في الخامس من يونيو عام 1975؛ وخلال حفل افتتاحه لقناة السويس أعلن السادات قراره بتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي، في مخالفةٍ صريحةٍ للدستور، حيث تنص المادة الرابعة من دستور 71 أن (الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكي الديمقراطي القائم على الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال ويؤدي إلى تقريب الفوارق بين الدخول، ويحمي الكسب المشروع، ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة).

كانت النتيجة المباشرة للانفتاح، أن عادت الطبقية المجتمعية بصورة أشد, وتكونت طبقة من رجال الأعمال ترى مصالحها مع إسرائيل وأمريكا، وليس مع محيطها العربي والإسلامي، وأصبحت هذه الطبقة تمثل زواج السلطة بالثروة، ومهمتها حماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية داخل مصر، وبالتالي بدأ يتحلل النظام الاجتماعي المصري وظهرت الاختلالات الأخلاقية والانهيارات القيمية، التي نخرت في المجتمع, وكان هذا تمهيدًا للمجتمع للقبول بالرضوخ والاستسلام في صورة معاهدة سلامٍ.

في السابع عشر من سبتمبر 1978 م، وقّع السادات مع مناحيم بيجن اتفاقية للسلام، في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد بولاية ميريلاند الأمريكية، نتج عنها قطع للعلاقات مع معظم الدول العربية، وتعليق لعضوية مصر بجامعة الدول العربية.

يرى كثير من الباحثين أن هناك مخالفتين للدستور وقع فيهما السادات بتوقيعه للاتفاقية دون العودة لمجلس الشعب, وإخراجه لمصر من محيطها العربي والدستور ينص على أن: (مصر جزء من الأمة العربية).

أدخلت كامب ديفيد المنطقة العربية بأسرها في طورٍ جديدٍ, تبدل فيه الدور المصري المحوري، ومُهد له بمفردات عمل الإعلام على ترسيخهما في الذهن الجمعي ككون حرب أكتوبر73 هي آخر الحروب، وهكذا فإن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا.

كان اليسار المصري من أشد المنددين بكامب ديفيد, وسارع باستغلالها لإيجاد أقدام له في الشارع السياسي الذي خسره في عهد السادات, فاتهم السادات بالعمالة، ونظم الفعاليات الرافضة للرضوخ المصري، ونُظرت الأبحاث والكتب والدراسات التي صورتها كمعول لهدم الأمة بأسرها.

كان من النتائج الجيوسياسية المباشرة لها ضياع السيادة المصرية على سيناء، فكما يذكر (عصمت سيف الدولة) – الباحث المتخصص في الشأن القومي العربي – أنه لم يعد مصدر السيادة المصرية على سيناء بصفتها جزءًا من أرض الوطن، إنما مصدر السيادة الحالية وسندها هو اتفاقية السلام، فأصبحت هذه السيادة مشروطة بالتزامنا بأحكام الاتفاقية فإن رغبنا في إنهاء الاتفاقية أو الخروج منها، يصبح من حق إسرائيل إعادة احتلالها بحجة أن انسحابها كان مشروطًا بالاعتراف بها والسلام والتطبيع معها.

أما على الجانب الاقتصادي – وإن جاء متأخرًا بسنين إلا أنه أحد نتائج هذه الاتفاقية – تصدير الغاز لإسرائيل بسعر يقل عشرة دولارات في الوحدة الواحدة عن سعره العالمي، ولا يغطي تكلفة الاستخراج الفعلية والتي تقدر بدولارٍ ونصف للوحدة، وفي الإجمال كان هذا يعني حرمان مصر من مبلغ اثني عشر مليون دولار صباح كل يوم – على الرغم من أن هذا الغاز سيستخدم في تشغيل الآلة العسكرية الصهيونية لتحتل المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتقتل المزيد من العرب وجنودنا على الحدود – فيما نقوم باستيراده من الجزائر والسعودية بالأسعار العالمية، للوفاء باحتياجات السوق المحلي المتزايدة.

وعلى الجانب الأدائي كانت الرؤية الانعزالية، التي تعتبر السلامة في الانكفاء والتقوقع، في عالم منفتح ومتعدد المصالح، وأن وقوف مصر منفردة لا شأن لها بأشقائها؛ يجنبها الخطر. فوَقَفْنَا موقف المتفرج من مذابحٍ نصبت لأشقائنا الفلسطينيينن ورضينا بالصمت وراح الصهاينة يعربدون، فغزوا لبنان، ودمروا المفاعل النووي العراقي، وأغاروا على تونس، ودمروا مصنعًا ومواقعَ بالسودان، ووصلت طائرات أمريكا لتشن غاراتها على ليبيا، بينما تقف مصر الرسمية متفرجة، ووقف اللبنانيون والفلسطينيون والسوريون والسودانيون وحدهم، يواجهون مصيرهم، والأبعد حط رؤوسنا في الرمال، ونحن رضينا بقتل جنودنا المتكرر على يد الصهاينة على حدود سيناء.

ظلت السياسة الرسمية المصرية تفضل الانكفاء والعزلة التزامًا بمعاهدة كامب ديفيد، في حين تمارس السياسة الصهيونية العكس، وتوظف نفس المعاهدة فتطلق يدها تدميرًا وتقتيلاً في العرب – كلٌ في وقته المناسب – وترى أن أمنها يمتد من باكستان شرقا، حتى المغرب العربي غربا, وما واقعة قتل سليمان خاطر داخل السجون المصرية ببعيدة عن أذهان من عايش تلك الفترة.

كانت هذه صورًا من الانبطاح الذي مارسته السياسة المصرية نتيجة لكامب ديفيد, غير أنها مارست العكس فكانت سياسة الاستعلاء هي الحاكمة لتصرفاتها مع الأشقاء فيما بعد كامب ديفيد.

ففي الحادي والعشرين من يوليو1977 م، هاجم السادات ليبيا واحتلت القوات المصرية مدنًا ليبية، وشنت غارات مكثفة بدعوى منع تدخل القذافي في الشأن المصري والذي لم يتعدَ سماحه باستضافة بعضٍ من يساريي مصر- معارضي السادات – وتخصيص ساعات محددة من الإذاعة الليبية لهم, على الرغم من أن مصر احتضنت الكثير من معارضي القذافي وأبرزهم (عمر المحيشي) الذي خُصص له برنامجٌ على إذاعة الشرق الأوسط ليبث من خلاله هجومًا لاذعًا على القذافي ونظامه.

لم تتوقف متناقضة الانبطاح والاستعلاء أن تكون سمة لأداء النظام المصري فيما بعد السادات – طوال ثلاثينية مبارك -؛ بل وتمادى إذ بدأ الترويج لكون مقاومة المحتل إرهابًا, في حين ساعد في نقل يهود الفلاشا إلى الداخل الفلسطيني, في حين لم يُسمعنا غير أنات تمثيلية لضربات الصهاينة في صبرا وشاتيلا مثلا، ولم نجد دعمًا لانتفاضة الأشقاء ضد المحتل بفلسطين, بل وأغلق المعابر في حرب غزة 2008 م, والأمثلة أكثر من أن تحصى.

سارع مبارك في منتصف التسعينات لحشد قوات الجيش المصري على الحدود الجنوبية مهددًا بإعلان الحرب على السودان؛ للرد على محاولة اغتياله على يد مصريين تواجدوا مرات على أرض السودان بصورة غير نظامية، بينما جنودنا يقتلون دوما على الحدود الشرقية, ولا غير الشجب رد للفعل.
توارث النظام الحالي نفس المتناقضة، فأطلق يده للمساندة واللعب على مساحة خريطة الوطن العربي؛ ليكون عونًا للثورة المضادة وارتضى أن يكون المحارب بالوكالة لوأد أي خيار شعبي – حتى وإن كان على البعد – فراح يساند بشار ويؤيده معلنًا أن لا حل للصراع السوري يخلو من وجود بشار.

وعمل على مساندة الثورة المضادة بليبيا في صورة قوات (حفتر), ولعب لمحاولة تغير المعادلة السياسية على الأرض،حتى وإن كان بتجاهل حكم للمحكمة الدستورية الليبية، على غير الحال من تقديسه لهرطقات مثيلاتها في أماكن أخرى.

 

تناقلت تقارير إخبارية أنباء عن تنسيق مصري جزائري لدعم (جبهة البوليساريو) اليسارية الانفصالية بالمملكة المغاربية، بلا أي داعٍ أو مصلحة متحققة تجنيها الدولة، اللهم إلا المكايدة لخيار شعبي, مما عكر العلاقات المصرية المغاربية.

ولم يخف سعادته ورضاه بما آلت إليه الأوضاع فيما بدا وكأنه شبه انقلاب ناعم تم في أرض الزيتون وعودة رجال النظام الغابر.

وبدت الأصابع واضحة في اليمن الذي كاد يضيع للحوثيين مع ما في ذلك من ضياع للمصالح المصرية, ولكن الإطاحة بالغرماء السياسيين مصلحة أكبر.

كانت الغارات على ليبيا هي الأوضح في محاولات فرض نفسه كفارس يقاتل بالوكالة ليحقق مصالح الآخرين, على الرغم من أن غاراته على ليبيا خالفت صريح دستور لجنة الخمسين الذي تنص المادة 146 منه على أن: (رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة إلى خارج الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية عدد الأعضاء)، وكذلك المادة الأولى:
(الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها)؛ فأرسل قواته لتحارب خارج القطر دون الرجوع لشعبه كون عدم وجود برلمان يمثلهم يفرض عليه استفتاء الشعب، وكذا لم يكن الحفاظ على وحدة الأمة العربية ووحدتها في تلاعبه في الأزمات وتأييده للثورات المضادة, في حين ترك الأشقاء في غزة يقتلون – إن لم يكن ساهم في ذلك – إبان حرب العصف المأكول، والأبعد أنه لم يتوارَ إذ يعلن صراحة أنه معنيٌ بحماية أمن إسرائيل دولة الجوار.

 

إن كان هذا حال السياسة المصرية الرسمية المحمولة على اليمين فلا يستطيع واحد أن يبرئ أياديَ اليسار المصري، الذي لم يكن متسقًا مع مبادئه ولا أفكاره ورؤاه وشعاراته، فقد ظهر مساندًا في كل هذه النكبات وراح ينظر لها، ومارس الردة الثورية بكل ما تعنيه الكلمة، وارتمى مختارًا في أحضان الثورات المضادة, ومارس المكايدة السياسية على حساب مصلحة الثورة ووحدة الأوطان, متناسيًا القومية العربية، ومتغافلاً أدبياته التي هاجم فيها كامب ديفيد.

لقد ورث اليسار متناقضة الانبطاح والاستعلاء التي أورثتنا إياها كامب ديفيد – وكم عارضها دهرًا – وهو الآن يبشر بها ويصبح أحد معاولها لهدم الأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد