يتساءل الكثيرون حول الشيء الذي تفتقده الدول العربية ويجعلها في قائمة أولئك المتأخرين علميًّا. تُعرف أجمل السيارات وأكثرها فخامة بالألمانية، ويفتخر الكثيرون بالساعات السويسرية، كما يقتني المعظم الهواتف الذكية الأمريكية أو الكورية. حتى في مجال الطبيعة, فيذهب أثرياء العرب في الإجازات الصيفية للتنزه والتمتع بطبيعة الدول الأوروبية. ويأتي السؤال سريعًا, ما دمنا مستهلكين, لماذا لا ننتج؟ إجابة هذا السؤال لها عدة جوانب سنهتم بأهمها.

 

ما يحتاجه الإنتاج هو رأس المال واليد العامله وهذا متوفر في الدول العربية، ولكن ما يصعب توفره هو الفكرة التي ستقودنا إلى الإنتاج. نحن في أشد الحاجة إلى معرفة كيفية توليد الأفكار.

 

الأفكار دائمًا هي وليدة الأبحاث العلمية. وهنا تكمن المشكلة, الأبحاث العلمية هي ما تفتقده الدول العربية في مؤسساتها التعليمية. الأبحاث العلمية تعد أهم أركان المعرفة, والبحث العلمي هو ما يقود إلى بداية التجربة على أرض الواقع. تقول تيمبل جراندن: “أحب أن أرسم نقطة تقاطع بين معرفتي وبين البحث العلمي, فالفرق ين معرفتي والبحث العلمي هو الفرق ذاته بين عالم الأحلام والواقع”.

 

فمنذ المرحلة الثانوية ولا تحتوي المناهج على كيفية الشروع في كتابة بحث علمي أو حتى تدريس طرق كتابة البحث. تمتلئ أذهان الطلاب في هذه المرحلة بالأفكار الجديدة والمبدعة ولكن.. كيف يعبر عنها. لا يجد الطالب من يعتني بفكرته ولا يدري كيف يبلور فكرته في بحث علمي قابل للنقاش. تنتهي المرحلة الثانوية ومن المفترض أن تنتهي معها مشكلة البحث العلمي. يتخصص الطلاب في المرحلة الجامعية ويصبح الطالب أكثر تركيزًا في مجاله، وتصبح أفكاره أيضًا أكثر حداثة وإبداعًا.

 

ما نراه إلى الآن هو أن حركة الزمن تسير بطبيعتها, ولكن.. ستجدها متوقفة عند مرحلة البحث العلمي. ما حدث في مرحلة الثانوية هو ما يحدث في مرحلة الجامعة وكأن شيئًا لم يكن، وكأن أيامًا وشهورًا لم تمضِ. تموت الأفكار مرة أخرى وتصلى الجنازة على إبداع أصحابها وتدفن مع من مات من أفكار سابقة.

 

تنتهي المرحلة الجامعية بما لها وما عليها ويذهب معظم الطلاب للبحث عن عمل. يتبقى القليل والقليل وهم من يرغبون في استكمال دراستهم إلى الدراسات العليا. هؤلاء ضحوا بما يمكن لهم فعله من جمع المال حتى تهتم المؤسسات التعليمية بما لديهم. فمن الطبيعي والمنطقي أن يهتم بهؤلاء أشد الاهتمام وأن توفر لهم جميع التسهيلات ليتمكنوا من إظهار ما احتفظوا به لسنوات ولكن..

 

ستجد أن عجلة الزمن كما هي لم يتحرك لها ساكن عند مرحلة البحث العلمي. ففي المجالات العلمية البحتة, تفتقر معظم جامعاتنا إلى المعامل العلمية المتكاملة حتى يتمكن الباحثون من تطبيق أبحاثهم . يقول جابر بن حيان في كتاب – الخواص الكبير-: “إننا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه, فما صح عندنا بالملاحظة الحسية أوردناه وما بطل رفضناه”. وهذا هو الدليل الصريح والواضح عن نجاح العرب وتفوقهم قديمًا فما كانوا يُعلمون الناس من شيء إلا وتحققوا منه مسبقًا.

 

وأما ما يخص المجالات الأدبية, فيلجأ المعظم إلى الـ”plagiarism” وهي “السرقة الأدبية”. فبعد سؤال العديد من الطلاب عن سبب أخذ الابحاث عن طريق الإنترنت وتسلميها على أنها أبحاثهم الشخصية, كانت الإجابات صادمة. فمنهم من قال إن الدكتور لا يأبه ما إذا كان البحث لي أم لغيري، ومنهم من قال إن الدكتور نفسه ينتهج ما نفعله نحن أيضًا. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على الضعف الشديد في المجالين العلمي والأدبي.

 

لا توجد مشكلة إلا ولها عدة حلول تنفذ كل دولة الحل المناسب لها. دولنا العربية مقسمة إلى عدة أقسام: تتميز بعض الدول بالثراء والبعض الآخر بالفقر، وهناك أيضًا الدول المتوسطة. فبدلًا من أن تنفق الدول الغنية الأموال الطائلة وتأتي بالخبراء الأجانب ليخططوا وينفذوا, فباستطاعتها تزويد جميع جامعاتها بالمعامل المتكاملة وسيأتي الخبراء أيضًا ولكن من أجل تعليم طلابنا كيفية العمل والتخطيط. فمبدأ “لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد” هو ما يجب تطبيقه.

 

وأما بالنسبة للدول المتوسطة الدخل والفقيرة، وهي تمتاز دائمًا بوفرة اليد العاملة. فطبقًا لمتابعة حركة سير ونمو الدول المتقدمة حديثًا كتركيا وماليزيا وسنغافورة فإن الوضع لن يستغرق إلا بضع سنوات من العمل والاجتهاد حتى تصل إلى ذروة التقدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد