لقد وُلِدنا يا سادتي على صوتِ المدافعِ وصواريخِ الطائراتِ، وتربينا على أَنين الأمهاتِ على أحبائهن وفلذات أكبادهن. وفي كُلِّ يومٍ نرى القتيلَ والجريحَ والفقيدَ والمُدمَّر والمنكسر، في كُلِّ يومٍ نرى شيئًا جديدًا من الحزنِ والدموعِ المنسكبة في كلِّ مقلةٍ. وما زلنا نُشاهد الضَحايا في كُلِّ مكانٍ حولَنا، من الجارِ والأَقاربِ وحتى الأَصدقاءِ والمعارفِ.

لا أَحد يعرفُ سبب هذه اللعناتُ المتواليةُ على هذا الشعب، فعجيب أَمرُك يا عراق، والأعجب من هذا هو شعب العراقِ. فكلُّ ما يمرُّ به هذا الشعب هو نكبات واحدة تلو الأُخرى، ولا شيء يبدو في طريقٍ واضحٍ، فنحن دائمًا ما نرى الأَسوأ والأَفظع في كلِّ الأشياءٍ، ليس لأَننَّا سلبيون بل لأنَّ ما نمرُّ به جعلنا لا نثقُ بأيِّ شيءٍ، حتى لو كان واقعيًّا، لقد قاسينا الكثيرَ والكثيرَ. فالحروب يا سادتي ليست سهلة، ولن تُنسى بسرعةٍ. وكذلك الحوادث اليومية التي نمرُّ بها، والأَحوال السياسية التي نعايشها؛ إِنَّها تُدمِّر قلوبنا، وتُحطِّم قلوبنا وتُكسِّر آمالنا إِنَّها قراراتٌ بائسةٌ ومتسرعةٌ وبلا دراسةٍ، والمُستفيد الوحيد من كلِّ هذه الأَشياء المسماة بالقرارات هي الحكومة.

فالحكوماتُ هذه لا تُوصف، بل يمكن ذمها فقط. حيث إنَّ كلَُ ما تُقرره مجرد بؤسٍ وزيادةٍ في الطينِ بلة. والشعبُ لا يزال يُشاهد، وحالُ أَحدهم يتساءل قائلًا: ما الذي سنفعله، الأفضل إِزالة النظامِ وقتلُ من في الحكومةِ كلهم، وآخر يقولُ: دعوا الحكومة تعمل فأَنتم لستم راضين عن أي حكومة، فهل يأتون لكم بحكومة من المريخ. وآخر يقولُ: لا داعيَّ لوجودِ حكومةٍ، فهذه الحكومةُ يَحكمها أناسٌ سراقٌ، وليس لنا القدرة على فعلِ أيِّ شيءٍ. وآخر يقولُ: فلنتظاهرُ ونضغطِ على الحكومةِ لعلها تُصلح لنا شيئًا، وآخر يقولُ: أنا لستُ مع الحكومةِ أو ضدها، ما يُهمني هو كيف سأُطعم أَولادي وكيف سأعمل غدًا. وهكذا تزدادُ الآراءُ والنتيجة واحدة وهي أَنَّ الحكومةَ مستمرةٌ، وهي مستفيدةٌ من هذا التعدد في الآراءِ، فكلَّما ازدادَ الناسُ في فرقتِهم، كانت الحكومةٌ مسيطرةً ومستقرةًمن الداخلِ ولو على نطاقٍ معينٍ.
ولو نظرنا نظرةَ فاحصٍة، لوجدنا أَنَّ التواني مع هذه الحكومة سَبَّب الكثيرَ من المشاكلِ والفوضى والفسادِ طوال السنينِ السبعة عشر المُنقضية. وهكذا يَبقَى التواني وهكذا يبقى الشقاقٌ وهكذا يبقى الحالُ كما هو عليه دون تغييرٍ.

وأيُّ تغييرٍ سنشهده ونحنُ صِرنا لا نأَبهُ للحياةِ، بل سئمنا منها. وهذا راجعٌ إلى الكثيرِ من الأسبابِ المختلفةِ في طبيعَتها. فبدءًا من السقوطِ الدامي للنظامِ البعثيَّ عام 2003 بدأتْ مرحلةٌ جديدةٌ من الحروبِ، التي لا تَقلُّ أَلمًا عن التي قبلها. وحتى يومُنا هذا الذي ظَهَر لنا عدوٌ جديدٌ وهو كورونا، حيث إِنَّنا في حربٍ خفيةٍ، نَخوضها ضد فيروسٍ؛ عنيدٍ، قاتلٍ، قصيرٍ، ومكارٍ وخبيثٍ.

والحربُ في العراقِ مع هذا الفيروس مجرد كارثةٍ لا أكثر. فالكثيرُ من المستشفياتِ في مدنٍ عديدةٍ فقدتْ الأوكسجينَ، والبعضُ منها امتلأ بالمصابين، والأُخرى خرجت عن الخدمة لأسبابٍ متراكمةٍ. ومع تلك القرارات المتأخرة، والفساد العظيم نمرُّ بحالةٍ مزريةٍ تمامًا، أعرفُ أنَّني أَبدو سلبيًّا في وصفيِّ هذا، ولكن أعتقدُ أنَّ المعاناة تستحقُ أَنْ تُقال، وأَنْ تُوصف دون غضاضةٍ من أَحدٍ.

وإِضافة إِلى هذه الحرب اللعينة، نواجه مشكلة في بلادنا هذه، وهي الكهرباء التي جعلتنا ننفجرُ غضبًا ولهيبًا أَيضًا. وما جعلها مشكلة أَكبر هي الحرارةُ القاتلة، التي بلغتْ في الكثيرِ من محافظاتِ العراقِ حاجزَ 50 درجة مئوية، وبما أَنَّ الكَهرباء عندنا لا تتناسب مع حجمِ هذه الحرارة فقد كانَ الأَمرُ في الحقيقةِ غاية في السوءِ وخصوصًا في المحافظاتِ التي ساد فيها الفساد واستشرى بشكلٍ مريعٍ وغير قابلٍ للإصلاحِ.

ولا يتوقفُ الأَمرُ عند حربِ كورونا، والكهرباء فقد كُنَّا في السابقِ نعيشُ السوءَ نفسَه. فالحربُ الطائفية خلَّفت الكثيرَ من الدمارِ النفسيِّ لهذا الشعب، وجعلته فاقدًا للأملِ بشكلٍ لا يُطاق، وما فعلهُ الإاحتلالُ اللعين أَضاف ابتلاءً آخر لهذه الابتلاءات المتعاقبة. وجاءتْ القاعدة ثم داعش، ليكتمل العشاءُ بمجموعةٍ من الحروبِ القاسية والهائلة، حيث إِنَّنا لم نتوقفُ عن الحروبِ إِلاَّ لفتراتٍ قصيرةٍ، كانت مليئة بالخوفِ والرعبِ أَيضًا.

وبعد خروجِ القواتِ الأمريكية والقضاء على القاعدةِ وداعشٍ، كنا نأْمل خيرًا، وقُلنا لعلَّ الحال سيتبدلُ ويسيرُ نحو الأَفضل، ولكن هيهات، فالحزنُ لا يَبرحُ أَنْ يُغادر قلوبَ هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذه البقعة التي تُسمى أَرضَ العراقِ، فجاءنا نذيرَ حربٍ جديدةٍ بين أَمريكا وإِيران، وقالوا إِنَّ الحربَ بالتأَكيد ستكونُ في العراقِ، فالعراقُ كما تعرفون صاحب تاريخٍ عريقٍ في الحضاراتِ، وهو أَوْلَى بأَنْ تُقام الحرب على أَرضه لأَنَّها مقدسةٌ وحسب، أَلم يُدفن فيها الحُسين والعباس وعَلي بن ابي طالب.

وبعد أَشهرِِ من المناوراتِ المؤتمراتية «»الأمريكية- الإيرانية» قُتلَ قائدُ الحرسِ الثوريِّ ذو النفوذِ الواسع، قاسم سليماني، أَشهرُ رجال إِيران في السياسةِ والجيشِ، والقائدُ في الحشدِ الشعبيَّ ونائبُ رئيس هيئتها وأََمين عام كتائبِ حزبِ الله أَبو مهدي المهندس، بطائرةٍ أَمريكيةٍ. وهنا بدأَ صراعٌ جديدٌ بين الدولتين، وهو صراعٌ جديدٌ، حدث على أرضٍ لا علاقةَ لها بمشاكلِ الجانبين نظريًّا. وكما نعرفُ أنَّ الشعبَ العراقيِّ مجموعةٌ من التكتلاتِ والتياراتِ والفرقِ والقومياتِ والمذاهبِ والأَديانِ المختلفة، فهو من وجهة نظرٍ ما لا يبدو موحدًا، حيث إِنَّ التناحرَ يُكاد يُمزق هذا الشعب، وأَحيانًا يوجد هذا التناحر حتى في داخلِ الأسرةِ الواحدة.

وفي أَثناء كلِّ هذه المصاعب والحروب، توجد ظواهرٌ أُخرى تُزهق حياةَ هذا الإنسان الذي يعيشُ بواسطة الحيلةِ حقًّا. ومن هذه الظواهر؛ ظاهرةُ الانتحارِ، والتحرشِ الجنسيِّ، والهيمنةِ الأبوية، والسيادة العشائرية وحسب التصريحِ الرسميِّ الذي أَدلى به سعد معن فقد «تم تَسجيل 5 آلاف و292 حالة عنفِ أُسريِّ في العاصمةِ بغداد وبقية محافظاتِ البلاد خلال النصف الأول من العام الجاري. وأضاف معن أن من بين الحالاتِ الموثقةِ سجَّلت 3 آلاف و637 حالةِ اعتداءٍ من الزوجِ على زوجته، فيما تم رصد 453 حالة اعتداء من الزوجة على زوجها. وأَوضحَ أنه سُجلت أيضًا 402 حالةِ اعتداءٍ ما بين الأُخوةِ والأَخوات، و183 حالةِ اعتداءٍ من الآباءِ على أبنائهم، و617 اعتداء من الأبناءِ على آبائهم». وإِضافة لهذا توجدُ النزاعاتُ العشائرية التي تَحدث بشكلٍ مستمرٍ في مناطقٍ محددةٍ من العراقٍ، ولا يَخفى ما لهذه الظواهر من تأثيرٍ كبيرٍ في الإنسانِ. وهو تأثيرٌ سينعكسُ سلبًا في المستقبلِ وبشكلٍ أكبر إِذا استمر الحالُ على ما هو عيله دون ردعٍ جذري.

إِنَّني أَستطيعُ أَنْ أَقول إِنَّ أحد أَسباب هذه النزاعات هو انتشار السلاحِ، سواء المرخص منه وغير المرخصِ، وهذا في الحقيقةِ لا يُسمى حرية امتلاك الأَسلحةِ، بل هو ضررٌ بالغٌ في أَمن المجتمعِ أَولًا، وأَمنِ الدولةِ ثانيًا. فالدولةُ التي يشيعُ فيها السلاح المُنفلت هي دولةٌ بلا قانونٍ، ولن تكون كذلك حتى يُمكنها أَنْ تُنظم هذا السلاح بشكلٍ معينٍ يَضمن عدم استخدامه في الحالاتِ الشخصية. والعقوبةُ هي ما سيجعل هذا الأمر مضمونًا، بشرط أَنْ يكون تطبيقها صارمًا ومطبقًا على الجميعِ دون شروطٍ مسبقةٍ.

في المقابل يوجدُ الكثيرُ من الأُمور الإِيجابية التي أُحب أَنْ أَتحدث عنها، صحيحٌ أنَّها غير مؤثرةٍ في نطاقٍ واسعٍ ولكنها مهمةٌ أَيضًا. ومن هذه الأُمور؛ ازدياد الوعي لدى فئاتٍ شبابيةٍ تستحقُ الاهتمام، وهذا الوعي بالتأكيد سيؤثر في شخصية هذه الفئات. وكذلك الإِبداع؛ فأَنا أَرى الكثيرَ من مُحبي الكتابةِ والقراءةِ والموسيقى والرسمِ في الكثيرِ من صفحاتِ مواقع التواصلِ الاحتماعيِّ، وهؤلاء مُنتجون ويستحقون التصفيق والتهليل أَيضًا. فهم، ورغم كل الحروبِ والمشاكلِ سالفة الذكر، استطاعوا أَنْ ينهضوا بمواهبِهم ويُظهروها للمجتمعِ. صحيحٌ أنَّها مواهبٌ غير مصقولةٍ بعد بخبرةِ الحياةِ، ولكنها عظيمةٌ ورائعةٌ. ولا أُخفي عليكم أنَّ هناك كمًّا عظيمًا أَيضًا من المحتوى السخيف والذي لا يعني شيئًا، منتشرٌ بشكلٍ واسعٍ ولكن في النهاية هذا أَمرٌ اعتياديُّ جدًّا وهو موجودٌ في الكثيرِ من البلدانِ حولنا، والمهمُ حقًّا هو وجودُ فئاتٍ قادرةٍ على الإِنتاجِ والتجديدِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد