اتسم حقل العلاقات الدولية خلال فترة الثمانينيات بظهور مناظرتين بارزتين أولهما بين الواقعيين الجدد والليبراليين الجدد (حيث ركّزت كلتا النظريتين على اعتماد الحسابات العقلانية فتم تسميتهم بالعقلانيين)، أما المناظرة الثانية. فظهرت بين العقلانيين (Rationalists) وبين أنصار النظريات النقدية حيث تحدى أنصار الأخيرة كل افتراضات العقلانيين المعرفية، والمنهجية، والوجودية، والمعيارية. لكن ومنذ انتهاء الحرب الباردة تم استبدال هاتين المناظرتين بأخريين الأولى بين العقلانيين ورواد المدرسة البنائية، والثانية بين أنصار النظريات النقدية ورواد المدرسة البنائية.

تركّز المدرسة البنائية في مجملها على أهمية كل من البنى المعيارية والبنى المادية في بناء الهوية المحددة للأفعال السياسية، كما تهتم بدراسة العلاقة بين البنى (Structures) والعملاء (Agents)، فهي بذلك تجمع بين النموذجين العقلاني والنقدي في آن معًا وتشابه في مهمتها المدرسة الإنجليزية ولكن مع فارق التركيز على التقريب بين العقلانيين والنقديين.

المناظرات العقلانية

عادت النظرية الواقعية للهيمنة على حقل العلاقات الدولية منذ فترة ما بين الحربين العالميتين لما بعد الحرب العالمية الثانية وتحدّت بذلك الليبرالية التي دعا إليها كل من روبرت كيوهان وجوزيف ناي والتي ركزت على نظرية الاعتمادية (interdependence)  والتي تعتبر أن اعتماد الدول على بعضها وتداخل علاقاتها الاقتصادي بوسعه أن يولد منافع مشتركة لكافة الدول، وبالتالي يحقق السلام في العالم، وعاد الواقعيون للرد على تلك الافتراضات حيث قال والتز إن العالم يعيش في فوضى، وفي ظل غياب أي سلطة عليا للتحكم بالدول، سوف تبقى كافة الدول في حالة مراكمة للقوة بغرض النجاة.

ليقوم كيوهان بالرد على والتز من خلال كتابه «ما بعد الهيمنة» والذي افترض فيه إمكانية التعاون في ظل الفوضى الدولية، وبقي الجدال قائمًا بين التيارين ففي حين يعتقد الليبراليون أن المكاسب التجارية المشتركة والتي يمكن أن تحصل عليها الدول هي مكاسب مطلقة (Absolute)، أو بمعنى آخر فإن المكاسب من التجارة سوف تعمُّ على الجميع ولهذا السبب لا يهم من يكسب أكثر ومن يكسب أقل، يركّز الواقعيون على أن مكاسب التجارة سوف تبقى نسبية (Relative) وبما أن الدول الأقوى هي التي تحصل على مكاسب أكثر من التجارة، فإن تلك الدول سوف تراكم القوة بينما سوف تبقى الدول ذات المكاسب الأقل ضعيفة وعرضة للاعتداء في أي وقت.

إذًا ففي حين يتموضع الواقعيّون دفاعيًا (Defensive positionalists)، يصف الليبراليون نفسهم بأنهم مراكمين للمنفعة القصوى (Utility-maximizes)، وهو الفارق الرئيس بين كل منهما، أما بالنسبة للنقاط المشتركة بينهما فهي كثيرة وأهمها الافتراضات العقلانيّة حيث يعتبر كلاهما أن الفاعلين في السياسة الدولية (الدول ذات السيادة) تقوم بعمل حساباتها الاقتصادية ومنفعتها الخاصة (Self-interest) فهي بذلك ما قبل اجتماعية (pre-social)، حيث إن هويتها ومصالحها ذاتية التولد (Autogenous)، وهي بذلك خارجية المنشأ (Exogenous) بالنسبة لنظام التفاعلات الاجتماعية، أي أن الفاعلين يدخلون في علاقات دولية بعد أن يحددوا مصالحهم، وبهذا فإن المجتمع أيضًا يصبح حقلًا استراتيجيًا (Strategic realm )، أي أن كل طرف يدخله بغرض السعي لمصالح محددة مسبقًا. وفي حين أنّ طريقة السعي لتحقيق المصالح هي الاختلاف الجوهري بين النظريتين، فإن أوجه التشابه الكثيرة بينهما هي ما يجعل الأكاديميين يطلقون عليهما اسم النظريات العقلانية والتي تمت مناظرتها من قبل النظريات النقدية فيما بعد.

تحديات النظرية النقدية

جاءت النظرية النقدية الدولية بمثابة تحدٍ لجذور المشروع العقلاني في العمق، فعلى الصعيد الأونطولجي (الوجودي) فقد انتقدوا الصورة النمطية للفاعلين الدوليين الذين يشكلون مصالحهم الذاتية قبل الشروع بدخول التفاعلات الاجتماعية، بل واعتبروا أن أولئك الفاعلين يشكلون هويتهم ومصالحهم بشكل اجتماعي.

أما على الصعيد الأبستمولوجي (المعرفي) فقد انتقدت النظرية النقدية منهجية الفلسفة الوضعية (positivism) التي يستخدمها العقلانيون بل ودعت لاستخدام أنماط أكثر تفسيرية (interpretive) في العلوم الاجتماعية، وهنا اختلفت درجة الدعوة لاستخدام الأنماط التفسيرية بين الحداثيين الأوائل ممن استحدثوا مدرسة فرانكفورت من أمثال يورغين هابيرماس وبين ما بعد الحداثيين الذين دعوا لاستخدام الأنماط التفسيرية بصورة أكثر راديكالية مثل جاك ديريدا، وميشيل فوكوه. وهذا ما دفع مارك هوفمان للقول بأن الفارق بين الحداثيين وما بعد الحداثيين هو أن الحداثيين يرفضون الظاهرة التأسيسية بشكل مطلق فهم يتّسمون بما يمكن أن نطلق عليه (Anti-foundationalism)، أما ما بعد الحداثيين فهم يقبلون باستحالة التخلص من التصنيفات بشكل كامل ولذلك فيعمدون إلى التقليل من استخدامها، ويتسمون بما يطلق عليه (Minimal foundationalism).

إن اعتماد النظرية النقدية على الفلسفة بشكل كبير، جعلها تبدو منفصلة عن الواقع، لأنه أظهر فيها فجوة بين النظرية والتجريب، وهذا ما دفع بالنظرية الواقعية لتتصدر المشهد ليس فقط في الحقل الأكاديمي، بل أيضًا بين صناع السياسات خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن انتهاء الحرب الباردة وكل ما تبعها أعاد للنظريات النقدية اعتبارها بشكل جزئي.

ظهور النظرية البنائية

جاءت نهاية الحرب الباردة بمثابة الفرصة لرواد المدرسة البنائية وذلك نظرًا لعجز المدارس العقلانية عن التنبؤ بنهاية الحرب والإجابة عن التساؤلات المتعلقة بنهايتها. وهذا ما دفع المدرسة البنائية للظهور على شكل نظرية علاقات دولية تتوسع بفرضيات النظرية النقدية لتشمل فرضيات تتعلق بمعظمها بعلم الاجتماع. والحق أن البنائية اختلفت عن الموجة الأولى من النظريات النقدية، حيث يعد التركيز على التحليل التجريبي ( Empirical analysis) من أبرز أوجه هذا الاختلاف، حيث إن رواد المدرسة البنائية لم يرفضوا منهجية الفلسفة الوضعية بشكل كامل، بل على العكس استفادوا من بعضها لإجراء تحليلهم التجريبي، وقد دفعهم لهذا الانتقادات التي وجهت للنظريات النقدية بوصفها فلسفية وغير قابلة للتطبيق، كما ساعد في هذا دخول جيل جديد من الأكاديميين في التسعينيات والذين كانوا متحمسين لإنشاء نظريتهم الخاصة التي تُبقي على مبادئ النظريات النقدية ولكن بنموذج أكثر قابلية للتجريب.

دفع كل ما سبق ذكره، بالنظرية البنائية نحو واجهة البحث في حقل العلاقات الدولية، لأنها استطاعت التوفيق بين النقديين والعقلانيين في العديد من المسائل. وأولها على سبيل المثال التركيز على البنى المادية بالإضافة إلى البنى المعيارية واعتبارهما بنفس الأهمية، وهو ما لم تقبله كل النظريات التي سبقتها، فهم في تحليلهم يأخذون الجوانب المادية والمعنوية في آن معًا ويظهر هذا في أحد أمثلتهم عند المقارنة بين كوبا وكندا بوصفهما دولًا قريبة من الولايات المتحدة، فبالإضافة لإجراء التحليل المادي لقوة كل من الدولتين، فإن تحليلًا لسلوك الدولتين وهويتهما الأيديولوجية لا يمكن أن يغيب عن هذه المقارنة، وذلك لأن البنائيين يعتقدون أن البنى غير المادية والتي تساهم في تشكيل هوية الفاعلين الدوليين تساهم بشكل أو بآخر في تكوين مصالح هؤلاء الفاعلين وبالتالي فإنها تحكم سلوكهم.

انطلاقًا من هذه النقطة يعتقد البنائيون أن تفسير الهويات وتشكيل المصالح يمكنه أن يفسر العديد من الظواهر السياسية الأكثر تعقيدًا والتي فشل العقلانيون في تحليلها من قبل، كما يعتقد البنائيون أن كلًّا من البنى (Structures) والعملاء (Agents) يملك تأثرًا متبادلًا في الآخر، ولهذا فإن هوية الفاعلين تؤثر في سلوكهم، كما يؤثر سلوكهم في هويتهم، ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا تتصرف روسيا الاتحادية على سبيل المثال بالطريقة التي تتصرف فيها في البيئة الدولية حيث إن سلوكها يتأثر بكل من هويتها السوفيتية أو القيصرية، كما أن سلوكها يؤثر في هويتها الجديدة خصوصًا بعد صعود بوتين لسدة الحكم.

وبحسب النظرية البنائية فإنّ تأثير البنى المعيارية (الأخلاقية) والفكرية لا يتحكم بسلوك الفاعلين الدوليين وحسب إنما يتحكم بكل ما نعتبره شرعيًا من خلال اللغة والتواصل، لذا فيمكن أن نجد اختلافًا في المعايير الدولية حول أي مفهوم سياسي فالديمقراطية في الولايات المتحدة لا تماثل الديمقراطية في فنلندا، جنوب أفريقيا، أو تركيا.

ويمكننا القول إنّ افتراض البنائيين للتأثير المتبادل بين البنى والعملاء يجعل من نظرتهم نحو الفاعلين الدوليين سوسيولوجية، بمعنى أن الفاعلين الدوليين يشكلون هوياتهم، ومصالحهم، وسلوكياتهم بحسب ما يصل إليهم عن طريق التواصل والتفاعل في ما بينهم والانعكاس التجريبي. كما أن البنائيين يعتبرون أن المجتمع ليس حقلًا استراتيجيًا يلاحق كل طرف فيه مصالح محددة مسبقًا، بل على العكس فإن المجتمع يحكم معرفة ووجود الأطراف الموجودة ضمنه.

هنا لا بد من الإشارة إلى الانقسامات التي طرأت على النظرية البنائية، حيث إن مؤلفات ويندت مثلت ظهور ما يسمى البنائية الممنهجة (systemic constructivism) والتي ييعتبر بموجبها أن الهوية تؤثر بالمصالح ومن ثم بالأفعال، وتتشكل هذه الهوية بحسب ويندت من خلال عمليات ممنهجة واستراتيجية، وبالتالي فإن سلوك الدولة هو من يحدد هويتها وليس المعايير أوالأفكار بالدرجة الأولى، وبذلك فإن ويندت تجاهل القوى الداخلية التي تؤثر في تشكيل هوية الدولة، وهو ما دفع ببيتر كاتزينستين لانتقاد ويندت وإنشاء ما يسمى بنائية مستوى الوحدة (Unit-level constructivism)  والتي تركز على دور القوى والمعايير الداخلية في تكوين الهوية، حيث ركز هذا النموذج على تفسير التحولات التي طرأت على كل من اليابان وألمانيا لتصبح من أكثر الدول ديمقراطية بعد أن كانت من أكثر الدول أوتوقراطية، مع أن الوضع الدولي لكل منهما كان مزريًا في أعقاب خسارة الحرب العالمية الثانية.

وبما أن الفجوة بين تأثيرات الداخل والخارج قد حكمت النظرية البنائية بشقيها المذكورين آنفًا، فقد ظهر القسم الثالث وهو البنائية الكليّة (Holistic constructivism) والتي سعت لإنشاء جسر بين الطرفين والعمل على درم الفجوة، من خلال إظهار العلاقة بين الداخل والخارج واعتبار التفاعلات بينهما هي ما يؤدي لنشوء هذه الهوية وقذ جاءت مؤلفات فريدريك كراتوتشويل التي تناولت انتهاء الحرب الباردة كمثال بارز على البنائية الكليّة والتي حاولت تفسير التطورات التي طرأت على النظام العالمي في أعقاب انتهاء الحرب.

القضايا التي تشوب النظرية البنائية

على الرغم من الشهرة التي نالتها النظرية البنائية والتي تحدثت في هذا المقال عن أسبابها، إلّا أنها بقيت تعاني من أربع إشكاليات رئيسية كانت أولها هو عدم اتفاق البنائيين حول طبيعة نظريتهم، حتى أن العديد منهم أشار إلى أن البنائية ليست نظرية بالمعنى التقليدي، بل إنها تميل لأن تكون إطار عمل تحليلي، ولكن ويندت لم يقبل هذا الأمر بل أشار إلى أن مشروعه يهدف إلى بناء نظرية اجتماعية في العلاقات الدولية، ولكن اقترابه من العقلانيين واستخدامه لما سماه منهجية «الواقعية العلمية» جعله على خلاف مع معظم البنائيين.

أما بالنسبة للقضية الثانية الثانية فكانت العلاقة مع العقلانيين ففي حين ينظر بعض البنائيين لنظريتهم بوصفها مكمّلة للافتراضات العقلانية لأنها تحلل كيفية تشكيل المصالح من خلال الهويات، يتحفظ البعض الآخر من أمثال ريوس سميت على هذه النظرة لأنهم يعتقدون أن نظريتهم البنائية ليست مكملة للنظريات العقلانية وحسب إنما شاملة لها، لأن البنائية تعمل على تحليل عقلانية العقلانيين.

وكانت القضية الثالثة هي المنهجية التي يتوجب عليهم اتباعها ففي حين نظر العديد من البنائيين إلى منهجية الفلسفة الوضعية بوصفها مقنعة منهجيًا (methodological conventionalism) عارض آخرون هذا واختاروا البقاء إلى جانب النظريات النقدية في اختيارهم للمنهجيات التفسيرية، لأنها برأيهم الأجدى في دراسة وتحليل السلوك البشري والاجتماعي. وبقي هذا النزاع المنهجي مسيطرًا على رواد النظرية حتى يومنا هذا.

وأخيرًا فقد كانت القضية الرابعة حول العلاقة بين النظرية البنائية والنظرية النقدية ففي حين يرى البعض أن النظرية البنائية تلمتلك جذورًا قوية في النظرية النقدية وبالتالي فهي أحد أعمدة المشروع النقدي، يرى فيها آخرون مجرد أداة تحليلية أو تفسيرية يمكن أن تستخدمها النظرية النقدية.

في الحقيقة لكل من أصحاب وجهات النظر السابقة مبرراته، ولكنّ كل تلك الانقسامات تجعل من النظرية البنائية صعبة التعريف، وذات طبيعة جدليّة، فلا يمكن لنا إيجاد قالب ثابت لتعريف هذه النظرية، وهذا ما يضعنا أمام سؤال مهم ألا وهو، ما الذي قدمته النظرية البنائية من إسهامات في حقل العلاقات الدولية؟

إسهامات النظرية البنائية

كما رأينا فإن استخدام كلّ من العقلانية والمادية التاريخية قد ترك مساحةً ضئيلةً للأبعاد الاجتماعية في الحياة السياسية الدولية، حيث إن المادية قد رفضت دور الأفكار والقيم والمعايير، في حين أن العقلانية تجاهلت دور الهويات والمجتمع في تكوين المصالح وبالتالي سلوك الدول، ولهذا فقد وجد أنصار البنائيّة فرصة لاستخدام علم الاجتماع باعتباره محددًا مركزيًا للسلوك في المجتمع الدولي،المجتمع ذاته الذي عرّفته المدرسة الإنجليزية للعلاقات الدولية، وبهذا فقد ركز البنائيون على دور الثقافة، والهوية والمصالح في تكوين السياسات العالمية والتي تخلق نوعًا من المجتمع الدولي. كما شجع أنصار البنائية على إعادة قراءة التاريخ السوسيولوجي للبشرية، بهدف إعادة تعريف العلاقات الدولية وفقًا لمفاهيم جديدة.

إذًا فإن أنصار البنائية قد ركزوا على قوة الأفكار والحضارات في تشكيل السلوك الدولي لكل من الفاعلين الدوليين والبنى الاجتماعية التي يشكلونها، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لتعزز هذه النظرة، بعد أن نجح بعض الفاعلين غير الحكوميين (القاعدة ومشتقاتها) في تحدي الهيمنة المادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، مما أعطى دفعة للبنائيين ومنهم صامويل هانتغتون صاحب نظرية صدام الحضارات في اعتبار أن الهويات والثقافة هي محددات أساسية لسلوك الفاعلين في البيئة الدولية.

كما أن أحداث الحرب على الإرهاب قد دفعت النظريّة البنائية للنظر أبعد من القوة المادية، حيث بدأ التركيز على مفهوم الشرعية بوصفها أحد مكونات القوة غير المادية، وهذا ما دفع بعض رواد النظرية إلى العمل على مواضيع تتعلق بالأخلاق والقانون الدولي، وبقي تركيز النظرية البنائيّة على علم الاجتماع في العلاقات الدوليّة والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشروع التحرري (emancipatory project) الذي طرحته النظرية النقدية الدولية، ولهذا فيمكننا أن نعتبر أن أهم إسهامات هذه النظرية هي تكملة المشروع التحرري الذي بدأته النظريات النقدية وإثراؤه من خلال علم الاجتماع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد