ما أكثر تبادل الألفاظ البذيئة فيما بيننا الآن!

إذا كنت تنتمي لفكر أو حزب مُعين، وترفض الفكر الآخر، فستجد نفسك تُبادر – سواء بشكل إرادي أو لا إرادي – إلى سب الفكر، والرأي المُخالف لك، وإهانته بشتى الطرق، وفي كثير من الأحيان تصل إلى حد التشابك بالأيدي معه.

ثورة 25 يناير

للأسف؛ تلك الظاهرة بدأت في الانتشار، بعد ثورة 25 يناير، من وجهة نظري: تجد فجأة أن الشعب انقسم إلى قسمين، بل أكثر من ذلك ـ ليس من الاختلاف بُد؛ فهو ظاهرة كونية صحية، ولكن عدم تقبل الفكر، والرأي الآخر، هو المشكلة الجوهرية – وكل قسم يريد من القسم الآخر أن يتبعه، بدون إبداء للرأي الخاص به!

رجاء! لا تُسئ فِهمي، وتعتقد أنني ألوم الثورة على أنها جعلت من بعض الشعب المصري يُظهر أبشع ما لديه، أو أن الثورة هي السبب في فساد المُجتمع المصري، ولكن ما أُعلنه هنا أن تلك الظاهرة – السب – بدأت بعد الثورة، وبشكل علني، بعدما كان السب في الخفاء سابقًا، ولا ندري ما السبب في ذلك.

وجدنا أيضًا في المُشادات الكلامية العادية التي تحدث في الشارع باستمرار، من يتسارع في سب الآخر بأبشع الألفاظ!

أتذكر منذ وقت ليس ببعيد، عندما كنت أسير في الشارع وأجد من يتشاجر مع الآخر لأي سبب كان، ويفلت منه لفظ غير أخلاقي، بشكل لا إرادي، فإذا به ينظر إلي ويعتذر لسماعي ذلك اللفظ!

بينما أصبح الآن من البديهي، بل من الطبيعي أيضًا أن يتبادل الشباب السباب والشتائم أمام النساء، بل أمام كِبار السن!

ماذا حدث؟ لا أعلم!

هل هذا نتيجة غضب مكبوت أراد أن يعبر عن ذاته، ولكنه للأسف عبر عنه بشكل خاطئ؟

هل هذا نتيجة أن المعايير الأخلاقية، والمقاييس، تغيرت الآن عن السابق؟

لا أعلم .. حقيقة لا أعلم.

ولكن ما أعلمه ـ حقًا ـ أنني من حقي، ومن حق كافة البشر أن نعيش في بيئة خالية تمامًا من إهانة الآخر، من حقك أن تسير في الشارع، مع زوجتك، أو ابنتك، وأنت مُطمئن؛ حيث لا يوجد سباب هنا، أو شتائم هناك.

السباب الإلكتروني

ما حدث هو عكس ذلك، فبدلًا من نشر ثقافة الأخلاق، والكلام الطيب، واللسان النظيف في الشوارع المصرية المختلفة، وجدنا أننا نقلنا مثل تلك الظاهرة السيئة إلى مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا!

غالبية مُستخدمي الـ«فيسبوك» و«تويتر» يسبون بعضهم البعض – إلا من رحم ربُك – وكأن السباب أصبح اللغة الوحيدة التي يعلمها الجميع!

قديمًا، كان الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية، أما الآن فاختلاف الرأي يجعلك تضغط على زر إلغاء المتابعة؛ ليبقى الود!

الموضوع تطرق لأبعد من أنك تختلف مع شخص ما، في نقطة ما، فتقرر إهانته أو سبه، لا، بل الأمر وصل إلى حد التدخل أيضًا فيما يكتبه الآخر على حسابه الشخصي!

وإذا لم يكتب ما تريده أنت، ويكون وفق مُرادك، تجد نفسك تُعلق على ما كتبه بلهجة شديدة العنف، وكأن ـ مثلًا ـ هذا الشخص كتب، ما كتبه، على حسابك الشخصي، وليس حسابه!

منذ فترة قصيرة مضت، تعرضت ـ أنا نفسي ـ لهذا الموقف، كتبت شيئًا ما على حسابي الشخصي، ووجدت من يُهاجمني بأسلوب يخلو من الرقي واحترام الآخر، وما فعلته حينها أنني تجنبت الرد عليه.

النقد البناء

لماذا نفتقد إلى ثقافة النقد البناء؟

لا شيء في أن تختلف مع طرف ما، ولكن اختلف بشيء من الرقي والأخلاق، اختلف بشكل يضيف لهذا الشخص ولك، لا يهينه ولا ينقص من قدره!

وتذكر أن الشتائم تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي باسمك، وليس اسم أحد آخر. تذكر أن التعليق عليه اسمك!

فهل يُعجبك أن يرتبط اسمك بكلام طيب أم سيئ؟

قبل أن تعلق على مُحتوى أي شخص، تذكر، واسأل نفسك تلك الأسئلة:

هل ما أرغب فيه من هذا الشخص، أن أظهره كشخص الجاهل الذي لا يعلم شيئًا، أم أن ما أرغب فيه حقًا أن ألفت نظره بشكل راق بناء؟

هل أنا قادر على أن أختلف مع الرأي الآخر بمنتهى الموضوعية؟

إذا أجبت بـ«نعم»، فقم بالتعليق، وإذا أجبت بـ«لا»، فرجاء؛ امتنع عن التعليق!

وحتى لا أكون مجرد شخص يتحدث بكلام مُرسل فقط، دعوني أذكركم، وأذكر نفسي قبلكم بثقافة النقد البناء، والتي يُطلق عليها مُصطلح «ساندويتش النقد».

ساندويتش النقد

وفيها أنت كشخص يتسم بالرقي، تريد لفت انتباه شخص آخر إلى شيء ما.

فتقوم بالآتي:

في البداية – الطبقة الأولى من الساندويتش – تقوم بتشجيع ذلك الشخص، ببعض الكلمات التي تعمل على شد عزيمته وتحفيزه، ثم تقول النقطة التي تريد لفت انتباهه لها، بأسلوب بسيط، والتي تُعد بمثابة «الحشو» في «الساندويتش»، وفي الطبقة الأخيرة من «الساندويتش» تقوم بتشجيعه مرة أخرى، وبث الحماسة في نفسه؛ لكي تضمن أن النقد يعمل على تحسينه، وليس على تدميره.

أفعل هذه الطريقة مع أي شخص سواء تعرفه أم لا، صدقًا؛ إذا فعلت ذلك الأمر مع أي شخ، سوف تجد من ينبهك، ويلفت نظرك لأخطائك أنت أيضًا بطريقة مُبدعة وراقية.

وتذكر: «كما تَدين تُدان»، حتى في أبسط الأمور، حتى في الألفاظ التي تتبادلها مع الآخر، سواء كانت طيبة أم سيئة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد