تخلى عن مجاله الذي يحبه (اللسانيات) ليتفرغ لمعاتبة بلاده أقوى دولة في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية) وينتقدها على جميع الحروب التي افتعلتها وأدت بحياة الملايين من الأبرياء، إنه ناعوم تشومسكي أستاذ لسانيات، وفيلسوف أمريكي، وعالم إدراكي، وعالم بالمنطق، ومؤرخ، وناقد، وناشط سياسي. وهو أستاذ لسانيات فخري في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والتي عمل فيها لأكثر من 50 عامًا، إضافة إلى عمله في مجال اللسانيات؛ فقد كتب تشومسكي عن الحروب والسياسة ووسائل الإعلام، وهو مؤلف لأكثر من 100 كتاب.

في كتابه (السيطرة على الإعلام) – يطرح تشومسكي مفهومين للديمقراطية: الأول يتجلى في كون المجتمع الديمقراطي هو المجتمع الذي يملك فيه العامة الوسائل اللازمة للمشاركة الفعالة في إدارة شؤونهم، وأن تكون وسائل الإعلام منفتحة وحرة.

المفهوم الثاني: هو أن يمنع العامة من إدارة شؤونهم وكذا من إدارة وسائل الإعلام التي يجب أن يظل تحت السيطرة المشددة، وهو المفهوم السائد والحاكم للمجتمع.

كانت أول عملية دعائية حكومية أثناء إدارة الرئيس ولسون الذي انتخب سنة 1916 وفق البرنامج الانتخابي (سلام بدون نصر)، نجاحه في الانتخابات جاء نتيجة رفض المواطنين الانخراط في أي حرب أوروبية، لكن التزامات الرئيس تجاه الحرب أفرزت لجنة للدعاية الحكومية سمية (لجنة كريل) نجحت في تحويل اتجاه المواطنين من السلمي إلى المتعطش للحرب والرغبة في تدمير كل ما هو ألماني.

وذات التكتيك تم توظيفه لإثارة الهستيريا ضد الشيوعية، ثم بعد دالك حرية الصحافة وحرية الفكر السياسي ولاقى التكتيك دعمًا قويًا من طرف رجال الأعمال.

فن الديمقراكية هكذا سمى والتر ليبمان عميد الصحافيين الأمريكيين البروباجاندا، وأشار إلى إمكانية تطويعه لخدمة ما وصفه بنصنيع الإجماع وجعل الرأي العام يوافق على ما لا يرغب به بالأساس، كما يرى أن البروباجاندا ضرورية لأن – حسب نظره – المصالح العامة يمكن فهمها وإدراكها فقط بواسطة طبقة متخصصة أي نخبة صغيرة فقط بإمكانها فهم وإدراك ماهية المصالح العامة، ومن ثم تقرير الأمور التي من شأنها أن تعنينا.

يمكننا القول إن في النظم الديمقراطية وظيفتين، أولها تعنى بالطبقة المتخصصة، أي أن الرجال المسؤولين يقومون بالتفكير وفهم التخطيط للمصالح العامة، وبالنسبة للبقية، أو كما سماهم والتر ليبملن (القطيع الضال) مهمته تنحصر في المشاهدة، ونظرا لأنه نظام ديمقراطي، فمن وقت لآخر يسمح لهذا القطيع بتأييد أحد افراد الطبقة المتخصصة من خلال الانتخابات، ثم يعودون أدراجهم للمشاهدة من جديد.

في اللثلاتينات وقعت موجة كساد أنتجت مطالبة العمال بحق تنظيم العمالة، وفازت الحركة العمالية بأول نص تشريعي لها عام 1935، وأثار هذا الأمر مشكلتين حادتين.

الأولى: الديمقراطية لا تؤدي وظيفتها كما يجب، فالقطيع الضال يحقق فعلًا نصرًا تشريعيًا، ومن المفترض ألا يحدث ذلك.

الثانية: بإمكان الناس التنظيم في حين يجب أن يظل الناس مقسمين ومنفصلين ومفتتين؛ الأمر الذي أثار الفزع بالنسبة لرجال الأعمال.

كانت ردة فعل رجال الأعمال كبيرة للتأكد من أن ذلك التشريع سيكون الأخير للحركة العمالية، وبالفعل تم ذلك، وبدأت القدرة على العمل في الاتحادات العمالية بالتناقص.

وبدأ العمل على إيجاد وسيلة لمواجهة هذا الانحراف الديمقراطي، حيث وقع إضراب عمال الحديد في غرب بينسلفينيا بجونز تاون، وحاول رجال الأعمال تطبيق طريقة جديدة لتدمير الحركة العمالية.

الفكرة كانت إيجاد وسيلة لتصوير القائمين بالإضراب كمخربين، وضد المصالح العامة التي هي في الأصل مصالح رجال الأعمال، وتحويل عامة الجمهور ضدهم تحت شعار: نحن نريد أن نكون معًا، ويكون بيننا تناغم، وأن نعمل معًا وتجمعنا هويتنا الأمريكية.

تزييف التاريخ أحد الوسائل المهمة للتغلب على المخاوف، ليبدو وكأنه حينما نهاجم وندمر الآخرين نفعل ذلك لحماية أنفسنا ضد الوحوش والمعتدين . حرب فيتنام على سبيل المثال، غير أن الشباب أدركوا حقيقة الأمر، بما فيهم الجنود الذين انخرطو في حركات السلام، وهذا أمر سيئ ولابد من إعادة تنظيم هذه الأفكار، حيث إذا قمنا بضرب جنوب فيتنام بالقنابل، فلأننا ندافع عن جنوب فيتنام ضد الفيناميين الجنوبيين، وهكذا وضعته إدارة كيندي، الدفاع ضد العدوان الداخلي، في جنوب فيتنام. صناعة هذه الصورة وسيطرتها على الإعلام حققت نجاحًا باهرًا.

ثقافة الانشقاق ظلت حية، ونمت بشكل كبير في الستينات، حيث لم تكن هناك أي حركات احتجاجية ضد الحرب في الهند إلى أن بدأت الولايات المتحدة بالهجوم على معظم المنخرطين فيها من الشباب، ومع قدوم السبعينات ظهر للعلن العديد من الحركات الاحتجاجية مثل المنظمات البيئية والمنظمات النسوية والمنظمات المناهضة للأسلحة النووية، في الثمانينات حدث توسع كبير ليشمل حركة التضامن، حيث انخرطت بشكل فعلي في حياة أولئك الذين يعانون في أنحاء مختلفة من العالم، ولهم تأثير على الجمهور العادي في أمريكا تأثير متحضر، رغم كل الدعاية، ورغم كل المحاولات للسيطرة على التفكير وتصنيع الإجماع.

خلال العقد الماضي توالت مشاكل حادة في الولايات المتحدة الأمريكية كالصحة والتعليم والبطالة والجريمة وارتفاع عدد المجرمين والسجون والتدهور الحاصل في الضواحي السكنية في حين أن البرامج المحلية للإدارات التي توالت على الحكم لم تقدم أي اقتراحات حقيقة بشأن ما يمكن عمله إزاء تلك المشاكل ولا أحد بوسعه أن يفعل شيئا حيال هذا الأمر في مثل هذه الظروف عليك أن تشتت القطيع الضال حيث إن مشاهدتهم للمباريات والمسلسلات القصيرة ليست بالأمر الكافي، لا بد من  إخافتهم من الأعداء ويتعلق بالروس، علينا الدفاع عن أنفسنا ضدهم، مع ذلك فقدوا جاذبيتهم كعدو، الآن ظهر الإرهاب العالمي، وتهريب المخدرات، والعرب المجانين، وصدام حسين، وكان لزامًا الإتيان بهم واحدًا تلو الآخر لإخافة الناس وإرهابهم.

من أمثلة الدعاية الناجحة نجد حرب الخليج، فاحتلال العراق كان احترامًا لمبدأ (الاحتلال غير الشرعي والإساءة لحقوق الإنسان) لابد وأن يجابه بالقوة، غير مدركين أن نفس المبدأ يجب أن يطبق على الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.

بالنظر في أسلوب تغطية الحرب منذ أغسطس (آب) 1990 هناك بعض الأصوات مفقودة ولا تسمع كالمعارضة العراقية الديمقراطية، حيث حاولت المعارضة الوصول لواشنطن والمطالبة بمساندة أمريكية لطلبهم بتدعيم ديمقراطية برلمانية في العراق، فقوبل طلبهم بالرفض؛ لأن صدام كان صديقًا عزيزًا لأمريكا وبوش، لكن سرعان ما تحولت المعارضة إلى محاربين ضد الطاغية صدام، مع العلم أنهم كانوا ضد صدام وضد الحرب في العراق، لا يريدون لبلادهم أن تدمر، كل ما يريدونه حل سلمي، لذلك كانت وجهة نظر خاطئة بالنسبة لهم، وكانوا خارج اللعبة.

قبل الهجوم على العراق كشف استطلاع للرأي أجرته واشنطن بوسط و(ABC) وسألوا الناس عن رأيهم في انسحاب صدام من الكويت مقابل اهتمام مجلس الأمن بمشكلة الصراع العربي الإسرائيلي، أغلب الناس عبروا عن موافقتهم وكذلك العالم كله بما فيه المعارضة العراقية. جادل أليكس كومبرن في جريدة  لوس أنجلوس تايم  بأنها فكرة جيدة، في حين أن كل الجرائد لم تفعل. الأمر ليس تخمينًا؛ فالعراق قدمت ذات العرض ورفض.

كتهيؤ لغزو العراق كان يصور الإعلام الأمريكي صدام على أنه وحش يريد غزو العالم، وتم تلقين ذلك مرة بعد أخرى، ولذلك علينا إيقافه، لكن في الحقيقة تعد العراق دولة من العالم الثالث، صغيرة ولا تمتلك أي قاعدة صناعية، محاربتها لإيران (ما بعد الثورة) التي خسرت معظم قوتها المسلحة ورغم دعم الولايات المتحدة واوروبا والاتحاد السوفيتي ومعظم الدول الخليجية المنتجة للبترول لمدة ثماني سنوات، كل ذلك ولم تستطع هزيمة إيران، وفجأة أصبحت تريد غزو العالم. لا يتعلق الأمر بالمعلومات المشوهة حول حرب الخليج، بل بالشمولية المفروضة على المجتمع مع تهميشه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد