في ضوء المقال البحثي (3) بعنوان الهلاك أم البقاء للأفراد والمجتمع، هذا المقال هو الجزء الرابع.

ملخص

هذه الورقة ستحاول عرض مقدمة للقوانين الإلهية في الوجود، ثم تناول القوانين الإلهية الكونية (القوانين الثابتة والمتغيرة)، ثم القوانين الإلهية في المجتمعات الإنسانية (القوانين الثابتة والمتغيرة) مع ضرب أمثلة لكل منها.

أنواع قوانين الوجود (الكونية- الإنسانية)

خلق الله قوانين الوجود ليستعملها الإنسان ليترقي في مراتب الاستخلاف في الأرض في مجتمعه في الإصلاح والتطوير والتعمير وحماية الحريات والحقوق، يترقي في المقامات والدرجات عند الله. هذه القوانين متجانسة أولًا مع قيم الفطرة الإنسانية، قيم العقل ومع الحقائق العلمية المثبتة تجريبيًا. فالله خلق  القوانين وخلق الفطرة والعقل الإنساني؛ ما يعني أن أصلهم واحد (وهو الله) ومتحدون حول أهداف مشتركة؛ ما ينتج أن طريقة عملهم لا تتعارض مع بعضها البعض. يستحيل وجود قانون إلهي ينص علي الرضاء بالظلم؛ لأن هذا يتعارض أولًا مع قيم الفطرة الإنسانية التي تشع بقيمة (العدل). هناك نوعان من قوانين الوجود التي تهمنا في هذا البحث: القوانين الكونية، وقوانين المجتمعات الإنسانية.

أولا: القوانين الإلهية الكونية

خلق الله قوانين لهذا الكون المادي الموضوعي تسمي بالقوانين الكونية. تهدف لتنظيم حركة وكيفية عمل وتطور وهلاك المخلوقات الكونية الموجودة مثل (النظام الشمسي الذي يغذي الأرض بالحرارة، والقمر الذي يغذي الأرض بالنور في الليل، والليل والنهار الذان يتعاقبان ليعمل الإنسان نهارًا وليسكن ليلًا). هذه المخلوقات لا تتحرك من ذاتها، بل لها قوانين صارمة جدًا تحكمها. هناك نوعان من القوانين الكونية: القوانين الإلهية الكونية الثابتة، القوانين الإلهية الكونية المتغيرة.

النوع الأول (القوانين الإلهية الكونية الثابتة): هذا القوانين لا تتغير بتغير البيئة والزمان، ولا يلغي أو يعطل ويجمد من أجل أي مخلوق أبدا حتي لو كان مقامه (نبيًا، صحابيًا، تابعي، فقيهًا، شيخًا، طفلًا، ملكًا، شيطانًا)، فهي قوانين كونية ثابتة إلى قيام الساعة.

مثال (1): في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، حصل حدث كوني بكسوف الشمس، فتزامن الكسوف مع موت إبراهيم إبن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الصحابة: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم. فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا فيهم فقال: يا أَيّهَا النّاسُ، إِنّ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَان مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ، وَلا لِحياتِهِ. المصدر (محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، كتاب صحيح البخاري، كتاب الكسوف، الجزء الأول، دار ابن كثير، سنة النشر 1939). في هذه الحادثة، يتضح لنا أن الصحابة لم يعلموا بأن الكون تحكمه قوانين إلهية كونية ثابتة لا تتغير ولا تتحرك من أجل موت مخلوق. فكشوف الشمس وخسوف القمر وتعاقب الليل والنهار تسمي أحداث كونية تعمل بقوانين إلهية كونية ولا تخسف أو تكسف لموت أو حياة إنسان قط. ثم جاء التصحيح من النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وهذا يعني أن كل المخلوقات الكونية لا تتغير أو تتحرك من أجل موت أو حياة، أو مرض أو صلاة أو تقوى أحد. وهذا ما تؤكده الآية: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ. سورة القمر (1-2). في هذه الآية نلاحظ واو العطف في أن رؤية المشركين لانشقاق القمر بأنه كان آية لهم. فهنا يرسل الله حقيقة قطعية للبشرية بأن حدوث أي أحداث كونية هو آية من آيات الله للإنسان لكي يعرف أن الكون له سيد وله قوانين تحكمه فترجعه هذه الآيات ليتفكر ليعرف الله حق وكل شي وعد به حق.

مثال (2): الشمس هي أحد مخلوقات الله التي خلقها بقوانين الحق لكي تغذي الأرض بالحرارة التي تجعل ساكنيها يمارسوا حياتهم بصورة طبيعية وتمكنهم من إصدار الأفعال التي يريدونها. فغروب الشمس مساء وقدومها صباحًا لا يحدث بسبب أن هناك إنسان فعل فعلًا محددًا، بل هي آية من آيات الله ومسخرة لجميع من في الأرض وتتحرك بقانون خلقه الله لها. فهنا الشمش تعمل بقانون الغروب والأفول، فإذا حاول مسلم مؤمن أن يدعو الله تعالي ويصلي له الليل والنهار لكي يلغي له حرارة الشمس الحارقة لأنها تحرق جلده، فلن يلغيها الله له حتى لو دعا وصلى وصام الدهر، ولكن لماذا؟ لأن الشمش أحد المخلوقات الكونية الثابتة، خلق الله لها قانونًا ثابتًا لا يتغير ولا يتبدل ولا يلغى لأجل دعاء أو صلاة أحد، أي أنها تأفل وتغرب وتخرج حرارة بقانون كوني ثابت خلقه الله لها لا يتغير أبدًا. لهذا نحن نستغرب من بعض الصوفية الذين يدعون أن الشمس نزلت لهم من السماء؛ لأنهم من أولياء الله الذاكرين ليلًا ونهارًا، وإذا لم يكن ما يقولونه وهمًا خياليًا فما هو بالتحديد؟

النوع الثاني (القوانين الإلهية الكونية المتغيرة): هذه القوانين تتغير بتغير الزمان والمكان، فهي غير ثابتة من حيث تطبيقها في الكون. جعل الله الإنسان مشاركًا في اختيار تطبيق هذه القوانين عليه في حياته اليومية، وهذا يعني أن الإنسان لم يغتصب الله سلطة التحكم في هذه القوانين مثلما يقول الأغبياء من الفقهاء، بل الله هو من أعطاه الحق في المشاركة في اختيار تطبيقها عليه بأفعال محددة يجب أن يفعلها الإنسان في الواقع.

مثال: قانون نزول المطر. ونعني به نزول الماء من السماء إلى الناس كزرق من الله تعالي، وهذا واضح في قوله تعالى مؤكدًا أن نزول المطر هو أحد الأرزاق الإلهية التي تنزل من السماء، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ. سورة الذاريات (22).

هناك شرطان لحدوث قانون نزول المطر في المجتمع: الشرط الأول هو قوانين طبيعية خلقها الله مثل التقاء العامل الأول (تبخر الماء إلى الهواء) مع العامل الثاني (تكوين سحابة موجبة وأخرى سالبة) مع العامل الثالث (تلقيح السحابة الموجبة السالبة بواسطة الرياح التي تحمل اللقاح). الشرط الثاني هو أن يصدر الناس كجماعة دعاء جماعي مخلص متضرعين راجين من الله أن ينزل عليهم نعمة المطر. فبالتقاء هذين الشرطين ينزل المطر فيسمى: قانون نزول المطر للمجتمع الإنساني. جعل الله الإنسان مشاركًا مشاركة جزئية في حصول هذا القانون في الواقع؛ لأن المطر هو مصدر الرزق في الأرض، فإذا توقف المطر ستجف البحار والتربة والأشجار والغابات والمزارع، فتتوقف حياة الإنسان. فهنا قانون نزول المطر في المجتمع يتكون من شقين: دعوة جماعة المجتمع لله بتضرع راجين منه أن ينزل عليهم نعمة المطر، ثم التقاء العوامل الطبيعية الثلاثة المذكورة، وهذا واضح في الآيات: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. سورة الروم (48). أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ. سورة النور (43). وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. الأعراف (57). فنزول المطر على مجتمع معين يعتبر حدثًا كونيًا إنسانيًا؛ لأن قوانين الطبيعة التي خلقها الله التقت بعواملها الثلاثة مضافًا إليها الفعل الإنساني بالدعاء الجماعي بأن ينزل الله عليهم نعمة المطر.

ثانيًا: القوانين الإلهية في المجتمعات الإنسانية

خلق الله قوانين للمجتمعات الإنسانية تسمي بقوانين الله (قوانين إلهية) في المجتمعات الإنسانية التي تشكلت في التاريخ، الحاضر وستتشكل في المستقبل. فالمجتمع الإنساني هو مجموعة من الناس يعيشون في بقعة جغرافية معينة تجمعوا واتفقوا علي قيم ومصالح وأهداف مشتركة (سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة). بهذا التعريف، هذه القوانين تهدف لتنظيم عمل المجتمع، حركة المجتمع، تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض، عيش الأفراد مع بعضهم، بقاء أو هلاك المجتمع. هناك نوعان من القوانين (الإلهية) في المجتمعات الإنسانية: الأول هو قوانين إلهية ثابتة في المجتمعات الإنسانية، الثاني هو قوانين إلهية متغيرة في المجتمعات الإنسانية.

النوع الأول (القوانين الإلهية الثابتة في المجتمعات الإنسانية)

هذه القوانين تعتبر قوانين ثابتة قطعية (سنة ثابتة) لا تغير بتغير الزمان أو المكان، ولا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير ولا تلغى ولا تتأجل من أجل دعاء أو صلاة أو تبتل أحد من البشر أبدًا، ولا يستطيع أحد أن يمنع حصولها. مكان حصول هذه القوانين هو في واقع المجتمع الإنساني.

مثال (1): رأس هرم هذه القوانين هو قانون البقاء والهلاك للمجتمعات الإنسانية. فالهلاك الإلهي للمجتمعات الإنسانية يأتي لأسباب عديدة. السبب الرئيس لإهلاك الله للمجتمعات الإنسانية هو توقف الناس كجماعة يعيشون في المجتمع عن السعي إلى تغيير الواقع، وثباتهم على الفساد بشتى أنواعه (مثل الرشاوى والاحتيالات) والخضوع للظلم ورضاؤهم به والتغافل عنه، فذهب كل أحد منصرفًا لشؤونه الخاصة ليبحث عن الرزق اليومي والأمن لأسرته فقط، وترك الشؤون العامة. فهنا إذا لم يسعي المجتمع كجماعة إلى (التفكير والعمل من أجل المحافظة على التنوعية في المجتمع، المحافظة على حريات بعضهم البعض، المحافظة على حقوق بعضهم البعض، المجاهرة بالحقيقة في وجه الظالمين، نشر المعرفة ورفع الوعي الإدراكي للمواطنين في المجتمع، تعريف الناس بمسؤوليات المواطن)، فهنا سيكون المجتمع كجماعة مشاركين في الظلم والفساد بسلبيتهم، فتسود فئة واحدة من المترفين من أصحاب رجال الأعمال والسياسة والمال لتسيطر على المجتمع فتنشر الفساد وتدعي لنفسها القدرة المطلقة والحصانة عن المساءلة أو المحاسبة أمام القضاء والقانون الجنائي. بهذا يكون هذا المجتمع أصبح أهله ظالمين جميعهم، فيصبحون مستحقين للعقوبة الإلهية الجماعية بواسطة قانون الهلاك لهذا المجتمع. فهناك أربعة أنواع للعقوبة الإلهية (انظر مقال ورقة الفلسفة الإسلامية المعاصرة في علم الوجود: الهلاك أم البقاء للأفراد والمجتمع ج4 – محمد عبد الله بشير خير السيد – نشرت بساسة بوست – 17 سبتمبر (أيلول) 2018).

مثال (2) على تطبيق الله قانون الهلاك في تاريخ الأقوام السابقة: عندما جاء شعيب يدعو قومه إلى الإيمان بالله كوجود ووحدانيته، ثم اتباع الصراط المستقيم بدعوتهم بترك عدم الوفاء بالميزان والمكيال (أي في العمليات التجارية في البيع والشراء والوزن) بدليل قوله تعالى: إِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. الأعراف (85). أي أن شعيب مارس حقه القانوني والإنساني في حرية (الاعتقاد والعبادة والتفكير)، ثم جاهر بها ليكون متسقًا مع قيمه بدعوتهم إلى الوحدانية والقيم الإنسانية مثل الوفاء بالميزان، ولكنها قرية لا تقبل بأي أحد يخالف عقيدتها وديانتها وطريقة تدينها وثقافة آبائها، فردوا عليه بأنهم سوف ينتهكون حريته وحقه عمليًا بعرض خيارين قهريين: الأول سوف يخرجونه من قريتهم، الثاني هو أن يرجع ويتبع الثوابت العقائدية الدينية وثقافتهم الموروثة من الآباء التي تتعارض مع القيم الإنساينة الفطرية، والتي تنتهك قيمة الوفاء في المكيال والميزان في المعاملات التجارية، وهذا بدليل قوله تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ. الأعراف (88).

فرد شعيب (مثلما رد الكثير من المفكرين ودعاة التغيير والإصلاح من المعاصرين والقدماء) بعدم الرجوع للآبائية وعدم اتباع الموروثات الدينية التي ورثتموها بعد أن بينها الله لنا واضحة جلية لأنها تتعارض مع القيم الإنسانية (الوحدانية، التغيير والإصلاح والتطور) بدليل قوله تعالى: قدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. الأعراف (89). فأنزل الله العقاب الجماعي بهذه القرية بإهلاكها كلها بالصيحة عن بكرة أبيها بدليل قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ. الأعراف (91). لهذا القانون الذي يحكم المجتعات الإنسانية عبر التاريخ وحتى قيام الساعة هو قانون الهلاك للذين ينفون (حقوق المواطنة، حريات الآخر في العيش والاختلاف ويمنعون التنوعية في المجتمع، ويمنعون الإصلاح مرة باسم حفظ وحدة الصف، ومرة باسم الحفاظ على وحدة الكلمة وغيرها)، ويكون البقاء لأجل مسمى لأولئك الذين يسعون من أجل حريات الآخرين ويحمون التعددية (الدينية، الملية، الطائفية والمذهبية، والعرقية، وتعددية الآراء والتفكير والسلوك) ويسعون قولًا فعلًا لصياغة طرق ووسائل أخلاقية للتعايش المشترك تحت نظام قانوني ودستوري واحد يتساوون فيه في الحقوق والمسؤوليات, ولا فضل لعربي ولا لعجمي إلا بالتقوى أو المساهمة التي قدمها في إصلاح وتطوير وتعمير مجتمعه والعالم بدليل قوله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ. الرعد (15). ولكن الحكومة تريد استئصال المعارضة، والمعارضة تريد استئصال الحكومة، والحركات الدينية تتحالف مع الظالمين منهم، والعامة يخضعون لهم، فهل نريد الهلاك الجماعي أم نريد البقاء الجماعي؟ هؤلاء يريدون الهلاك.

النوع الثاني (قوانين إلهية متغيرة في المجتمعات الإنسانية)

هذه القوانين تعتبر قوانين متغيرة، أي أنها تتغير بتغير الزمان والمكان والبيئة والثقافة والوعي الإدراكي الجماعي للمجتمعات عبر التاريخ. مكان حدوث هذه القوانين هو في واقع المجتمع الإنساني.

مثال(1): قانون الصحة والمرض للجسد البشري. ذكر الله قوانين الصحة وقوانين المرض نصًا في كتابه في آيات متفرقة في سور متفرقة، ودل عليها موضحًا القوانين العامة للصحة والمرض أي: وضح العوامل/ الشروط التي تؤدي إلى المرض والعوامل التي تؤدي إلى الصحة. يجب على الإنسان أن يجمع الآيات التي تتكلم عن المرض (الضرآء) والصحة من القرآن، ثم دراستها لأجل استنباط قوانين الصحة التي لو طبقها الإنسان في واقعه اليومي لأصبح جسده صحيًا، أيضًا يستنبط قوانين المرض التي لو تجنبها الإنسان في واقعه اليومي لما أصابه مرض. فأدوات ومعدات الصحة والمرض تختلف من عصر لآخر حسب (معدل ثقافة الفرد والمعرفة الجماعية بالقوانين، الوعي الإدراكي بالقوانين، أدوات المعرفة والبحث العلمي المتوفرة في دراسته للنص القرآني، معدل الحرية الفكرية المتوفر للأفراد لكي يدرسوها باستقلالية فكرية عن تفسيرات التراث الإسلامي وضغوط السياسيين وغيرها). فطرق الصحة والعلاج في القرون السابقة التاريخية اختلفت وتطورت عما هو الآن. ففي العصور السابقة، كانت المجتمعات تستعمل وصفات علاجية تقليدية مثل شرب بول الإبل لعلاج أمراض خبيثة؛ ما جعل هذه الوصفات غير ذات قيمة لعلاج جذور الأمراض، ولكن مع تطور أدوات البحث العلمي والوعي الإدراكي، وحصول الباحثين على حرية فكرية، أصبحنا قادرين على اكتشاف قوانين العلاج لمعظم جذور الأمراض الخطيرة مثل التهابات المخ المناعية التي تصيب الدماغ بالتهاب قاتل، فيموت الإنسان ببطء عبر سنوات من تجرع الألم. فقوانين الصحة العامة مذكورة في القرآن نصًا كقيم عليا، أما طرق علاج الأمراض فتتطور باختلاف بيئة كل عصر عن الأخرى.

مثال (2): قانون الجزاء بالثواب أو بالعقاب. الفرد الذي يقتل إنسانًا بريئًا دون وجه حق ودون الرجوع للقوانين الجنائية في المجتمع، فهنا ينص قانون الجزاء الإلهي الثابت في المجتمعات الإنسانية أن من يفعل فعل السيئات سيجازى بها، ومن يفعل أفعال الحسنات سيجازي بها مباشرة وهذا واضح في قوله: ليْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا. سورة النساء (123). فقتل الأبرياء هو من السيئات، فالنتيجة أنه سيجازى بها في الدنيا بواسطة سلطة القضاء في المجتمع بقتل القاتل أو نفيه من المجتمع، فإذا استعملوا نفوذهم وفروا من القضاء، فهنا الله يملك جنود السماوات والأرض يرسلها لهم وما هي من الظالمين ببعيد (مثل أن يقصر الله عمره كما قصر عمر البريء الذي قتلته، يرسل له الأمراض الخبيثة التي تقطع الأمعاء والكلى، والأحزان التي تقطع خلايا الدماغ والخوف الدائم). فهذا الجزاء الإلهي بالحق علي أعمالهم بالعقاب الذي يعتبر العذاب الخفي، سواء رأيتم عذابهم أم لم تروه. وهناك استثناء واحد لقاتل الأبرياء، وهو أن يتوب ويصلح ويعلن عن التوبة علنًا. ومن يعتقد أن مجرمي التاريخ والحاضر الذين قتلوا آلاف الأبرياء فروا من العدالة والمحاسبة والجزاء في الأرض، لم يفهم قانون الجزاء الإلهي الصارم جدًا (بالعقاب على المجرمين) و(بالثواب للمتقين). ومن أمثلة المجرمين (معاوية بن أبي سفيان، والإسكندر الأكبر، وستالين). وإن ربك لبالمرصاد وجزاء سيئة سيئة مثلها.

والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم وأحكم.

يتبع الجزء الخامس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

سهم الزمن
شارك 30
علوم
منذ شهر
عن هانا آرنت
شارك 2
ثقافة
منذ 4 شهور