لم يُسمِ نجيب محفوظ نفسه، ولم يبحث إمبرتو إيكو عن لقب ليتبختر به، ولم يتعثر ديكنز ولا شكسبير في مصطلح ليُرسم إلى جوار اسميهما، ويناديهم به قراؤهم ومحبوهم، ولكن فعلها الكاتب أشرف الخمايسي!!

ولم يختر لقبًا عاديًا، من نوعية الأديب الكبير أو المُلهم أو مالك الحرف مثلًا، وإنما أطلق على نفسه “إله السرد”!

واستهوته الضجة التي حدثت بين عشاقه، وبين آخرين ما بين حِلة اللقب أو حرمانيته، ولم يتحدث أحدهم عن استحقاقه لمثل ذاك اللقب أم لا!

الحقيقة التي لا مراء عليها، أن الخمايسي حكّاء مميز، يحكي القصة بشكل يجعلك تستمتع وتقرأ وتتوغل لتعرف ما الحدث التالي، وكيف سينتهي ذلك المشهد وماذا سيحدث في الصفحة القادمة وهكذا، كما كانت تفعل جداتنا بمهارة شديدة في كل الحكايات القديمة.

هناك فرق كبير للغاية بين أن تكتب حكاية وتواصل وتفرع القصص والحكايات، وبين أن تُسمي نفسك إلهًا للسرد! أين ذلك السرد الذي يقصده ويعنون نفسه بأنه قد تمكن منه وجعله خادمًا من خدامه؟! لم أجد، السرد بسيط للغاية والحكايات ممتعة للغاية!!

حاول الخمايسي أن يجمع كل ما يمكن في حكايته، حاول أن يطرق على التابوهات، وبما أن تابو السياسة لم يعد من التابوهات، فقد اخترق التابوهين الباقيين بحدة، الجنس والدين.

فأما الجنس فقد صال وجال، بمشاهد روائية غير ذات مكان ويمكن حذفها نهائيًا دون أن تؤثر على سياق الرواية أبدًا. مشهد العلاقة وراء الناقة، مشهد الاستمناء، حتى المشاهد المهمة روائيًا، جعل منها فسحته ليصف بشكل أكبر، ويمارس وصف المشهد وصيانته بالتهييج بأكثر من تضفيره في سلسلة الحكاية وصيانة الحدث وتأصيله!!

قارن بينه في مشاهد الجنس تلك وبين رضوى عاشور وبين نجيب محفوظ مثلًا، فتجد رضوى تمر على تلك المواقف الجنسية بكلمات غاية في الرُقي والجمال، لا تُهيج المشاعر ولا الأهواء. تستخدم جمل وأوصاف انسيابية مريحة تخلب القلب وتأسره، ويستعمل نجيب محفوظ لغته البارعة في السيطرة على الموقف وتأجيجه، أما الخمايسي فهو يستعمل لغة “القهاوي” والحارات، كأي اثنين يجلسان على قهوة ويتحدثان عن الجنس فيما بينهما، حتى الـ dirty talks والذي يصف به علماء النفس والاجتماع حديث الفراش، يستخدمه كأبلغ وأقبح ما يكون، ودون مواراة أو مرور أو ترك خيال القارئ يفعل ما يريد.

أما عن الدين فقد هبش من هنا وهنا، وضرب هنا وهنا بأقصى قدراته، فأظهر الله في مشهد، وأظهر المسيح في مشهد، وأوجد محمد صلى الله عليه وسلم في مشهد، ربما كان ذكاؤه الحاد الذي جعله يضع الثلاثة في مواقف تشبه الحلم فلا تستطيع إمساك ذلة عليه، لأنه سيقول إن هذا كان حلمًا، وذاك كان رؤية، والآخر كان جنونًا وعطشًا، ولكنها كانت مواقف ومشاهد أقل مما وضع لها، فظهور الله جعله ظهورًا ساذجًا للغاية وبشكل لا يساوي قدر جرأته – الخمايسي- على إيجاد مثل ذلك المشهد!!

كان مشهد المسيح هو أقواهم على الإطلاق بمغايرة فلسفة القديسين، بل وقتلهم على إساءتهم لفهم الدين المسيحي.

وكان أضعفهم ظهور محمد في النهاية والكلمات الساذجة التي أخبر بها “حجيزي”، والتي ألهمت حجيزي الصبر وموافقته على الموت والدفن، ثم ذكرني الخمايسي بالسُبكي عندما حشر وجوده حشرًا بين مشاهد أفلامه الخاسرة فنًا وإمكانيات فحشر وجوده بأنه سيكون هناك كاتب قدير سيكتب قصة حجيزي يومًا!!

مشكلة الخمايسي الأزلية في الرواية هي ضعف فلسفتها، لقد اختار فكرة فلسفية عظيمة وهي ماذا في الموت وخوف البطل من فكرة الدفن والترك، وبدلًا من أن يعالجها بفلسفة على قدر الفكرة، خنق القارئ تمامًا بكتابة كل ما يفكر فيه الكاتب، لم يترك الكاتب شيئًا لخيال القارئ قط، كتب له كل ما يريده وما يفكر فيه، فعل ذلك في الفكرة الرئيسية وكل ما حدث في الحكاية، لا يستطيع القارئ الفكاك أبدًا من قفص الحكاية والفلسفة التي يريدها الكاتب، لا يستطيع التحليق لأن الكاتب لا يترك له الفرصة لذلك!

لو قارنا بين رواية الخمايسي، ورواية حجر الكحل للكاتب محمود توفيق، حيث إن الاثنين يكتبان عن ذلك الجزء الصحراوي بعاداته وأفكاره لوجدنا أن الخمايسي قد تفوق وبرع في وصف عادات البشر في ذلك الجزء الصحراوي وكلامهم وتعبيراتهم، بما يوحي بأنه قد درس الموضوع جيدًا جدًا، بعكس توفيق الذي جعلهم يتحدثون بلغة بسيطة وعادية، برع توفيق في وصف المكان، مكان الحدث، وبرع في وصف المشاعر والإحساس بالمكان، أما الخمايسي فتجاهل المكان وعوض ذلك بتكوين ممتاز للغاية للشخصيات، وهذا كان على الناحية الأخرى من توفيق ضعيف للغاية!

الاثنان، توفيق والخمايسي جعلا لنهاية روايتيهما مفاجأة ما، فكانت مفاجأة التوفيق القرابة ما بين الصديقين، والتي في نظري كانت ضعيفة وغير ذات شأن، وغير مبهرة في نفسها، مجرد مفاجأة والمواقف التي حدثت بين الطرفين لم تستدعِ العودة إليهم مرة أخرى بعد اكتشاف حقيقة قربهما!!

أما مفاجأة الخمايسي كانت شديدة البراعة في الحقيقة في فكرتها وفي مضمونها على الرواية ككل، مفاجأة أن المسجد الذي كانوا يصلون فيه منذ البداية والذي كان يتفاخر غنيمة بأنه مسجد شقمق بك الذي أذل العثمانيين فيه، ظهر أنه السجن الذي عذب فيه العثمانيون شقمق بك!! والإشارة نفسها أن مسجدهم كان السجن الذي ما تركوا فيه فرضًا في الدين يجب ألا تمر مرور الكرام أبدًا على أي قارئ متمرس.

التنقل بين الحكايا الخاصة بالأبطال، وبين الأزمنة صعودًا وهبوطًا وماضيًا ومستقبلًا كان شديد البراعة من الخمايسي في الحقيقة، وحافظ على انتباه القارئ، ولم يفلت منه الخيط أبدًا فيتسبب في تشتت القارئ أو هروب خيوط الحكاية منه.

كانت أضعف شخصية في القصة شخصية الراهب “يونس” والذي ظل هادئ الطبع ومتقٍ، ثم ثار فجأة دون سبب ودون تدرج في الأحداث الداعية لذلك، وثار على المسيح وعلى كل شيء، ثم عاد إلى طبيعته!

في النهاية، الحكاية حلوة، ومحكية بكل مهارة وبكل ما حمل الكاتب من فكر وجهد، ولكنها لا تساوي ذاك اللقب الذي أطلقته على نفسك، أيها الكاتب الجميل، سلامًا عليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد