لقد مرَّ علينا نحن العرب والمسلمين قرن ونيف، قررنا فيه تعطيل اجتهادنا وتجديدنا لنشاطاتنا الفكرية والدنيوية، فكان نتيجة ذلك ضمور الوعي في مجتمعاتنا، فظهر ما يسمى قابلية الانهزام والاستسلام للتخلف، والقبول بالظلم والاستبداد.

وفي السنوات الأخيرة، وتزامنًا مع ثورات الربيع العربي، قد ثار من جديد الاجتهاد والتجديد لفكرنا ووعينا، على يد ثلة من علماء الفكر والعلم، وأصبحنا نسبح ببحر كبير من المعلومات والقضايا الجديدة عن طريق الكتب والبرامج التلفزيونية ومواقع الإنترنت، وكان لذلك تأثير كبير في إعادة الوعي لشبابنا العربي عامة والسوري خاصة.

لكن هذا البحر من المعلومات وهذا الوعي الجديد، لا منفعة منه لأمتنا وبلادنا إن لم يحوّل إلى واقع وعمل.

فمعلوم لدينا جميعا أنَّ أكبر نقاط ضعف أمتنا، أننا لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نفهم، وإذا فهمنا لا نطبق، كما قال وزير الدفاع الصهيوني موشى ديان.

فأهم مشروع نقوم به لإنجاح ثوراتنا، وتحقيق أهداف أمتنا، هو تحويل الوعي إلى واقع وعمل، وهذا مشروع مرمي على عاتق جميع أصحاب الفكر والعلم، ويكون ذلك عبر ثلاث مراحل أساسية:

  • هِمةُ الشباب في العمل.
  • قابلية الحاضنة الشعبية لهذا العمل.
  • سهولة العمل في ظل التكافل الاجتماعي.

أولًا: استثمار طاقات الشباب الواعي

فإن الشباب هم عماد ومفتاح كل نهضة، وهم أول أداة لتحويل الوعي إلى عمل، ويتم ذلك بتحقيق نقاط أساسية:

  • قيادة الشباب توجيهيًا ورقابيًا من قبل أصحاب الفكر ضمن تكتلات وفرق عمل، لتغذيتهم فكريًا وعلميًا ومحاكات الواقع باستمرار.
  • تنمية قدراتهم العلمية والعملية على نشر الفكر والوعي في المجتمع، بكافة أدوات النشر الحديثة.
  • ادماجهم في مجالات العمل السياسي والاجتماعي، التي صارت بأسوأ أحوالها بعالمنا العربي.

فالشباب لا تظهر إبداعاتهم الكامنة إلا وقت العمل والنشاط، وهم قلب الحاضنة الشعبية ومحركها الرئيسي.

ثانيًا: تحريك الحاضنة الشعبية والتأثير فيها

فالحاضنة الشعبية هي المُستقْطب الأول لعملية تحويل الوعي إلى واقع وعمل، لذلك تحتاج لتأهيل معرفي جديد، ووعيٍ عميق، وتطهير متشرذمي الفكر منها، لتقبل احتضان هذا العمل أو هذا الواقع الجديد، فهي حاضنة مكلومة ذات صخب وغضب، لما آل بها الحال الأخير، فهي ضحية الثورات والتحولات دائمًا، فحتى لا تضعف إرادتُها وإيمانُها، بهدفها وقضيتها، يكون الشباب قلبها النابض، محركًا لها وناشرًا للوعي فيها بتأثير أدوات النشر المعرفي والإعلام.

ثالثـًا: إعادة روح التكافل الاجتماعي لمجتمعاتنا

إنّ من أحد أسباب فقدان الوحدة في أمتنا، هو فقدان التكافل الاجتماعي.

فتكافلنا اجتماعيًّا: هو أن يكون أفراد المجتمع مشاركين في المحافظة على المصالح العامة والخاصة، ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية، بحيث يشعر كل فرد فيه أنه إلى جانب الحقوق التي له والتي عليه .

وهذا المشروع يجب أن يكون أول ثمار تحويل الوعي إلى واقع وعمل، بمشاركة الحاضنة الشعبية والقيادة الشبابية، وليسير العمل بعدها بتأمين وبظل هذا التكافل، فتفتح أبواب تحقيق الأهداف لأمتنا ونجاح ثوراتنا، وهذه بداية طريق النهضة.

لذلك إنَّ لإنجاز أي مشروع كان أو هدف ما، يحتاج إلى التخطيط والإرادة والإمكان، فليكن التخطيط من أصحاب الفكر والعلم، والإرادة من الحاضنة الشعبية، والإمكان من الشباب.

فقد تعب اللسان من الكلام، وكُسِرَ القلم من الكتابة، ونزفت اليد من القتال، فقد آن أوان العمل والتطبيق من القلب.

فإذا أردنا النجاح والنهوض، فليكن «من القلب لا من السيفِ والقلمِ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد