياسة احتواء للدول التي تتهمها واشنطن بمساعدة التنظيمات الإرهابية.

لتأتي أحداث 11 سبتمبر 2001 لتشكل فرصة لخدمة مصالح واشنطن، ويقترن مصطلح الإرهاب أكثر بالشرق الأوسط. فأصرت الولايات المتحدة على محاربته؛ لتعلن في 25 سبتمبر (أيلول) 2001 عن قائمة حددها الرئيس بوش تتضمن 11 منظمة، و12 شخصًا، و4 منظمات خيرية لمحاربتها. أهمها «تنظيم القاعدة»، و«أسامة بن لادن» الذي تبنى تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

بالرغم من أن التخطيط الأمريكي لضرب أفغانستان كان مخططًا قبل تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حسب شهادة وزير الخارجية الباكستاني حول تحذير مسؤولين أمريكيين كبار للباكستانيين في منتصف يوليو (تموز) 2001 من أن إجراء عسكريًا كان يخطط ضد أفغانستان؛ لأن ما دفع الإدارة الأمريكية إلى تغيير النظام الأفغاني، وخوض غمار حرب دامية لم يكن من أجل إقامة الديمقراطية، وإنما كون «حركة طالبان»، الشريك السابق لواشنطن، لم تعد تسيطر على أفغانستان بالكامل، أي غياب الاستقرار، وهذا ما قد يخلق فرصة للتنظيمات الإسلامية المتشددة الرافضة لأفكار الغرب، وتحالفها مع طالبان .

بعد الزلزال العنيف الذي أحدثته تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بالولايات المتحدة وبالعالم، تبنت الإدارة الأمريكية نظرية جديدة عرفت «بالفوضى البناءة أو الخلاقة»، والتي تقوم على فكرة الافتراض بوجود عدو أو خطر يهدد الأمن القومي الأمريكي، إما من منظمة إرهابية أو حركة أو حزب سياسي أو من دولة، ما يسمح للإدارة الأمريكية بخوض حرب ضد العدو المفترض، بناءا على تصور أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، أو مراكز التخطيط الاستراتيجي في البيت الأبيض والبنتاغون.

وترتكز هذه النظرية على المبادرة بالتفكيك وإعادة التركيب، بحيث تكون الفوضى سبيلًا لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع، وفق تصور أمريكي محضّ.

لقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع التفاعلات التي تموج بها منطقة الشرق الأوسط، والترويج لفكرة إشاعة الديمقراطية، والتحول الديمقراطي في هذه المنطقة عن طريق خلق الفوضى، التي ستتيح مستقبلا وضعا أفضل مما تعيشه المنطقة حاليًا ، في سيناريو تدميري، لتفكيك المنطقة.

بعد الحرب الضروس التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق عام 2003 ، تحت شعار إشاعة الديمقراطية، وقطع الطريق أمام الديكتاتورية والأصولية .انهارت دولة العراق بكامل مؤسساتها، وأصبحت مركزا للإرهاب الدولي، وملاذا لتنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيمات إرهابية أخرى. برهنت الإدارة الأمريكية على أن المعادلة التي تتضمن التدمير الخلاّق لنشر الديمقراطية، تحولت إلى كارثة إنسانية. هددت السلم والأمن الدوليين، وقضت على أحلام العيش الأمن. ناهيك عن حلم الديمقراطية التي وعدوا بها شعوب الشرق الأوسط.

بالرغم من أن الدرس في العراق كان قاسيًا جدًا، ونتائجه وخيمة، إلا أن العدوى انتقلت إلى دول مجاورة منها سوريا واليمن وليبيا. تحت فكرة إحداث شيء من الفوضى والخلخلة؛ حتى يحصل التغيير. وفعلًا لم تنتظر هذه الشعوب كثيرًا لترى التغيير الذي حلمت به، وكيف أصبح وهمًا؛ فقد أصبحت سوريا واليمن وليبيا مسرحًا للدمار وإراقة الدماء، ومركزًا للإرهاب.

والمؤسف في كل هذا، أن هذه الشعوب ما زالت تؤمن بأن اجتماعات القادة الكبار كالولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها… ستمكنها من تحقيق عيش أفضل، وإنهاء الحروب، وبناء الديمقراطية، وتحقيق الاستقرار والأمن. متناسيين بأن مثل هذه الاجتماعات، والخطابات الرنانة التي يلقيها قادة هذه الدول في أروقة منظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، و كذا الاجتماعات من أجل سوريا واليمن وليبيا… إنما هو العالم الخرافي، الذي أراد له القويّ أن يوهم به الضعيف، ويجعله متعلقًا به.

فالاجتماعات المفتوحة في كل من باريس وفينا ولوزان وموسكو ونيويورك بين قادة القوى الكبرى، ستندد بالحرب والجرائم ضد الإنسانية، وستقترح هدنة إنسانية، وحلولًا سلمية، ومفاوضات بين الأطراف المتنازعة. إلا أن الاجتماعات المغلقة والسرية ستدرس فقط المصالح المتصادمة في بؤر التوتر بين اللاعبين الدوليين والإقليميين. وستحاول تمديد الأزمة، والحرب. من أجل مساومات سياسية و اقتصادية أكبر، وتدرس عقود إعادة الإعمار، وخطط التقسيم والتفكيك في المنطقة. فهم يحاولون إظهار الالتزام الأخلاقي والإنساني في العالم الخرافي، و مدركون أن العالم الحقيقي مختلف تمامًا عن هذه التصورات.

إن الحل الوحيد في مواجهة مثل هذه الأخطار، والمشاريع التي تستهدف منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط في المواجهة، وإنما أولًا في الإيمان بأن العالم الحقيقي لا تحكمه المثل والأخلاق، وحقوق الإنسان، والمشاعر الرقيقة، وإنما تحكمه المصالح والحروب والعداوة، والتضليل والخراب. كما أن الفوضى التي يروج لها في العالم الخرافي بأنها بناءة، إنما هي هدامة في العالم الحقيقي، وكل ما تصنعه هو الدمار والفوضى في الأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفوضى
عرض التعليقات
تحميل المزيد