لقد أصبح الشراء النزوي عادة استهلاكية، وظاهرة سلوكية لدى كثير من الناس؛ نتيجة لحدوثها باستمرار، خاصة بعد انتشار المتاجر الكبرى و(المولات) التي تجذب المتسوقين بشكلها وطرق عرضها للسلع.

إن حمى الشراء وعدوى التسوق أمراض جديدة حملتها إلينا المدنية الزائفة، والتي تتراءى في ما ننفقه على منتجات ترفيهية لا معنى لشرائها سوى ما يحمله ذلك العقل الضعيف من إسفاف وعدم مسؤولية، بل وصل الأمر إلى تحويل بعض المنتجات الترفيهية (كالمياه الغازية) إلى ضرورة أساسية بعد كل وجبة حتى لدى بعض العمال محدودي الدخل ممن أجبرتهم ظروفهم على السفر من أجل العمل في المدن الجديدة التي يسكنها علية القوم، ولكن لأن للاستهلاك عدوى تنتشر سريعًا، فقد تأثر هؤلاء العمال بسكان هذه المدن وسرعان ما يؤثر هؤلاء العمال بدورهم في ذويهم عند العودة إلى بلادهم، مما يدفع أصحاب المحال التجارية إلى توفير عدد هائل من تلك السلع، والنتيجة فإنك لا تكاد تجد محلًا تجاريًّا صغيرًا أو كبيرًا يخلو من عدد كبير من السلع الاستهلاكية غير الأساسية المستوردة كالمياه الغازية والمقرمشات ومنتجات الأطفال، مما يؤدي إلى تراجع نسبة شراء المنتج المحلي وانخفاض سعر العملة المحلية.

وعلى صعيد آخر فكما أدت الحمى الشرائية إلى تحويل الترفيهي إلى أساسي، فقد أدت أيضًا بسبب الحملات الإعلانية الضخمة إلى تحويل السلع المعمرة إلى سلع سريعة الاستهلاك، فمثلًا بعد أن كان شراء السيارة بمثابة قرار مصيري يتطلب مراجعة دقيقة لاحتياجاتك ومتطلباتك وإمكانياتك من أجل تحديد نوع محدد من بين الأنواع المعروضة، أصبحت السيارات مجرد سلعة تصلح بالكاد لمدة عام واحد بعدها يبحث أصحابها عن أحدث الأنواع المعروضة والمزايا والتقنيات الحديثة حتى ولو كانت غير ضرورية بالنسبة لهم.

وأصبح شراء السيارة في حد ذاته مطلب وضرورة أساسية لدى بعض محدودي الدخل أسوة بمعارفهم ميسوري الحال، واستجابة لتلك الحمى أو العدوى يضطر الفرد إلى الاستدانة أو الشراء بالتقسيط بقرار غير مدروس هل سيستطيع السداد أم لا؟!

وهل سيعود الشراء بفائدة عليه أم هو مجرد استجابة لشهوة الوجاهة الاجتماعية ومسايرة المجتمع المحيط، وقس على ذلك العديد من المنتجات التي يفترض أن تكون معمرة كالهواتف المحمولة والحواسيب بكافة أشكالها، والتي أصبح مجرد اقتنائها في حد ذاته ضرورة ملحة لدى الأفراد، بفضل طرق الإعلان الحديثة التي استطاعت إقناع الفرد بمنتجات ليس في حاجة إليها!

إن الوسطية في الإنفاق هي الطريق للأمن المعيشي ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة حيث يقول: “كل واشرب والبس وتصدق في غير سرفٍ ولا مخيلةٍ”.

فمن الواضح أن أغلبية المستهلكين لا يتمتعون بالوعي الكافي الذي يمكنه من دراسة سعر السلع قبل شرائها من جهة، ومن المقارنة بين نوعية وجودة السلع المعروضة من جهة ثانية، وانعدام الوعي الاستهلاكي، هذا يجعل المستهلك يفقد المرونة اللازمة للتحول السريع بين السلع البديلة بل يبقي مصرًا على نوع معين دون أن يحاول التفكير بمبررات هذا الإصرار ليعمد بعد ذلك إلى الانتقاء بين السلع البديلة.

إن وجود النزعة الاستهلاكية والميول الشرائية في المجتمع جعلت كل مواطن يطمح إلى مستوى من المعيشة يفوق دخله، وذلك تقليدًا لإقرانه وأقاربه وهذا أدى إلى اتساع في الإنفاق بما يؤدي مباشرة إلى الارتفاع المستمر في الأسعار.

ومن الملاحظ أن تلك النزعة الاستهلاكية ذات نسبة عالية لدى النساء بصفة خاصة، فعلى سبيل المثال من خلال عملي في إحدى الصدليات الكبرى بمنطقة راقية ألاحظ أن النساء عمومًا يشكل التسوق لهن متعة كبيرة إضافة إلى أنهن يحملن مشتريات متعددة، يوضح أنها مرت بجميع أرفف الصيدلية المعروضة وأقسامها وأخذت منها، وعندما تقف لدفع الحساب تفاجأ بالسعر، وأحيانًا تضع بعض الأغراض جانبًا لأنه ليس لديها كامل المبلغ أما الرجل، فتراه دائمًا مشترياته قليلة ومحدودة تكاد تحفظها وتعرفها في كل مرة يحضر فيها للمكان، إضافة إلى أنه يخرج بأشياء محددة أو ما في الورقة التي معه لا يزيد عليها.

إن المصابين بحمى الشراء يفتقرون للتخطيط وليس في قاموسهم شيء اسمه ميزانية، فمن يخطط ويضع في حساباته مبلغًا لكل شاردة وواردة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقدم على الشراء بلا حاجة أو ضرورة، وليس بالضرورة أن يرتبط هوس الشراء بشراء سلع مرتفعة الثمن فقط؛ حيث يرتبط الأمر في كثير من الأحيان بشراء سلع منخفضة السعر ولكن بكميات كبيرة تتجاوز الاحتياج، مما يترتب عليه دفع كمية كبيرة من المال.

ويحضرني قول (عمر بن الخطاب) لجابر بن عبدالله : أوكلما اشتهيت.. اشتريت!

إن الإقبال على الشراء بأي سعر وتحت أي ظرف مادي بلا تفكير يعتبر مرضًا، وهو ما يسمى (بالشراء القهري أو أونيومانيا)، ويتم تصنيفه كأحد أنواع الإدمان المرضي التي لا تتضمن تناول مادة كيميائية والتي تتضمن تأثيرًا سلبيًّا على حياة الفرد كالاستدانة وتعثر السداد والاختلاس والسرقة أحيانًا لإشباع رغبته في الشراء؛ مما قد يؤدي لفشل العلاقات الاجتماعية، بل قد يؤدي للانتحار.

ووفقًا لكل ما سبق ينبغي أن يسعى الأفراد إلى التخلص من تلك الحالة المرضية لما لها من أضرار على الاقتصاد الوطني وسلوك ومزاج الفرد.

ويمكن تلخيص طرق التخلص من هوس الشراء التي ينصح بها الطب النفسي في النقاط التالية:

  1. على الرجال المصابين بهوس الشراء تجنب إعلانات الإلكترونيات والسيارات؛ حيث إن هذه السلع هي الأكثر إغراءً لهم.
  2. على السيدات المصابات بهوس الشراء تجنب إعلانات الملابس والأحذية والمجوهرات وأدوات التجميل؛ حيث إن هذه السلع هي الأكثر إغراءً لهن.
  3. على المصابين بهوس الشراء تجنب نزول السوق في موسم التخفيضات؛ حيث تمثل التخفيضات عامل جذب لهم.
  4. توجيه أوقات فراغهم للأنشطة التطوعية والخيرية؛ حيث يساعدهم ذلك على تقليل أوقات الفراغ التي يتم قضاؤها في التسوق.
  5. يجب على المصاب بهوس الشراء أن يعترف بمشكلته ويطلب من المقربين منه مساعدته، في الالتزام بإجراءات حماية نفسه.
  6. على المصاب بهوس الشراء مراجعة طبيب نفسي عندما يصل هوس الشراء لدرجة تؤثر على حياة المريض الاجتماعية والعملية والمادية.
  7. الانتباه لإغراء شراء كمية كبيرة من سلع رخيصة بحجة وجود تخفيضات.
  8. ينصح المصاب بهوس الشراء بالاحتفاظ بالفواتير وكتابة يوميات عن السلع التي اشتراها أثناء التسوق؛ حيث يساعده ذلك على الإحساس بحجم المشكلة.
  9. كما ينصح مصاب هوس الشراء بوضع قائمة باحتياجاته قبل الذهاب للسوق، وعدم شراء أي سلعة خارج هذه القائمة، وكذلك أخذ نقود بقدر ما يكفي السلع المخطط لشرائها فقط.
  10. ينصح المصاب بهوس الشراء بضرورة استثمار نقوده ومدخراته في أحد المجالات التي يتقنها وفقا لرأس ماله بدلًا من التبذير بغير فائدة وبذلك يساهم في دعم الاقتصاد الوطني، واستغلال وقت فراغه وجهده المهدر، وتوفير فرص عمل للشباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد