منذ بزوغ فجر اليسار إبان الثورة البلشفية في روسيا القيصرية عام 1917، وتطوير الفكر وبلورته لتحويله من مجرد أفكارٍ جامدة إلى محركِ ثوريِ وعقيدة راسخة في نفوس الثوار في وجه الإمبريالية والرأسمالية المضطهدة لشعوب العالم أجمع، انتشر الفكر اليساري ليعم العالم أجمع، بما فيه شعوب الوطن العربي الشرق العربي، على الرغم من التناقد الشديد بين أساسيات ومبادئ الشيوعية الحرة والتحررية التقدمية الساعية لتحرير العقل والأرض والإنسان من جهة، والعادات والتقاليد الراسخة في عقول الشعوب العربية والإنسان الشرقي من جهة أخرى، حيث لعبت دورًا جوهريًا في العديد من الحركات الثورية والتحررية التي تبنت أو استرشدت بجوهر الفكر اليساري الماركسي في العديد من بلدان المشرق.

ولكن الأزمة الحقيقية التي عصفت بالأحزاب اليسارية العربية عامة، والأحزاب اليسارية الفلسطينية خاصة، هو كمية التحالفات والتناقضات التي فرضتها المراحل المتتابعة على مسؤولي تلك الأحزاب، وتشكيل تحالفات مع أحزاب وتيارات رجعية استغلالية ملتحفة بستار التدين، والتي هي نفسها منذ باكورة انطلاقاتها كانت قد كفرت الأحزاب اليسارية ودعت لمحاربتها على أن خطرها أشد فتكًا من خطر الإمبريالية الصهيونية على القضية الفلسطينية وعلى المجتمع الإسلامي الشرقي، كما يقولون. ولم تكمن التحالفات في غالب الأحيان في صيغة الاضطرار أو بلون الوجوب الذي يصب في مصلحة الوطن أو القضية بأي شكل كان، بقدر ما كان يصب في مصلحة الخصوم اليمينيين، ومصلحة أصحاب المصالح من المتسلقين الذين ما لبثوا ولم يتركوا فرصةً إلا واستغلوها خلال ترؤسهم لبعض المناصب القيادية في تلك الأحزاب اليسارية، والتي الآن بالكاد يمكننا أن نطلق عليها صفة اليسارية لما نراه من انسلاخٍ مقيتٍ ومسخ، في التصرفات والمواقف التي أصبحت محط سخريةٍ وسخط من أبناء الطبقة والكادحين من الجماهير المسحوقة التي رأت في اليسار مخلصًا لها من همومها وآلامها التي أثخنتها بها يد اليمين القاهرة دون رحمةِ أو شفقة!

ففي هذه الأيام مرت علينا ذكرى رحيل مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حكيم الثورة الفلسطينية الرفيق الدكتور جورج حبش، والذي عنى بالنظرية الثورية، والاسترشاد بالنظرية الماركسية والاعتماد على النظرية المادية الجدلية في تفسير الوقائع وتحليل الظروف والمناخ السياسي الذي ولدت فيه الثورة الفلسطينية في حينها خلال سبعينات القرن الماضي، وإن نظرنا إلى تاريخ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بصفتها الحزب اليساري الأكبر، وثاني تنظيم سياسي في منظمة التحرير الفلسطيني بعد التنظيم اليميني حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، نجد أن الجبهة الشعبية قد مرت بالعديد من العوامل والظروف التي كانت تشكل تحديًا صارخًا في وجه الثوريين الحقيقيين من أمثال جورج حبش ووديع حداد ورفاقهم في ذاك الوقت، ولكن رغم كل تلك المنغصات والرياح التي عصفت بهم لم يفكروا أبدًا بالتوجه لقوى اليمين والإمبريالية،  أو التماهي مع قوى اليمين العربي والرجعيين العرب، وإن كان ذلك في سبيل القضية الفلسطينية، بل كانت جميع تحالفاتهم مع القوى القومية والتقدمية والطليعية في مختلف أنحاء العالم، حالهم كحال باقي الأحزاب اليسارية الفلسطينية الأخرى، مثبتين أن تنظيمًا عملاقًا طليعيًا وثوريًا كالجبهة الشعبية صامد ومستمر في ثورته دون أدنى انحراف للبوصلة؛ مما حولها لمحط اهتمامٍ عالمي ورعبٍ هادر في وجه المصالح الأمريكية والصهيونية في كل أرجاء العالم دون استثناء.

ولكن إن ألقينا نظرة اليوم وقارنا حال اليسار الفلسطيني المترهل والمريض، بحاله في كتب التاريخ وصفحات القضية الفلسطينية المعبدة والمكتوبة بدماء ووصايا الشهداء، من مؤسسين وثوار، سنجد أن الفجوة تتسع باستمرار، تتسع مع زيادة حجم التحالفات والتجاذب الفكري مع قوى اليمين الإسلامية والليبرالية، حيث أصبحت المصالح الشخصية والمنفعة المالية والخدماتية، شعارًا لبعض المرتزقة مدعي التقدمية واليسارية، حيث يكون الرفض والاستنكار من خلال التصريحات النارية والخفاقة عبر وسائل الإعلام وفوق منابر الخطابات الرنانة، في حين يكون الخضوع والاتفاق ضمن الأروقة ومكاتب الاجتماعات والمطابخ السياسية المغلقة، والتي أصبحت مكشوفةً أمام الجماهير، تلك الجماهير التي فقدت الثقة وفقدت الأمل الكامن في إلتزام بعض الأحزاب بمبادئها ومعتقداتها الفكرية التي أنشئت عليها وارتكز عليها مؤسسيها منذ البداية، حيث أننا اليوم في عام 2019، نتسم بالانفتاح التكنولوجي وعصر التقنيات والعولمة الاعلامية، حيث أصبحت فئة الشباب، وهي الفئة الغالبة ضمن شرائح المجتمع الفلسطيني، المراقب الأول والمترصد لأفعال الانتهازيين وأصحاب الشعارات الكاذبة، أصحاب الديباجات المبتذلة المهترئة، حيث أصبح واضحًا للجميع حجم الفجوة التي قد يستحيل طمرها، ما بين قيادة وأصحاب القرار في تلك الأحزاب اليسارية والجماهير المسحوقة، وأصبح الغضب والاشمئزاز سيد الموقف من أفعالهم المتناقضة مع أقوالهم، من مؤتمراتهم الفارهة التي تركت الأرض الثورية الخصبة المتمثلة بالجماهير الكادحة والساحات الشعبية، وذهبت نحو الفنادق والمطاعم والقاعات الضيقة التي بالكاد تتسع لأنصار تلك الأحزاب.

فإن نظرنا نظرة نقدية بحتة لتلك الفجوة فبالإمكان تقليصها من خلال العودة للشعب والجماهير، وإن كان على حساب المصالح المقيتة والتخلص من انتهازيين، فلا يجتمع الفكر الثوري اليساري والمصالح الانتهازية والعقلية التسلقية والمنتفعة، ويكون ذلك عبر مسارات التغيير الفكري المعمق والعودة إلى التثقيف الحقيقي، والتمسك والتعلم من أخطاء الثورات السابقة وحركات التحرر العالمية التي نجحت أو أخفقت في الوصول لأهدافها على مر التاريخ، فالماضي هو مرتكز الحاضر وأداة التغيير الممكنة للتأثير على مسار المستقبل لأي حزب يساري يريد التغيير والإرتقاء، والتحرر من الرجعية العربية والاستعمار الصهيوني والإمبريالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد