الشرق والغرب لا ولن يلتقيا أبدًا، عبارة سمعتها قديمًا جدًا، كان يرددها على مسامعنا أحد المدرسين، لا أتذكر اسمه، وبسذاجة مبكرة لدينا، اعتقدنا أنه يتحدث عن العلاقة الجغرافية أو المكانية بين الاتجاهين: الشرق والغرب، وأيقنا أنه لم يأت بجديد، فالحق والحقيقة أن كليهما لم ولن يلتقيا.

وبنهاية الفصل الدراسي، أوضح الأستاذ لنا في عجالة قصده من العبارة، وما حوته من غموض، فالعلاقة بين الطرفين لا تمت بصلة للجغرافيا، بقدر ما ترتبط بطريقة التفكير وبالثوابت والرموز والتعلّق والتأثر بهم لدرجة القداسة والتقديس والتي تقترب من العبادة في أحايين كثيرة.

فالعقل الشرقي يميل كثيرًا للإيمان بالرموز والأسماء الكبيرة، يتهيّب مكانها ومكانتها ويُنزلها منزلة مقدّسة في نفسه، ثم يفرض رؤاه هذه على من حوله؛ فيتشكلّ بالمجتمع عقل جمعي يقوم على ثوابت لا يمكن الحيدة عنها أبدًا.

واحدة من مشكلاتي المتعددة التي واجهتها في مقتبل حياتي، والتي استمرت معي حتى فترة ليست ببعيدة، أنيّ كنت أثق في الرموز، وأرى فيهم قممًا وهامات قادرة على إحداث الاضطراب في نهر الحياة الراكد، وكنت مقتنعًا بقدرتهم على إحداث التغيير بشتى صوره. بالتأثير والتأثّر بالموروث السائد في المجتمع.

لقد توهّمت أن تلك الرموز قادرة فعلًا على تغيير الأوضاع القائمة، أو على الأقل تعديلها للأفضل، لكن بمرور الوقت وبالتفاعل مع غالبيتهم وجدتهم مجرد ملابس غالية الثمن، تضم داخلها خواء كبيرًا تعوي فيه الريح من مختلف الجوانب، وجدت هامات، وما وجدت عقولًا قادرة على العمل أو التفاعل.

كثيرًا ما تذكرت مقولة أن الإنسان يُعرف حقًا إذا تكلم، فإن ظل صامتًا كان كصندوق مغلق، وبحديثه نعرف إن كان الصندوق فارغًا أجوفًا من الداخل أم يضم بين جنباته عقلًا راجحًا.

أحدهم عرفته، منذ فترة كبيرة، من حمله الشهادات الأكاديمية، ويسبق اسمه الحرفين الشهيرين دلالة رمزية على علم غزير وموقع أكاديمي ومكانة اجتماعية لا تخطئها العين، رمزية توحي للقارئ بقوة وضعه الأكاديمي، والتي دائمًا ما تفتح الأبواب المغلقة، وتيسّر كل عسير من الفرص والامتيازات لصاحبها.

الحق أنه كان عنوانًا صادقًا للصفة واللقب الرنان والمنصب الرفيع؛ إذ كان أحد الرجال القلائل في الترتيب والأهمية على مستوى الدولة من حيث التأثير والنفوذ، وإن كان نفوذه في الخفاء ومن وراء الستار.

قادني حظي للتعامل معه عن قُرب، ويسّر لي دخول أماكن سيادية في العاصمة، حيث تُدار عملية صناعة القرارات السياسية الهامة، وحيث يجرى إعداد الدراسات عن الاتفاقات الدولية والمعاهدات وغيرها مما يمس صميم وجود الدولة واستمرارها.

المنظر من الخارج سواء للمباني أو للأشخاص، ألقى في روعي كمًا لا بأس به من التوتر والقلق، لكن بمرور الوقت اتضح لي عالم آخر، حيث كم غزير من السطحية والتفاهة، تبينّ لي في النهاية حجم الخواء الفكري والسياسي التي كانت تعيشه البلد (أحداث تعود لمنتصف تسعينات القرن العشرين، ولا أعلم إن كانت لا تزال السطحية هي العملة السائدة الآن أم لا).

لذا لا غرابة أن ينهار نظام مبارك في أيام معدودات؛ فهشاشة النظام وتسوسه من الداخل وشيخوخته التي كانت بادية عليه؛ عجّلت من انهياره، وأتت على بنيانه من القواعد، ووهو في كل الأحوال كان على وشك التداعي بمرور الوقت، ولو لم تقم ثورة أو غيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد