” أنا استهلك .. إذن أنا موجود” ، بعد الحرب العالمية الثانية تشكل في الغرب نمط اجتماعي جديد سرعان ما تحول إلى ظاهرة اجتاحت العالم بأسره بفعل العولمة الغربية. وهذه الظاهرة باتت تهدد الوجود الإنساني، وتبتلع خصوصية الفرد، وتفكك البنية الثقافية المتميزة للمجتمعات، فالجميع متماثل ومتشابه فيما بات يعرف بـ “المجتمع الاستهلاكي” .

 

يقول الكاتب والناقد المصري د.جلال أمين: إن ثقافة الاستهلاك “ثقافة مجتمع تحتل فيه كثرة ما يحوزه الفرد من السلع مكانة عالية وتنال تقديرا مبالغا فيه في سلم الأولويات “، وفي أثناء ذلك الصراع للحصول على السلع يتنازل الإنسان عن القيم الأخلاقية والإنسانية،  بل الدينية أيضا، فوجوده بدرجة أو بأخرى لم يعد مرتبطا بهذه القيم، بل “باستهلاكه  فكلما زاد الاستهلاك؛ كلما أثبت وجوده أكثر فأكثر، إلى أن تحول الأمر إلى ما يشبه الجنون”.

 

والجنون أن ننتج ما لا نريده، ونستهلك ما لسنا بحاجة إليه لمجرد الاستهلاك، حسب بيجوفيتش. ليست الإشكالية بالطبع  في الاستهلاك الذي يلبي حاجات الفرد و المجتمع، وإنما في جعل الاستهلاك غاية الوجود الإنساني، وتحديد قيمة الفرد في المجتمع بناء على مقدار استهلاكه للمادة (أي أن الاستهلاك  يتحول إلى معيار في حد ذاته يُقاس عليه ).

 

إضاءات

” الحقيقة أن الإنسان الآن لا يستهلك الأشياء بل تستهلكه الاشياء” ـ د.الطيب بو عزة، بعد أن انتهت أوروبا من إعادة بناء ما دمرته الحرب العالمية الثانية حقق المجتمع الصناعي وفرة في الإنتاج كان ولابد أن تقابلها وفرة في الاستهلاك، ولكن سرعان ما تحول الاستهلاك إلى ثقافة سائدة؛ قوضت رقعة الحياة الفردية وقابلت كل متمرد عليها بالتجاهل والإقصاء، ووضعه في إطارالمنبوذين اجتماعيا.

 

أثناء هذا، تحولت القيم والمعاني الإنسانية كـ(الفن، والحب، والخدمة، والفكرة حتى الابتسامة) إلى مجرد أشياء يتم تجاهل بعدها الإنساني تماما، وإنما لها ما يقابلها ماديا فقط.

 

وهنا، وجد الإنسان نفسه متعلقا أكثر بعالم الأشياء؛ هذا التعلق أدى إلى ضمور النزعة الإنسانية ، واختفاء البعد القيمي والروحي داخل الانسان في مقابل توحش النزعة المادية، وتزايد الصراع من أجل الحصول على أكبر قدر من السلع ؛ وكنتيجة حتمية لفقدان الاتزان؛ تزايد  شعور الفرد بالعزلة؛ حيث فقد الاتصال بذاته نظرا لهيمنة الطابع المادي عليه وانفصل عن تيار الثقافة في المجتمع، حيث بدأت نزعته المادية تفرض عليه نموذجا ماديا محددا، بداية من تقليد أنماط ثقافية معادية لتيار الثقافة الأصيل الضارب في عمق المجتمع وانتهاء بتحول شامل في طريقة التفكير والتعامل مع مجتمعه، كما ازداد إحساس الفرد بالعجز وبأنه غير قادر على التأثير في المواقف الاجتماعية المحيطة به ”  وهذا ما يسمي ب “الاغتراب “.

 

قابل هذا التوسع في دائرة الاستهلاك انحصار دائرة القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية في نطاق ضيق،وحلت قيم السوق والسلع والاستهلاك محلها، وتحول الإنسان إلى شئ تتمركز أحلامه حول الأشياء، كما تحول الفكر الفن، بل والدين أيضا  إلى مجرد سلعة.

 

يركب أحد الشباب الجامعي إحدى الحافلات فإذا به ينظر على جانب السيارة ليجد شابا يركب سيارة مرسيدس، بدت عليه مظاهر الثراء، هنا يقارن الشاب بينه وبين صاحب السيارة، لا من خلال الفكر أو الروح، ولكن من خلال الشيئية، فينظر إلى نفسه سريعا على أنه “حافلة”، والآخر على أنه “مرسيدس”.

 

الفكر والثقافة، وحتي الداعية والشيخ والمعلم، كلها أصبحت أشياء يتم عرضها ويمكن شراؤها واستئجارها، بل وحتى امتلاكها كأية سلعة في السوق.

 

إن الفرد أصبح ينظر إلى ذاته على حسب ما يمتلك من أشياء، ويقيم العلاقات مع غيره على حسب ما يمتلك هذا الغير من أشياء ، وهذا ما يسمى بـ”التشيؤ” .

 

يقول د.الطيب بو عزة ” تسعى هذه الثقافة المهيمنة إلى تجذير ما يسميه جارودي (إنسان السوق ) أي الإنسان الاستهلاكي، إنسان يدور ويلف حول الأشياء، منشغلا كليا بالسعي نحو امتلاكها.

 

إن سيادة هذا المفهوم لا بد من أن ينتهي بالإنسان إلى الدمار النفسي، وضنك العيش؛ لأنه إذا دخل في إيقاع الاستهلاك وامتلاك الأشياء، فإن هذا الإيقاع سيطحنه ويفنيه، ويفرغ حياته من المعنى والقيم؛ فالكائن الإنساني المنشغل بالاستهلاك الدائر حول عالم الاشياء، حسب تعبير مالك بن نبي ، ينتهي إلى أن تستعبده تلك الأشياء ، وهذا هو السائد الآن”.

 

أنتجت تلك الثقافة اشكاليات عميقة في المجتمع كان لها أثرها المروع على الحياة الفردية، حيث أعادت صياغة الوعي الفردي كي يستطيع مواكبة ما يحدث من تحول في بنية المجتمع.

 

انتبه إلى هذا نقاد “مدرسة فرانكفورت” ، وأحدثت كتاباتهم حركة اجتماعية رافضة لتلك الثقافة، خرجت على أثرها احتجاجات واسعة في الولايات المتحدة نادت بإسقاط النظام الأمريكى، لكنها قوبلت بعنف وقسوة غير عادية، واستعاد النظام سيطرته.

 

تراجعت هذه الحركة تحت الضربات العنيفة؛ وبدأت في الدعوة إلى “الفردانية ” ، فالمقياس الوحيد لقيمة أي شئ هو الفرد، فليحاول كل شخص أن يتفرد عن الآخرين، لا يوجد هنا ما يسمي: (الذوق العام) ، ولا توجد مرجعية هنا سوى للفرد ذاته، وهذه هي “النسبية” .

 

ظواهر استهلاكية

 

1_النمطية

“نحو التماثل (صب الأرواح في قوالب متماثلة) “. بيجوفيتش . لم يكن المثير هو التنميط من الخارج ، بل تنميط الإنسان من الداخل، فالتنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى تنميط في أسلوب الحياة العامة والخاصة، كما يشير المسيري ، الكل يحلم نفس الأحلام ، الجميع يرغب في امتلاك سيارة فخمة ومسايرة الموضة، والحصول على نفس الوظائف ذات العائد المادي الضخم؛ حتى يثبت وجوده وقيمته في المجتمع ، الجميع يفكر بنفس الطريقة. فالموضة، على سبيل المثال ، تؤدي إلى أن الناس كافة يغيرون طراز ملابسهم من عام إلى عام ، أين التفرد والخصوصية والإبداع الإنساني هنا! لا يوجد ، بل ذوبان الفرد في المجتمع الذي يحدد ويفرض ما يجب أن يكون عليه الفرد هو السمة الغالبة هنا .

 

 

إن الثقافة الاستهلاكية السائدة تقوض الإنسان أكثر وأكثر، فهي توجه الإنسان لحياة آلية وفقا لخطة (نوم -عمل-استهلاك)، على حد تعبير بيجوفيتش. أدى هذا التيار الاستهلاكي السائد إلى انعدامية الرؤية النقدية، لاسيما مع تغول الدولة الحديثة وسيطرتها على المجتمع واستخدامها هذا التيار كأداة من أدوات الفجور السياسي  في استئصال حاسة النقد المجتمعية وتخدير المجتمع -حسب ماركوز-  وتقويض القابلية للوعي.

 

2_ الفتشية السلعية “التوثن”

يشير د.المسيري إلى هذه الظاهرة فيقول : ( أما الفتشية السلعية: فهي استبدال المنفعة التي تقدمها السلعة ، إلى مجرد امتلاك السلعة نفسها ، حتى تتحكم السلعة في الإنسان بدلا من تحكمه فيها ، وتصبح السلعة ذات قيمة محورية في حياة الإنسان تتجاوز قيمتها الاقتصادية وغرضها الاستعمالي ، لكل هذا تصبح السلعة مثل الوثن) .

 

قديما كان الاستهلاك يعتبر وسيلة لغاية تماما كما كان الإنتاج من أجل العامل اما الآن فقد تحول الوضع فالاستهلاك أصبح الغاية والعامل يوجد من أجل الإنتاج وليس العكس كما تنبئ “ماركس”

 

 

الصراع بين عالمين

“إذا كان الفرد والمجتمع كلاهما قد تشكل مستقلا عن الآخر وفقا لنماذج ومثل مختلفة ، فإن الصراع بينهما لا مناص منه” “بيجوفيتش”، أزاحت الثقافة الاستهلاكية منظومة القيم من المركز وحلت مكانها ، فيما صارت القيم على هامش المجتمع .

 

هذه العملية الإحلالية التي همشت القيم ومن يدعو إليها شكلت عاملا رئيسيا في احتدام الصراع بين عالم القيم وعالم المادة والاستهلاك. يقول د.المسيري: “في عالم السلع والأشياء التي لا حصر لها والخواء الروحي الذي لا قاع له كان من المستحيل أن يستمر الإنسان في عزلته”؛ فقد يكون”الصمت هنا  هو قدس الأقداس ولكن للمنتشي الذي فقد عقله” ، واستهلكته المادة ، أما آدم الإنسان فقد كان عليه ألا يقبل ما يطمس معالم إنسانيته .

 

لا يمكن أن يظل الإنسان خاضعا للأمر الواقع ، بل الصراع مع هذا الواقع الذي يهمشه حتمي ومستمر ، فالمثقف الذي يري اليوم أن مجتمعه أصبح في صراع مع ثقافة معادية تحطم كل ما يمثل للإنسان قيمة يستمد منها معنى وجوده ، هذا المثقف سيظل مقاتلا شرسا يدافع عن الدين والأخلاق والإنسان في وجه طغيان العالم المادي .

 

التكيف والذوبان

يقابل هذا الصراع عملية تكيف وذوبان لطبقة واسعة من المجتمع ترى في هذا الذوبان مسلكا عمليا للحفاظ على امتيازاتها التي حصلت عليها ، وهي ميدان الصراع بين عالم القيم وعالم السلع . يقول د.المسيري :” في مقدور الإنسان البرجماتي محدود الرؤية أن يستهلك دون تساؤل ، وأن يغير السلع التي يستهلكها ، وأن يقلل ويزيد من كميتها دون احتجاج . وهو لا يستفسر أبدا عما إذا كان هذا الاستهلاك الغبي سيؤدي إلى سعادته الفردية أم لا . إن الهدف هو النجاح في التعامل مع الواقع-التكيف- الذي تخلقه  وتحدده  وتغلفه الاحتكارات “.

 

يضيف المفكر والزعيم البوسني على عزت بيجوفيتش انه :”في هذا الصراع من أجل المادة الاستهلاكية لا يفوز الأفضل (بالمعنى الأخلاقي) وإنما الأكثر تكيفا مع قوانين السوق ” .

 

إن الإنسان حين يُترك بدون مرجعية قيمية تحدد سلوكه،وما عليه أن يفعل تجاه ما يقابله في الحياة؛ يذوب ويتكيف وفقا للسائد الذي لا يدرك خطورته وأثره عليه .

 

إننا الآن في عالم تسود فيه ثقافة  “ترى الإنسان على أنه كمية من الاحتياجات السهل إرضاؤها، إنه إنسان تستغرقه الأحداث اليومية والأفعال المباشرة، تذوب فيها قيمه الدينية والأخلاقية والإنسانية دون أن يقف ليسأل: مالذي يحدث؟”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1_العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ،الفردوس الأرضي ، عبد الوهاب المسيري.
2_الإسلام بين الشرق والغرب ، على عزت بيجوفيتش .
3_نقد الليبرالية ، الطيب بوعزة .
4_صناعة الواقع ، محمد علي فرح .
5_النظرية النقدية،الن هاو.
6_الإنسان ذو البعد الواحد،هربرت ماركوز.
7_مدرسة فرانكفورت، توم بوتومور.
عرض التعليقات
تحميل المزيد