منذ فترة ليست بالقصيرة أصبحنا نتداول مفهوم الاستهلاك بشكل كبير جدًا في إطار غير الذي تعودنا عليه، ربما وصلت ذروة استخدام الكلمة منذ ترجمة مجموعة السوائل (لزيجمونت باومان) ليتخطى مفهوم الكلمة مرحلة الإنتاج والسحب المتزايد في السلع المادية، ليصل إلى مرحلة استهلاك المشاعر، والعلاقات، والمفاهيم الإنسانية، كالحب، والصداقة، والتفاعل، والتدين، والأخلاق؛ مما سبب حالة من التخبط، والتشتيت، والتغريب، والتغير في المفاهيم الإنسانية، من أجل إشباع فوري للرغبات بقيمة أكبر من المعتاد، والتحايل على المشاعر بالاستكفاء، وهو ما لم نصل إليه في ظل السيطرة المادية والتسعير وقولبة المشاعر؛ مما يجعلنا تلقائيًا نميز الأشياء بالوزن والسعر والحجم والعدد وخضوع كل شيء إلى الأرقام والإحصاءات.

تسبب الاستهلاك بشكل تلقائي بطغيان فكرة الفردية، وأنها مقدمة حتما على الجماعة، باعتبار أننا كلنا مستهلكون سواسية فلا يمكن التضحية أبدًا من أجل الجماعة، والأهم أن مشاكل كل فرد تخصه هو وحده ولا يدعمه أحد في تخطي العقبات. تبدلت مخاوف إنسان الاستهلاك بمخاوف سخيفة نوعا ما، حيث يتجسد الخوف دائمًا من فوات فرصة التحديث والتناغم مع السلع (باعتبار أن كل شيء أصبح مجرد سلعة مثمنة) ربما يصبح ذلك جليًا واضحًا حين تعرف أن هدف أحدهم هو الحصول على ذلك المنتج الجديد. أصبحت الحياة أشبه بلعبة إستراتيجية كلما زاد معدل التقدم (الاستهلاك) في اللعبة يمني نفسه بالانتصار، وما كان هذا إلا سرابًا، الحقيقة أن الخطر ازداد، وأنه لم ينتصر بعد رغم ارتقائه إلى مستوى جديد أو الحصول على معدل مرتفع نسبيًا، هكذا هو الاستهلاك فرغم معدل الاستهلاك الكبير للفرد الواحد، والتطلع الدائم إلى إشباع رغبة الفردية، إلا أنه سرعان ما يجد الفرد نفسه محاط بالخوف من كل ناحية، وأنه لابد عن مزيد من الاستهلاك حتى لا يسقط من الهاوية إلى هاوية أخرى!

يدعم الاستهلاك عدم الخروج من مرحلة سيولة ما بعد الحداثة فلا وجود لخط النهاية، وليس هناك انتصار، والحقيقة أنه مع طغيان الفردية فسيختفي بالطبع الشعور بالانتصار والكفاف بتحقيق بعض الإنجازات كبيرة كانت أو صغيرة، يمكننا أن نرى انعكاس ذلك جليًا واضحًا في الأفلام على سبيل المثال، فالبطل وحده من يقاوم، لا تتضح صورة المجتمع وتتكون صور ضبابية حول المصابين والمفقودين في إطار معركة ما بين وحش وأحد الأبطال، المهم أن البطل سيعيش، وأنه سينجو من الإصابات، البطل هو الفرد وليس الجماعة هنا، نرى هنا أن البطل بعد تلك المعركة سيدخل معركة أخرى وسيفقد بعض الناس حياتهم بينما يقف البطل وحيدًا يصارع وحشًا تلو الآخر، والمجتمع لن يشاركه، ولن يتفاعل معه، وسترى أن الناس يلوذون بالهرب.

طور الاستهلاك الفردية وبالطبع الأنانية فكان موقف الاستهلاك من الحب موقف عدائي خاصة هذا الحب التقليدي، الحب الذي يؤدي إلى مسؤولية يتحملها طرفي العلاقة، ومع التطور الرهيب للفردية تثاقل أمر تحمل مسؤولية الآخرين، تلك المسؤولية العاطفية، والوفاء، والافتداء، والاستقرار، ربما يدعم الاستهلاك تطور نوع جديد من الحب وباقي العلاقات الإنسانية كالصداقة التي تكون مثمنة، يستطيع الفرد التنقل بين العلاقات المطورة من قبل الاستهلاك بسهولة وبسرعة حتى لا يمل، رغم أنه لن يكتفي منها، وسيجد في النهاية أنه لم يصل إلى مبتغاه، وأنه مصاب بالإحباط، ومن البداية أصلًا لم تكن العلاقات هدفًا مهمًا بالنسبة له، ولكن كانت ضمن قائمة السلع المثمنة التي يستطيع التنقل بينها وتجربتها بشكل عابر، وإشباع رغبة مؤقتة.

ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في تسارع وتيرة الاستهلاك بشكل مقصود أو حتى غير مقصود ازدادت الحاجة إلى تحويل الشعور الإنساني والعاطفة إلى قوالب ملموسة وطرق أسهل من أجل الإشباع والتنقل بين سلعة وأخرى، ظهر مفهوم كمفهوم الحظر، وهو ما يعني إنهاء علاقة بشكل كامل، والانتقال إلى أخرى، يمكنك أيضًا بكل سهولة التنقل بين عدة علاقات عابرة في الوقت الواحد دون الشعور بالخزي.

غير الاستهلاك في الكثير من المفاهيم وما زالت حركة التغيير مستمرة حتى لا يحدث الملل عند المستهلك فيدرك حقيقة ما يحدث، فنجد مفهوم الجمال والذي أصبح مفهومًا سائلًا محاطًا بعمليات التغيير والتجديد المستمر بين الضخامة، أو التصغير والتلوين، أو التجريد بين الصخب، أو الهدوء، المفهوم نفسه أصبح مبهمًا، وغير واضح ألبتة.

أما الأخلاق فأصابتها الغربة فلا يمكن أن ندركها سوى في بعض المفاهيم التي تدعم الاستهلاك، أما الأخلاق نفسها التي يتوارثها الناس ويتعلمونها أصبحت مستنكرة، لا يمكن إدراكها، إلا فيما يمكن تحويله لشيء مادي لذلك يمكن أن تجد مفهومًا أخلاقيًا على وسائل التواصل الاجتماعي كالوسوم مثلًا من أجل دعم قضية ما، الأمر ليس له تأثير في أغلب الحالات، والتي يكون فيها تتضامن مثلًا أو تعزية، الأمر مشابه فيما يخص الدين، ربما يترك الفرد المعبد والمسجد ويتخذ من حسابه على «فيسبوك» محرابًا يؤم الناس فيه ويدعو الله ويرجو من متابعيه التأمين حتى يستجيب الله.

وصل الاستهلاك حتى إلى الجنس فعادى العلاقات الجنسية اللطيفة المحببة إلى قلوب الناس التي تنشأ في جو شرعي أو حتى شكل موثق وتقوم على الود والمحبة والألفة والاختيار الكامل، إلى علاقات عابرة مضطربة ثم يصل بالمستهلك في النهاية إلى المادة الإباحية الصاخبة المزعجة العنيفة التي توافق حياة المستهلك الجديدة، وتقوم المادة الإباحية بإنشاء الكثير من الخيارات الشبه مجانية، والتي تتسم بجو عنيف، ومليء بالذعر، والخوف، والشر، والسادية؛ مما ينشأ عنه نوع جديد من الإثارة يفوق الإثارة الطبيعية التي تحدث في العلاقات العادية؛ مما يسبب إدمان المواد الإباحية.

أصبح إنسان الاستهلاك هو نفسه مستهلك ومعرض دائمًا للخطر، ويشعر دائمًا بالجوع، والرغبة، والإحباط، والحاجة، والغربة، كل شيء دخل في سلسلة من النفع المادي، والضرر المادي، المكاسب المادية والخسارة المادية، البيع والشراء والهرولة خلف العروض، أصبح الإنسان نفسه مجرد عرض يساوي رقم في سوق الاستهلاك، يفقد الإنسان هويته ويصبح مجرد رقم تعريفي يعرف به كسلعة في السوق الاستهلاكي، وأصبح الانسان حتى مشتتًا في معرفة إذا كان ذكرًا أم أنثى، فكان الإنسان برقمه هذا مجرد أداة استهلاك في السوق هناك من يبيع لها ثم يشتريها، أصبحنا نرى مدونات تعلم الذكور كيفية استهلاك المواد التجميلية الأنثوية على سبيل المثل، والتي كانت منذ فترة قصير من أجل النساء فقط، ربما لا يستطيع الإنسان الكف عن هذا الهراء والخروج من كهف طور الاستهلاك، إلا بالعزلة حتى يدرك هويته ومن خلال إدراك الهوية يبدأ بعدها بناء الشخصية حتى يتوصل الإنسان إلى تحقيق الاستقلالية عن السوق على الأقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد