في سجل الحياة يسجل العالم اليوم تجربة تاريخية شبه خيالية، كأنها تجسيد لسيناريو أو رواية ما، ويا ليتها كانت كذلك! فعلى الأقل سنتمكن من معرفة نهاية ما نحن عليه الآن، وحتى من إنقاذ ما تبقى من البشرية، لكن للأسف ما نعيشه واقعي ويقرب ما توقعه ألبير كامو ومبدعون آخرون.. حيث قال في رواية الطاعون: «وإن يومًا يأتي يوقظ فيه الطاعون جرذانه، مصيبة للناس وتعليمًا لهم، ويرسلها تموت في مدينة سعيدة».

فظهور الكورونا (كوفيد-19)، الفيروس الذي جعل العالم على مقربة من الموت، وأحاط بالناس في دائرة من الخوف والرعب، جعلنا نبحث عن غيرنا في أنفسنا، نرمي بما يتشبت بنا من أنانية وكراهية وحقد، لنكتشف ماهية الحياة ونحن نقاتل لنبقى على قيدها، فتزداد غريزة الرغبة في البقاء كلما تذكرنا أن البشرية تموت وأننا فرد منها.

وهنا يتحقق ما خطه كل من ابن خلدون ونوبرت إلياس وغيرهم من الفلاسفة حول حقيقة الفرد والمجتمع، والتي تقوم على أن الفرد لا يساوي شيئًا بدون مجتمع وأن ما يربطهما هو علاقة تكامل وتفاعل متبادل، وحسب نوبرت إلياس «لا يمكن لأي ضمير أن يوجد دون حضور الضمائر الأخرى»، هكذا فالقضية لم تعد للفرد الواحد، بل هي مسألة البشرية بأكملها، وها نحن الآن نقاتل بلا شيء، والذي يعتبر كل شيء في هذه اللحظة، بعد أن أصبح الخروج من منازلنا خطوة واضحة قد نخطوها بأرجلنا نحو الموت، والخطير أننا سنكون سببًا في إصابة أهالينا، أصدقائنا، مجتمعنا، ثم العالم… بعد هذا أسنواجه القدير بصفتنا قتلة أم ماذا؟ ويظل احتمالًا مستبعدًا بقدر ما يمكن حدوثه.

إن الكورونا جعلت العالم أشبه بقرية صغيرة ولربما نسيت الدول ما تحتمه سياسة أنظمتها المقررة من قوانين وأصبح هدفها الوحيد والمشترك هو القضاء على الفيروس وما جعل رؤساء الدول بين خيارين إما أن يخضعوا لجانبهم الإنساني ويفكروا لشعوبهم المعرضة للخطر أو لانتعاش اقتصادهم، بالرغم من أن الفيروس قد كشف لنا عن الكثير من الحقائق فدائمًا ما اعتقدنا أن التكنولوجيا وليدة الدول الأوروبية، وأنها تسبقنا بقرون لكن ما نراه يعكس كل معتقداتنا، فهي الآن عاجزة عن إيجاد علاج للوباء وحتى أن بعضها قد رفع الراية معلنا استسلامه للفيروس، غير هذا فالكورونا مست بالاقتصاد العالمي أيضًا، والذي دخل في حالة من الركود الشديد بعد أن توقفت كل القطاعات: السياحة، الصناعة، التجارة، النقل الجوي… عن العمل مع ارتفاع ملحوظ في البطالة، وكذا في حالات العنف الأسري، والانتحار… ونحن الآن في سباق مع الكورونا والزمن في نفس الوقت، فكلما ازداد جهادنا ضد هذا الفيروس، كلما زاد انحطاط الاقتصاد العالمي وارتفاع الخسائر المادية والبشرية… فيا ترى متى تتعب الكورونا وتعلن انسحابها؟

وعلى ذكر هذه الأخيرة الكل يتساءل عما بعد انحسار الفيروس، وسأقول إن ما بعد الخراب أنظمة ستسقط وأنظمة جديدة ستظهر، اقتصاد شركات سينهار واقتصاد أخرى سيزدهر، وأؤمن أيضًا أن البعض منا سينجو لأنه في الأخير لكل داء دواء، ولابد من معجزة ستحدث.. لأننا نقاتل بكل قوانا فحتى الدولة رفعت من جهودها لمحاصرة الفيروس أو الأصح محاصرة ضحاياه، بعد أن لجأت إلى فرض الحجر الصحي حفاظًا على ما تبقى من البشرية، وسنت عقوبات قد تصل إلى السجن، وذلك لإلزام المواطنين بالبقاء بمنازلهم، إضافة إلى الحملات التحسيسية والتوعوية والتحذيرات التي تبث بشكل يومي على نشرات الأخبار والإعلانات وعلى وسائل التواصل، فثم الإجراءات الوقائية التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية، والتي توصي بغسل اليدين وتعقيمها، تجنب الاقتراب من المرضى، والخروج إلا في حالة الضرورة القصوى، وأيضًا احترام مسافة الأمان وغيرها.. وهذا من أجل التحسيس بخطورة الوضع، وأهمية الالتزام بالحجر الصحي لحماية الذات فثم الأخرين، فما تفعله الدولة الآن فهو من أجل شعبها وما على الشعب إلا الالتزام.

لكن الكثيرين لم يؤمنوا بما يعيشه العالم لم تقنعهم الإحصاءات التي تقدمها وزارة الصحة عن آلاف الموتى في اليوم الواحد، لم يحترموا الإرشادات الوقائية التي أوصت بها المنظمة، واعتبروا أن الأمر لا يستحق كل هذه الضجة، هكذا قال أغلب الأميين، فهذه الأخيرة لا تعني أولئك الذين لم يتلقوا تعليمًا، ولا يتقنون من أحرف الهجاء حرفًا، ولا يعرفون حتى زاد بهم الزمن وهم يجهلون القراءة والكتابة بكل فروعها، فصحيح أن الأمية بالوطن العربي أصبحت حالة طبيعية لا تثير الانشغال، بالرغم من أنها قد تخطت 100 مليون أمي، لكن ما أقصده هو أولئك الذين في زمن الكورونا خالفوا التعليمات وكسروا الحجر الصحي، وحتى أنهم أعلنوا أنه لا ضرورة لتضخيم الأمور، وأن الكورونا ما هي إلا نزوة وستنتهي ليس إلا.

وبدوري أقول: إنها الأمية المعاصرة أمية الفكر التي لا ترتبط بالمستوى التعليمي للشخص بقدر ما هي مرتبطة بمدى قدرته على الفهم واستيعاب الأمور والتحكم في ردة الفعل خاصة في مثل هذه الأوضاع، وكذا لا تحدد في فئة عمرية معينة، ولا مشاكل اجتماعية ولا عائلية بقدر ما تحددها المشاكل النفسية للشخص والمرتبطة في أغلب الأحيان بالخوف من تقبل التغييرات التي تحدث حوله، وحتى من تغيير نفسه، مما يجعله منحصرًا في محتوى فارغ لا يزوده سوى بفتات من العصبية والتنمر، هكذا مشكل خرق الحجر الصحي يتكرر دائمًا، خاصة أن هذه الظاهرة انتشرت بشكل كبير بالشوارع والأسواق.. وأيضًا هناك من المشاهير من خرقوه، ومنهم أيضًا من حرض على هذه الفعلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن القانون لا يغض نظره عن مثل هذه التصرفات التي تهدد سلامة المواطنين، ومن ثم استقرار المجتمع.

وأمام هذا الواقع المنحط، تبرز ضرورة الحد من مثل هذه الأفعال، وتحريك الهمم، وحتى المضاعفة من الجهود لمحاصرة الأمية عامة بكل أشكالها، فالجهل يعتبر أخطر من كل أنواع الفيروسات، لأنها تقتل المجتمع قبل الفرد فتسبب في انهيار مستقبلها…والأمية إن حلت بالشعوب كسرت أساسها وأساس الشعب هو الشعب نفسه.

الكورونا أصرت على البقاء ولم تزل تصر كي تغمرنا بالمزيد من الدروس، حيث علمتنا أنه لا مستقبل لدول لم تزل الأمية تتخبط في أزقتها، ولا حياة لشعب لم يبحث بفكره بين رفوف الحرف.. فالقراءة وحدها ما يجعلنا نخرج من العنفوان النفسي الذي نعانيه، ووحدها ما يجعلنا نكتشف ماهية الحياة، لذا اقرأ، تثقف؛ فالتقدم عدو للأمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد