إن دولة يحكمها نظام استبدادي لا يمكن لها أن تطبق شرع الله وإن ادعت ذلك؛ ذلك أن الشريعة بمعناها الواسع تشمل العقائد، والعبادات، والمعاملات، ونظام الحكم، والعقوبات، ولكن بعض الناس يتخيل تطبيق الشريعة قطع يد السارق وجلد الزاني، أو شارب الخمر فقط.

كما أن بعض المستبدين حين يشعرون بأن شعوبهم رافضة لهم فإنهم يسارعون بالإعلان عن تطبيق بعض الحدود، وخاصة قطع يد السارق الصغير، ويقررون منع بيع الخمور في المحلات العامة، وإجبار الناس على الذهاب للمسجد وقت الصلاة، ولكن لم نر أحدًا منهم تمسك بالشورى وبالعدل تمسكه بتطبيق العقوبات.

ولكن الشريعة كنظام متكامل يجب أن يطبق بإرادة الشعب، لا بالإرادة المنفردة للحاكم، ولا ينبغي لأحد أن يجادل بأنه لا يمكن أن ننتظر إرادة الشعب لتطبيق شرع الله، فيكون شرع الله مرتبطًا بإرادة الشعب، فإن قبل الشعب تم تطبيق الشريعة، وإن رفض الشعب شرع الله تم تعطيله؛ لأنه بنفس المنطق نكون قد رهنَّا تطبيق الشريعة بالإرادة المنفردة للحاكم.

وهذه مقولة باطلة، فإن أي شعب مسلم يتوق لتطبيق شرع الله، ولنا المثل في تركيا التي فرض عليها أتاتورك العلمانية، ومنع المرأة من لبس الحجاب، بل منع الفتاة من التعليم إذا أصرت على حجابها، ومع ذلك فحين أتيحت الفرصة للشعب التركي اختار الأبعد عن العلمانية، والأقرب للإسلام في كل مرة تتاح فيها انتخابات حرة نزيهة، وعادت معظم النساء لارتداء الحجاب من تلقاء أنفسهن.

كما أن الشعوب المسلمة التي خضعت للحكم الشيوعي لأكثر من 70 عامًا، وفرضت عليهم علمانية شيوعية معادية للدين حتى أصبحت ممارسة العبادات جريمة واقتناء المصحف جريمة، ولكن بمجرد زوال حكم الشيوعيين فوجئ العالم بأن هؤلاء المسلمين مازالوا متمسكين بشريعتهم.

ومن أفضل ما قرأت في ذلك لابن تيمية رحمه الله حين استدل بأن الإمامة تكون ببيعة المسلمين، لا بالعهد، أو الوصية فقط، وضرب مثالًا لو أن النبي أوصى لواحد بالإمامة، ثم بايعت الأمة آخر، يكون الإمام هو من بايعته الأمة وتأثم الأمة لمخالفتها أمر النبي. (منهاج السنة لابن تيمية).

وجوب تطبيق الشريعة يكون على الأمة والحاكم معًا، فالأمة مطالبة بتطبيق الشرائع، والالتزام بالعبادات، والمعاملات، ونظام الأسرة، والمواريث، وغير ذلك من الواجب على الأفراد، والحاكم واجب عليه العدل، والشورى، والمساواة، وحفظ الدين والأمن للناس، ثم إقامة الحدود وتطبيقها على مرتكبي الجنايات.

كما أننا إذا سوغنا لحاكم أن يقوم بقرار منفرد بتطبيق الشريعة دون الرجوع للأمة، فربما سيأتي بعده من يقرر وقف العمل بالشريعة بقرار منفرد أيضًا، وبدلًا عن أن يكون تطبيق الشريعة رهنًا بإرادة الأمة المحبة لدينها سيكون تطبيق الشريعة مرهونًا بإرادة الحاكم الفرد، وإن كان لا يتصور رفض أي شعب مسلم تطبيق الشريعة، فإنه يمكن تصور وصول من لا يريد الشريعة للحكم.

كما يمكن ملاحظة أن بعض الحكام الذين قرروا بإرادة منفردة تطبيق الشريعة، إذا تركوا الحكم لأي سبب فإن من يأتي بعدهم يقرر الابتعاد عن الشريعة، أو تجميد تطبيقها علنًا أو سرًا، وأقرب الحالات هي السودان التي قرر فيها البشير تطبيق الشريعة، فلما ثار عليه الشعب وتصدر الشيوعيون ابتعد عن الشريعة صراحة، وتحدث عن الفصل بين الدين والدولة، وكما حدث في بعض القوانين التي فرضتها طالبان في أفغانستان، ثم ألغتها الحكومة التي أنشأتها أمريكا.

كما أن بعض الحكام يعلن تطبيق الشريعة خداعًا الناس وكذبًا عليهم فلا يطبق من الشريعة إلا العقوبات التي أنزلها الله في الأصل لمنع وقوع الجريمة وجعل تطبيقها بضمانات قوية توقف معظم العقوبات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مَخرج فخلُّوا سبيلَه، فإن الإمام إن يُخطئ في العفو خير من أن يُخطئ في العقوبة»(1).

وإذا كان تطبيق الحدود واجبًا على الحاكم، فإن له عدم تطبيقها أيضًا إذا كانت هناك شبهة، أو رأى من المصلحة عدم تطبيقها إذا كانت هناك مصلحة، أو شأن طارئ يحيق بالأمة، فلا تطبق الحدود أثناء الحرب، ولا يطبق حد السرقة في أوقات المجاعة، ومثله من يسرق ليأكل، أو ليحصل على تكلفة علاج مرض لا يستطيع الإنفاق على علاجه.

وهنا يكون واجب ولي الأمر توفير الظروف المناسبة، وتوفير العمل للقادرين عليه، وضمان معاش كامل لمن لا يستطيع العمل، وضمان العلاج المجاني لغير القادرين عليه، والالتزام بالعدل، والشورى، والمساواة، وحينها سيكون الواجب عليه التنفيذ الفوري للعقوبات الإسلامية.

ولكن إذا كان تطبيق الشريعة واجب على ولي الأمر، وليس العقوبات والحدود فقط، فإن هناك ما هو أوجب على الإمام من ذلك مثل فريضة الشوري التي فرضها الله على ولي الأمر : «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»(2) وفرضها على عموم الأمة فقال: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ»(3).

كما أن الأمر بالعدل أكد أيضًا: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(4). وقال أيضًا: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا»(5).

ولا يمكن المطالبة بتطبيق الحدود والعقوبات الإسلامية إلا في وجود نظام قضائي عادل بدءًا من توافر الضمانات للمتهم، وتوافر سلطة اتهام، وسلطة قضاء منفصلتين، وتوافر كافة الحقوق للمتهم للدفاع عن نفسه، فالشريعة ليست متلهفة لإقامة العقوبة كما ذكرت سابقًا، وإنما هي في الأصل لمنع الجريمة.

والقصة المشهورة لتسور عمر بن الخطاب على رجل يشرب الخمر ثم قال له عمر ما رأيت كالليلة منظرًا أقبح من شيخ ينتظر أجله، فرفع رأسه إليه فقال: بلى يا أمير المؤمنين ما صنعت أنت أقبح: تجسست وقد نُهي التجسس، ودخلت بغير إذن. فقال عمر: صدقت ثم خرج عاضًا على ثوبه يبكي ولم يطبق عليه العقوبة. (6).

وفي عام الرمادة أوقف عمر بن الخطاب تنفيذ حد السرقة والبعض يظن أن عمر ألغى الحد في تلك السنة، ولكن الواقع أن عمر رضي الله عنه لا يستطيع إلغاء حد من حدود الله، ولكنه نظر في شروط تطبيقه وإمضائه فوجد أن شروط الحد ليست متوفرة أثناء المجاعة.

والصحابي الفارس المغوار أبو محجن الثقفي كان يشرب الخمر وعاقبه أبو بكر ثم عمر بن الخطاب مرات على ذلك، وفي موقعة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لم يقم الحد على أبي محن الثقفي، ولكن حبسه حتى انتهاء الحرب، ولكن أثناء الحرب تاقت نفسي الصحابي الفارس للحرب. فطلب من زوجة سعد أن تطلق سراحه ليشارك المسلمين في حربهم، وأن تعطيه فرس سعد، ثم يعود إليها بعد الحرب إن بقي حيًا ولم ينل الشهادة وعاهدها أن ذلك سيكون آخر عهده بالخمر وأنشد:

سُلَيْمى دعيني أروِ سيفي من العدا … فسيفيَ أضحى وَيْحَهُ اليومَ صاديا

دعيني أَجُلْ في ساحةِ الحربِ جَوْلَةً … تُفَرِّجُ من همّي وتشفي فؤاديا

وللهِ عهدٌ لا أَحيفُ بعهده … لئن فُرِّجت أَنْ لا أزورَ الحوانيا
.

بعد إلحاح منه أطلقت سراحه فأخذ سيفه ودرعه، ولم يظهر منه شيء، وركب ودخل المعركة، وكان سعد يشاهد المعركة، ويتعجب، فالفرس فرسه والقتال لأبي محجن، غير أن أبي محجن مقيد بالسلاسل في خيمته وفرسه أيضًا مربوطة هناك.

وبعد المعركة عاد أبو محجن ووضع القيد في رجليه، وحين عاد سعد لامرأته أخبرته بما كان من أبي محجن؛ فأحضره وقال له بعد أن رأى بلاءه في الحرب: «والله لا أقيم عليك الحد أبدًا»، وأجابه أبو محجن: «ووالله لا أشرب الخمر بعد ذلك أبدًا». (7)

وهكذا فإذا أخذنا بالمعنى الواسع للشريعة، والذي يشتمل على العقائد، والعبادات، والمعاملات، والعقوبات فإن هناك دائمًا استثناءات في حالات الضرورة مثل التيمم عند عدم الماء والفطر في رمضان لعذر، وفي تطبيق العقوبات تكون هناك استثناءات لوقف تنفيذها مثل وجود شبهة، أو مجاعة أو في حالة الحرب.

لكن العقائد لا ترد عليها مثل هذه الاستثناءات لأنها عمل قلبي في الأصل، وأيضًا قيم الإسلام السياسية العظمى، مثل الشورى، والعدل، والمساواة لا أعرف لها استثناءً، ولا ينبغي ذلك، فلا يمكن بحال قبول الظلم لأي سبب، أو التخلي عن الشورى لأي سبب.

فإذا كانت قيم الشورى والعدل والمساواة غير قابلة للتغيير لا في الشدة ولا في الرخاء فهي الأوجب في التطبيق أولًا، ثم نطبق بعدها العقوبات، ولا يمكن أن نطالب حاكمًا ظالمًا بتطبيق العقوبات؛ لأنه حينها قد يظلم الأبرياء، وقد يقتلهم، أو يقطع أيديهم ظلمًا، وقد يفعل ذلك بمعارضيه ظلمًا بزعم تطبيق الشرع عليهم.

وإذا انعدمت المساواة فلا يمكن أن نتخيل تطبيق الحد على البعض وترك الآخرين كما في حديث أسامة بن زيد حين تشفع للمرأة المخزومية التي سرقت، قال رسول الله ﷺ: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايمِ الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يداها (8).

إن تطبيق شرائع الإسلام ينبغي ألا تخضع لإرادة حاكم فيأخذ بعضها ويترك بعضها كما لا ينبغي أن تخضع لأهواء نخبة تربت على ثقافة الغرب وقيمه وأعدها الغرب لتحكم بلادنا بعد الاستعمار بنفس قيمه ومثله، ولكن يجب أن يكون خاضعًا لإرادة الشعوب التواقة لتحكيم دينها، كما أن تطبيق الشريعة بإرادة الشعوب سيضمن ألا يأتي حاكم ويفرض تصوره الذي قد يكون خاطئًا للشريعة على الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد