ازدراء الأديان ورموزها.. مخالفة فاضحة للقوانين الدولية:

موجات متلاحقة وحملات متكررة تستهدف دين الإسلام ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، شتمًا، وإساءةً، وازدراءً، وحضًّا على الكراهية، لا تكلّ ولا تملّ.

إلاّ أنّ ثمة حملات جديدة تشهدها الساحة الإعلامية والثقافية العربية وتتميز بعدة أمور:

1 – يقود الحملات الجديدة مفكرون ومثقفون وصحافيون ونخب اجتماعية من المسلمين أنفسهم ممن يدّعون (الحداثة) زورًا، والحداثة منهم براء.

2 – كانت الحملات السابقة تستهدف الإسلام ككل، بينما الموجة الجديدة تستهدف النيل من مصادر التشريع وأصول الفقه الإسلامي، السنّة الشريفة أولًا، ثم القرآن الكريم ثانيًا.

3 – النيل من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتمه.

بعد فشل الحملات السابقة في النيل من الاسلام كدين، تغيرت الإستراتيجية الهجومية بحيث يتم ذلك بالتدرج:

بدأت بالطعن بصحيح البخاري ومحاولات تكذيبه والتشكيك بصحته، وأن على المسلمين الالتزام بالقرآن وحده لأنه كتاب الله القطعي الثبوت والدلالة وترك السنّة الظنية الثبوت، وتم اختيار عدد كبير من المسلمين (المتثقفين) لضرب الإسلام من داخله، وفتحت لهم القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية لطرح سمومهم.

كما أيدتهم بعض وسائل الإعلام واتهمت منتقديهم بالتطرف والتخلف والطائفية، حقيقةً لا نعرف كيف سمحت وسائل الإعلام تلك لنفسها باتهام من يدافع عن معتقده بالطائفية، وهي التي تدعم وتؤيد ممارسات طائفية مقيتة، أق وصف لها أنها تحض على الكراهية، إضافةً لازدراء الأديان.

ولكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا، بالنظر لمواجهة علماء الأمة لهذه الحملات المشبوهة.

ولأنهم فشلوا في الطعن بصحيح البخاري وأئمة الحديث، ولا يستطيعون الطعن بصحة القرآن الكريم (ككتاب سماوي أجمعت الأمة على صحته)، فقد انتقلوا لمرحلة جديدة تستهدف شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فصدرت العديد من التصريحات والمنشورات والمقالات التي تطعن بأعلى رمز إسلامي، ووصل الازدراء لحدّ جعل بعض الصحافيين يشبهونه ببعض الحكام الديكتاتوريين والمجرمين المطلوبين للعدالة الدولية، مخالفين بذلك بشكل فاضح أخلاقيات الصحافة ومدونات السلوك الصحافي التي توجب على الصحافي الحياد والنزاهة واحترام الجمهور بغض النظر عن الانتماء الديني أو الثقافي أو القومي.

حيث ورد في الميثاق الأخلاقي لجمعية الصحفيين المحترفين بأمريكا:

-تعامل الصحافة الأخلاقية المصادر والمواضيع والزملاء وأفراد الجمهور بوصفهم أناسًا يستحقون الاحترام.

-الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الثقافية في التغطية والمعالجة الإعلامية.

-تعني الصحافة الأخلاقية تحمل مسؤولية العمل الشخصي وشرح القرارات الذاتية للجمهور.

كما ورد في المواثيق العالمية للشرف الإعلامي:

-على الإعلاميين ومؤسسات الإعلام عدم الخضوع للسلطة والتنظيمات السياسية ومراعاة خصوصيات الجمهور، أفرادًا وجماعات، وعدم التمييز بين فئات الجمهور، بسبب الدين أو الطائفة أو المذهب، أو العرق أو اللغة أو الجنس، أو الثقافة أو اللون، واحترام حرية الفكر والمعتقد والتعبير، وتعزيز المشاركة والتواصل، بين المؤسسة الإعلامية والجمهور.

-على الإعلامي الامتناع عن نشر أية مادة إعلامية، من شأنها أن تشجع على الجريمة أو العنف، أو خطاب الكراهية، أو التحريض الطائفي أو الإثني أو المناطقي أو تفكك الأسرة، أو العنف ضد المرأة، أو الإتجار بالبشر، وأن يسعى إلى إحقاق العدالة والسلم الأهلي والعالمي.

فما نلاحظه على أدعياء الحداثة من شتم واستهزاء بالإسلام والمسلمين ورموزهم العليا بأن ذلك يُعدّ انتهاكًا فاضحًا لمواثيق الإعلام ومدونات السلوك المهني والأخلاقي. وحضًّا على الكراهية وتحريضًا على العنف ضد فئة تنتمي لدين يشكّل معتنقوه ثلث سكان العالم، بحجة حرية الفكر.

كما يعدّ انتهاكًا للحريات والقواعد القانونية في الدول الديمقراطية المتقدمة التي تحفظ حرية الفرد والجماعة بالانتماء وممارسة الشعائر الدينية دون انتهاك تحت طائلة الملاحقة القضائية.

فقد أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارًا صدر بتاريخ 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 بموافقة جميع أعضاء المحكة يقضي باعتبار الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فعلًا مجرّمًا يتعدى حرية التعبير، حيث أدانت المحكمة امرأة نمساوية يمينية متطرفة أساءت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في حيثيات القرار:

(إن تصريحات المرأة النمساوية تُعرّض السلام الديني للخطر، وهي لا تندرج ضمن حرية التعبير، لأنه لا يُسمح لحرية التعبير أن تؤدي إلى المساس بالمشاعر الدينية للآخرين).

كما أن القانون الدولي فرض حمايته على حرية العبادة والرموز الدينية، وأقرّ حرمة الأديان والرموز الدينية في إعلانات ومواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان، ومنها اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977، كما عدّها جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية طبقًا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وكذلك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1950 في المادة التاسعة، وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوربي لعام 2000 في المادة العاشرة، والمادة (22) التي فرضت احترام الاختلاف الثقافي والديني واللغوي.

والبروتوكول الإضافي للاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في مجال الحقوق الاجتماعية والثقافية لعام 1999 التي منعت التمييز بسبب الدين.

وهذا ما نصت عليه المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كما اعتبرتها المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة جريمة ضد الإنسانية، لأنها تعبّر عن اضطهاد وتمييز بسبب الدين. والمادة (112/ز) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، اعتبرت ازدراء الأديان جريمة ضد الإنسانية لأنها تمثل اعتداء على البشرية، كما يمكن إدخالها ضمن الركن المادي من جريمة الاضطهاد الديني والتمييز بسبب الدين.

إن الحداثة في الدول الديمقراطية المتقدمة كمفهوم لها خصائص عديدة، منها:

– حماية كل من المتدينين وغير المتدينين والمساواة بينهم.

-الحرية الدينية للأشخاص سواء في اختيار الالتزام بالدين أو التحرر منه.

-الاعتماد على الديمقراطية والإنصاف بين المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الديني.

من حق القارئ أن يتساءل:

أليس من أهم شروط حرية الفكر إنتاج قيمة مضافة علمية وثقافية للمجتمع؟

ما هي القيمة المضافة لشتم الإسلام وشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ما الهدف من تلك الحملات الشعواء التي يقودها أولئك المدّعون.

وأين حرية الفكر في تشبيه أعلى رمز للمسلمين بديكتاتور مجرم مطلوب للعدالة الدولية؟

ربما لدينا عدة احتمالات:

1- حبّ الظهور والشهرة، بطريقة الصدمة، بحيث يفتعل (الحداثي) صدمة فكرية كبيرة من خلال شتم رمز ديني كبير كرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومؤخرًا تم تشبيه رسول الله بديكتاتور مجرم ظالم (من قِبَل بعض الصحافيين المغمورين المنتسبين للإسلام اسميًا وهاجروا للغرب).

2 – أن يسعى للحصول على حماية أمنية بحجة ادّعائه بأنه مهدد بالقتل من قبل المتطرفين بعد اعتدائه على الرموز الدينية، فينال مكاسب إضافية (مادية ومعنوية).

3 – قد يكون الهدف أكبر من كل تصور، بحيث تعمل جهات دولية مجهولة على تأجيج الصراعات الدينية في العالم من خلال تأطير أطراف معينة، وأطراف مضادة، فيستفزّ كل طرف الطرف الآخر، ويستعديه.

والتأطير هنا هو:

خلق شخصيات فكرية تدّعي الحداثة، تقوم باستفزاز المسلمين من خلال شتم أعلى رمز لهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إضافةً للخبز اليومي لهم من ازدراء الدين الإسلامي والحضّ على كراهية معتنقيه، مما سيدفع بعوامّ المسلمين لاتخاذ مواقف معادية (للحداثة)، ولسان حالهم يقول: هذه هي الحداثة التي يريدونها لتحكمنا؟

والمثال الحي هو «داعش» وأخواتها: التي فعلت الأفاعيل الإجرامية باسم الإسلام (زورًا وبهتانًا) واستفزّت العالم أجمع، مما حدى بكثير من الشعوب والأفراد لاستعداء الإسلام، واتخاذ وجهة نظر وحيدة بأن «داعش» هي التمثيل الحقيقي للإسلام، ولسان حالهم يقول: هذا هو الإسلام الذي يريد المسلمون تبشيرنا به كدين للسلام والرحمة؟

فيتصارع الطرفان إلى ما لا نهاية وقد يودي هذا الصراع إلى اشتعال الحروب على مستوى الدول وداخل الدولة الواحدة.

أين هي اليد الخفية التي تعبث بالعالم وأمنه وشعوبه؟

ألا تجب مقاضاة أولئك الحداثيين ومحاسبتهم أمام المحاكم الدولية.

سؤال برسم المنابر الإعلامية التي تسمح لهم بنشر أفكار تحض على الكراهية والعنف وازدراء الأديان.

وكذلك برسم الحكومات الديمقراطية التي تسمح بحصول تلك الانتهاكات على أراضيها، رغم مخالفتها للقانون الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد