كنت مهندسًا استشاريًا، يعمل في إحدى المكاتب الاستشارية المصرية، وكنت عميلًا دون أن أعلم للمصالح الأمريكية ولصالح الهيمنة الرأسمالية

هذه اعترافاتي حقًا وليست اعترافات «جون باركنز» القرصان الاقتصادي التائب المشهور، وصاحب الكتاب المشهور «الاغتيال الاقتصادي للأمم» والذي تحدث فيه أيضًا عن خطورة بعض المكاتب الاستشارية.

نعم هذه حقيقة أعترف بها صراحةً، وكأن هذه الحقيقة لا تخصني وحدي بل إنها تخص أغلب المكاتب الاستشارية وتخص كل الخبراء والمتخصصين والمهندسين فيها وغير المهندسين من التخصصات العلمية والتكنولوجية الأخرى كذلك.

كنت أنوي في بداية كتابة مقالي هذا أن أصف هذه المكاتب الاستشارية في عنوان المقال بأنها «عشيقة الرأسمالية» أو «صديقة الرأسمالية» ولكن العشق والصداقة قد يعبران عن مصالح أخرى مشتركة ومتبادلة فيما بينهما، بينما الواقع المر لا يُعبر حقيقة إلا عن عمالة غير مباشرة أو علاقة محرمة في مقابل ثمن بخس وحقير، فثمن هذه العمالة قد يقدر بـ 1 % فقط من قيمة منتجات الرأسمالية التي تمررها هذه المكاتب الاستشارية بعد أن تقوم بوضع المواصفات الفنية اللازمة للمشروع والرسومات الهندسية المناسبة له والتي لا يمكن تحقيقها وتنفيذها إلا عن طريق هذه المنتجات الرأسمالية المهيمنة والمستعبدة للعالم أجمع.

«جهل صريح وغباء وكبرياء وعمالة غير مباشرة»..  تلك هي صفات بعض العاملين في هذه المكاتب الاستشارية، وكأن اختيار الجهلاء أمر متعمد ومقصود، حتى تجني الرأسمالية مصالحها بوسائلها المعروفة بـ#الفوضى_الخلاقة على غرار فكرة أنه «يكفيك أن تزرع مجموعة من الجهلاء في منظومات الدولة لإفساد دولة بالكامل»

ليس هذا الكلام مبالغًا فيه البتة، فكثير من الاستشارين ليست لديهم حقًا قدرة وضع مواصفات فنية كاملة للمشاريع الكبيرة باللغة الإنجليزية، ويضعون بدلًا من ذلك قوالب جاهزة لهذه المواصفات الفنية ويحصلون عليها من الشركات الموردة للمنتجات الرأسمالية، وإن وجدت لديهم القدرات الفنية فليست لديهم القدرة الزمنية لتأليف وطبخ مواصفات فنية أخرى لتكون صالحة للمشروع من ناحية وصالحة لمنتجاتهم من ناحية أخرى، وإن وجدت لديهم القدرتان فليس لديهم قدرة التأثير على المالك العربي! المسلم! لأنه لا يرغب إلا في المنتجات الأوروبية والأمريكية والرأسمالية.

ناهيك عن أننا نحن المهندسين الاستشاريين على سبيل المثال قد نتباهى ببعض الرشاوى المقنعة التي تُهدى إلينا من قِبل تلك الدول الرأسمالية الخبيثة عن طريق مورديها وداعمي اقتصادها القومي، وأهم هذه الرشاوى المقنعة وأشهرها هي رحلة أو منحة إلى بلادهم الساحرة، أو إلى البلاد الأخرى التي تحويها مصانعهم لتبهرنا بمصانعهم ومنتجاتهم الرأسمالية فتأسرنا أسرًا لأنه سيتولد عندنا صفة #الولاء_التلقائي لمنتجات أعدائنا وخاصةً أنه يسبقه ولاء تلقائي آخر سببه تبعية دراستنا لعلومهم من باب «من علمني حرفًا صرت له عبدًا» ونحن لا ندري أنهم سمحوا لنا بدراسة علومهم تلك على هذه الصورة لا لشيء سوى أن هذه العلوم هي السبيل الأمثل لتمرير منتجاتهم من بلادنا عن طريق ولائنا لعلوم أعدائنا، رغم أن بلادنا هي التي كانت في الماضي تحكم بلادهم وتحكم أوطانهم، وهي من لم تبخل عليهم بعلومها فبخلت الأخيرة عليهم بخفايا علومهم الحديثة تحت قوانين براءات الاختراعات وحقوق الملكيات الفكرية أو بدافع ما يسمونه بأسرار الـ «KNOW HOW؟».

ومن الرشاوى الأخرى الكبيرة أيضًا انهم يغروننا بالحصول على وكالة اقتصادية لتوزيع منتجاتهم في بلاد الشرق الأوسط والدول النامية أو على الأقل في بلادنا وأوطاننا (التي يجب على بلادنا أن تتبرأ من وطنيتنا وجنسيتنا العربية أو الإسلامية جراء هذه الخيانة) ثم نتباهى بأننا وكلاء للشركات الكبرى التي تدعم اقتصادهم وتقوي شوكتهم ضد أهلنا وبلادنا العربية والإسلامية بل وإسلامنا نفسه، والأمر لا يتوقف على ذلك فقط بل يتوقف على جهل الشعوب أيضًا التي تتباهى بنا وتطمع في نسبنا فتزوجنا بناتهم العفيفات رغم أننا بحق عملاء، كل هذا ونحن في بداية طريق حياتنا فما بالكم بنهايتها؟! فهل هي طريق لميلاد جيل كامل جديد من الوكلاء والعملاء؟

إن الأمر يحتاج بحق إلى يقظة وانتباه ووعي كبير وسعي دؤوب وهمة وإصرار على التغيير لهذه المنظومة الحقيرة

الآن وفقط فهمت ما فعله السيد الرئيس المصري الدكتور المهندس (محمد مرسي) (فك الله أسره) عندما استعان بالمكاتب الاستشارية الصينية في أعظم مشاريعه للنهضة المصرية وهو مشروع تنمية قناة السويس الضخم لمصرنا المحروسة، والذي أنهاه الرئيس الانقلابي اللاحق بترعة صغيرة لا فائدة منها.

لقد شرفت بنفسي بحضور مؤتمر قناة السويس العملاق الذي شيده الدكتور محمد مرسي، وكنت أتعجب بل وأتهكم حينها من أفعاله هو ووزرائه وهم يتباهون بإمضاء تعاقدهم مع مكتب استشاري صيني!، فلقد اعتدنا نحن المهندسين على التقليل من قدرات الصين الصناعية والهندسية والتكنولوجية وذلك لسببين: السبب الأول هو ثقافتنا السائدة المغلوطة أن منتجات الصين توصف بالهشاشة وسرعة التلف، والسبب الثاني هو تبعيتنا لهذا الولاء التلقائي لعلوم أعدائنا، فمتى يكون لهذا الولاء من براء؟

ربما أكون مخطئًا بشأن هذه المكاتب الصينية، فربما يُثبت غيري أن ولاءها هي أيضًا لصالح مؤسسات الهيمنة الرأسمالية على شاكلة المكاتب الاستشارية المصرية، ولكن ما يعنيني هو جوهر الفكرة التي لا تنفي حقيقة اجتهاد الرئيس مرسي وسعيه للتخلص من تلك الهيمنة في أول سنة من حكمه؛ فإن اختلفت مصالح الدول المهيمنة مع دولة كالصين وغيرها من الدول التي لها مصالح أخرى في بلادنا لتصارعت الرأسمالية مع تلك الدول الأخرى بشكل أو بآخر بمبدأ «صموئيل هنتجتون» في كتابه «صراع الحضارات» فيكون ذلك سببًا من أسباب كسر قوة وشوكة أصحاب الهيمنة.

وفي مقابل فهمي لما فعله الرئيس مرسي فهمت ما فعله الرئيس السابق المخلوع (مبارك)، عندما أراد أن يقوم بتطوير البنية التحتية لدولة مصر النامية، وخاصة في مجال الصرف الصحي فقد كان هذا الأمر يمثل لي لغزًا حائرًا لم أفهمه إلا لاحقًا!

فلماذا يحرص رئيس مثله على إنشاء محطات صرف صحي مستقبلية لن تعمل في عصره إضافة إلى كونها باهظة التكاليف؟ في حين أنه كان من الممكن أن ينشئ مشروعات أخرى سريعة تجعله زعيمًا محبوبًا للمصريين؟
وفي المقابل لماذا يسمح له أعداؤنا فعل ذلك وهم لم يسمحوا له في السابق بتوسعة الرقعة الزراعية أو حتى زراعة القمح والقطن، وقد اعترف بهذا بنفسه صراحة أمام وسائل الإعلام المصرية، وهذه الاعترافات مسجلة على صفحات الإنترنت لمن أراد الرجوع إليها.

والإجابة على هذه التساؤلات تكمن في أنهم يسمحون لعملائهم بإنشاء بعض المشاريع التي تخدم مصالحهم ومنتجاتهم، فمحطات الصرف الصحي على سبيل المثال معناها دخل قومي بالنسبة لبلادهم، حيث تباع الطلمبات الأمريكية العملاقة وتباع كذلك محولاتهم العملاقة وتباع كذلك باقي المعدات الميكانيكية والكهربائية والهيدروليكية العملاقة.

والأسوأ أن هذه الدول النامية بعدما تُضحي بمدخراتها من أجل هذه البنية التحتية من أجل مستقبل أبنائها، تأتي الدول الرأسمالية المهيمنة فتدكها دكا وتدمر شعوبها وبنيتها التحتية مثلما دكت سوريا والعراق، ومثلما تنوي أن تدك غيرها من بلادنا العربية والإسلامية بل والأفريقية كذلك، ومخططات تقسيم الشرق الأوسط خير شاهد على هذه الحقائق التي لا يستطيع أحد إنكارها.

فتأتي أجيالنا القادمة بلا بنية تحتية وبلا مأوى، فتضحي ببقايا مدخرات أوطانها لمكاتب استشارية أخرى لصالح شركات عملاقة أخرى تتستر تحت مسمى شركات إعادة الإعمار، فتسعى كمثال لإعادة إعمار سوريا والعراق على غرار إعادة إعمار غزة وغيرها.

وما شركات إعادة الإعمار هذه إلا شركات كبرى تعمل لصالح المؤسسات الرأسمالية الخبيثة فتستنزف في النهاية ثروات أوطاننا الغنية بمواردها المتعددة حتى تستعبدنا الرأسمالية في نهاية المطاف استعبادا كاملا وصريحا فنباع ونشترى في سوق النخاسة وقد نعمل خداما ومزارعين ومحاربين لهم في المستقبل، وما ذلك ببعيد التخيل مثلما تخيله «شكسبير» في روايته المشهورة «تاجر البندقية» حينما استباح اليهودي «شيلوك» لحم جسم «أنطونيو» بسبب عدم مقدرة الأخير على رد الدين الذي اقترضه من هذا اليهودي الرأسمالي الخبيث.

وكأن كل هذا ينبئنا أن العودة إلى زراعة أوطاننا لهي الأولى من كل تطور مدني وحضاري قابل للإبادة والتدمير، وكأنه هو السبيل الوحيد لتعود أراضينا العربية مروجًا وأنهارًا كما ورد في بعض الأحاديث النبوية والآثار.

وما دام الحديث عن الزراعة قد أخذ مجراه، إلا أن الرأسمالية وللأسف تحكمت أيضًا في مجراه، فأقنعت المهندسين الاستشاريين الزراعيين والخبراء أن الكيماويات والمخصبات المسرطنة والمفسدة للتربة هي الطريق الأمثل إلى الثروة الخضراء ـ

فغيرت بذلك علوم الفلاحين وقناعاتهم الفطرية وخدعتهم ـ وكان من أساليب خداعهم أيضًا أنهم أقنعوهم بأن دودة الأرض المصرية والأفريقية وغيرهما من أنواع الديدان الأرضية التي حافظت على خصوبة التربة لآلاف الأعوام لهي دودة حقيرة يجب التخلص منها بالكيماويات، وكأن علوم الرأسمالية بذلك تُسيس العلوم لصالحها وتضلل لنا العلوم الأخرى أو تحجبها عنها.

حديثي هنا يا سادة لا ينطبق فقط على المكاتب الاستشارية الهندسية والزراعية فقط، بل ينطبق كذلك على العلوم الأخرى، بل وتنطبق كذلك على بعض المهن والخبرات كالطبيب مثلًا، وذلك لأن الطبيب الواحد في عصرنا بمثابة مكتب استشاري كامل عنده أيضًا صفة الولاء التلقائي لعلوم أعدائه ولدواء أعدائه كذلك ولا يستطيع أن يصف للمرضى أعشابًا لم يدرسها ولا يستطيع من كثرة المرضى أن يجد وقتًا ليدرس فيه طبًا بديلًا غير ما درسه وتعود عليه، وكأن كل طبيب في عصرنا قد صار عميلًا للرأسمالية ومُسوقًا لأدويتهم وكأنه هو أيضًا لا يملك القدرة على أن يتحرر من هيمنتهم عليه.

إن كان هذا هو وصف الطبيب في عصرنا فما بالكم بمستشفى كاملة، وما بالكم بمستشفياتنا الخيرية ومواقعنا الطبية الخدمية على صفحات الإنترنت وهي تدعم أعداءنا دون أن تدري؟!

وعلى غرار ذكر أعمالنا الخيرية فكأنها أيضًا مكاتب استشارية أخرى تشجع الناس على ضخ أموالهم للعمل الخيري وفق منظومة استشارية لإصلاح المجتمعات وتقويم فقرها واعوجاجها ولكنها في النهاية تضع كثيرًا من أموالها في البنوك الربوية الرأسمالية، ولو كنت مكان أمريكا لشجعت تلك الجمعيات الخيرية لتضخ في النهاية أموال شعوبها في البلاد الرأسمالية
ناهيك عن أن كثيرًا من بعض النقابات والجمعيات والمؤسسات تعينك استشاريًا على إنشاء مشروعات صغيرة أو كبيرة في مقابل حصولك على قروض ربوية محرمة لا تخدم إلا اقتصاد أعدائها.

وأيضًا فهناك تلك المؤسسات للدراسات السياسية والاستراتيجية والاجتماعية والاقتصادية والإحصائية فقد أصبحت وللأسف في خدمة أعدائها بعلم أو بغير علم، ـووفرت على أعدائنا تكاليف زراعة الجواسيس الباهظة ووفرت كذلك تكاليف الحصول على المعلومات التي يجيدون استغلالها وترويضها، وأبسط مثال على ذلك عندما تجد مؤسسة من هذه المؤسسات تقوم بعمل أبحاث إحصائية عن أعلى المشاهدات للبرامج والمسلسلات التليفزيونية حتى تختار الرأسمالية في النهاية هذه البرامج والمسلسلات لتبث إعلاناتها وسط هذه البرامج حتى ولو كانت تلك البرامج والمسلسلات ذات طابع إسلامي، وأشهر مثال على ذلك إعلانات مشروبات المياه الغازية وسط مباراة كرة القدم التي تحولت وللأسف إلى جزء أصيل من الثقافات الشعبية الأساسية.

فانتبهوا! فإن هذه المكاتب بشتى أشكالها الاستشارية المادية والاجتماعية تستنزف موارد أوطاننا الإسلامية والعربية لتضخها في النهاية في شرايين الرأسمالية الغربية، ولهذا نرجو من كل استشاري ومن كل مالك أن يتيقظا لهذه المخططات الخبيثة وأن يسعوا بهمة وإصرار وعزيمة إلى نهضة أممهم بدلًا من مسعاهم بجهل لهدم أوطانهم وتركيع أمتهم، وأمامهم في ذلك سبل كثيرة، أمامهم الصين واليابان وغيرهما من البلدان، وأمامهم فرصة كبرى لإنشاء مكاتب استشارية عربية تعينهم على بناء أمتهم بوعي وطني لا يخدم مصالح أعدائهم، وأمامهم فرصة لإنشاء مزارع ومصانع، وأمامهم فرصة لإعادة صياغة القوانين لتعرقل منتجات أعدائنا ولتجبر كذلك المالكين والاستشارين بقبول المنتجات المحلية والمنتجات الأخرى التي تحقق نفس المواصفات الأساسية المطلوبة دون التقيد بدولة المنشأ المذكورة في المواصفات الفنية، إضافة إلى أن أمامهم فرصة أخرى للحصول على وكالات لشركات أخرى غير الشركات الرأسمالية الاحتكارية المدمرة لأوطاننا العربية والإسلامية.

فهيا حرروا أنفسكم ومكاتبكم الاستشارية بل وأمتكم كذلك من تلك العبودية الحقيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد