سيطرة الكنيسة على المجتمع والدولة

في البداية، يجب أن ندرك أن القيم والمبادئ والمفاهيم التي تنظم حياتنا اليوم؛ ما هي إلا حصيلة تجارب المجتمعات البشرية منذ نشأتها. ولم يكن بالإمكان وصول المجتمعات البشرية إلى ما هي عليه الآن دون المرور بآلاف التجارب والتضحيات والحروب والصراعات التي خاضها البشر عبر المراحل الزمنية السابقة.

وفي كل عصر من العصور، كان المجتمع يلتزم بمجموعة من القواعد والنُّظم التي تضمن تسيير أموره. وكان يتم إقرارها وفق قواعد محددة، وبالارتكاز على ما خلفته الأجيال السابقة.

هذه القواعد الموروثة كان يتم تطويرها وإجراء تغييرات متسلسلة عليها مع مرور الوقت. لكن الأمر لم يكن دائمًا بهذا الشكل، فهناك العديد من الأحداث التاريخية التي فرضت تغييرات جذرية على شكل نظام الحكم والقواعد التي تحكم الدولة والمجتمع، مثل الثورات الداخلية للشعوب ضد الحاكم، أو سقوط الدول عسكريًّا لصالح قوى خارجية.

وعبر التاريخ لم يستمر أي نظام حكم على حاله فترات طويلة، بدءًا من الإمبراطورية اليونانية وحتى الإمبراطورية العثمانية التي انتهى حكمها القرن الماضي. جميع تلك الإمبراطوريات كانت تستند في حكم المجتمعات التي تقع تحت سيادتها على القوة العسكرية من جانب، وعلى الجانب الديني (المقدس) من جانب آخر.

إذ كان لظهور الأديان دور كبير في تشكل أنظمة الحكم وتوحيد المجتمعات خلف نظام محدد، لكنها بالمقابل استُغلت لفرض هيمنة الحكام والملوك ورجال الدين على المجتمع باسم الدين، والقضاء على الثورات والمجموعات التي تطالب بالحكم، والتي تستغل في الوقت نفسه استراتيجية مشابهة من خلال استغلال الدين ورفع راية «المقدس البديل».

فكان الملوك والأباطرة يحيطون أنفسهم بكهنة باعتبارهم رعاة الإله، ونشر مظاهر ذلك لدى العامة من الناس وذلك لتحقيق مجموعة من الأهداف منها السيطرة على مقاليد الحكم بشكل مطلق، من خلال التغريب والترهيب الديني. وتارة يقوم الملوك باعتناق الدين الأكثر انتشارًا في المجتمع الذي يحكمونه أو حتى فرضه، ومن ثم تأسيس مؤسسات دينية مقربة منهم للسيطرة على المجتمع من خلالهم، لا سيما في أوقات الحروب والأزمات الاقتصادية التي تمر بها ممالكهم.

في التاريخ الإسلامي، ومنذ قيام الخلافة الأموية -التي استندت على شرعية دينية كونها الخلافة التي تمثل الإسلام بعد انتهاء عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين الذين حكموا من بعده- وحتى الخلافة العثمانية؛ لم تهدأ الحروب والنزاعات بين نظام الحكم القائم في حقبة زمنية ما، وبين مجموعات أخرى تطالب بالخلافة رافعة من أجل ذلك شعارات دينية وعرقية بديلة. ومات في سبيل ذلك مئات الآلاف من البشر.

وفي الحقيقة لم تكن أغلب الدعوات التي طالبت بالحكم وفق شعارات دينية، مخلصة دائمًا لتلك الشعارات، بل اتخذتها ذريعة للحشد وتكوين لبنة قادرة على انتزاع حكم أو تأسيس دولة.

لقد قامت عشرات الأنظمة والملوك باستخدام رجال الدين لتحقيق مصالح شخصية تتعلق بملكهم، بل وساهمت الكثير من الإمبراطوريات والملوك حول العالم بالتأثير في الدين نفسه وتفضيل مذهب على آخر، وكنيسة على كنيسة أخرى بما يتلاءم مع خصوصياتهم وصدى الدعوات الدينية المقابلة التي كانت تهدد ملكهم مع الوقت. ووصل الأمر إلى حد ارتكاب المجازر من أجل تحقيق ذلك.

على مر التاريخ بدأت الحركات الدينية بالازدهار والانتشار بين المجتمعات البشرية عندما استخدمت الكلمة في ذلك، ودعت للعدالة والقيم النبيلة التي تحافظ على حقوق الناس والمساواة بينهم. وعندما بدأت بالحكم واستخدام السيف والقوة لفرض تعاليمها وأهوائها خسرت معركة الكلمة، وعاد المجتمع الأوروبي للبحث عن قواعده الخاصة البعيدة عن الدين لتسيير أموره وهذا ما نعيشه اليوم.

في أوروبا القديمة، ازدادت سلطة الكنيسة وهيمنت على كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إذ كان رجال الكنيسة يشرفون على تنصيب الملوك الذين سعوا للحصول على مباركة الكنيسة لهم.

وفي القرن الحادي عشر، نجح البابا غريغوري السابع في جعل الكنيسة كيانًا مستقلًا من الناحية القانونية والسياسية، الأمر الذي أكسبها تأثيرًا كبيرًا في المجتمع الغربي من خلال نظام المحاكم الخاص بها.

وتطورت العلاقة بين الكنيسة والدولة بشكل لافت حتى أضحت شراكة كاملة ذات مصالح مشتركة، وسعى رجال الدين لامتلاك العقارات والأراضي جنبًا إلى جنب مع الإقطاعيين المساندين لأنظمة الحكم، وتخدير الفقراء بوعود الجنة والنار، وبيعها لهم بما يعرف بـ«صكوك الغفران».

وصكوك الغفران كانت تُمنح مقابل مبلغ من المال، أو مقابل مشاركة الجنود في الحملات العسكرية التي كانت تشنها الكنيسة أو الإمبراطوريات التي تسيرها بين الحين والآخر.

وخلال الزمن أصبح للكنيسة اليد العليا على المجتمعات كلها من أفراد وأمراء وملوك يخدمون الكنيسة، ويدينون بالولاء للبابا. هذا التغلل كان مصدر قوة للكنيسة في البداية، لكنه أيضًا كان المسمار الذي دُق في نعشها لاحقًا.

ولم يتوقف الأمر على أوروبا القديمة، بل في الشرق أيضًا قامت دول الخلافة الإسلامية المتعاقبة باستخدام الدين لفرض هيمنتها على مناطق أكبر وقمع أي تمرد في دولهم وعلى حدودهم، وما زال هذا الأمر قائمًا في العصر الحديث لكن بأدوات مختلفة، وهناك الكثير من الأمثلة والشواهد على ذلك، فعلى سبيل المثال لا الحصر في حرب أفغانستان ضد الحكم الشيوعي عام 1989، تم استخدام رجال الدين لحشد المتطوعين للحرب ضد النظام السوفيتي في أفغانستان، برعاية دول إسلامية وغير إسلامية.

في الجزء القادم سنتوقف عند مقولة كارل ماركس «الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح. إنه أفيون الشعب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أوروبا, تاريخ

المصادر

عرض التعليقات