انتهت إذن الحرب الباردة أوائل تسعينات القرن الماضي، وانعتق العالم من استنزاف عسكري وحضاري طويل بين معسكري الشرق والغرب، لا لينعم بالأمن والسلام العالمييْن، بل ليُصار إلى تشييد نظام عالمي جديد اتسم بأنه أحادي القطبية، تتركز فيه أدوات القوة والهيمنة في يد دولة واحدة تهيمن على المجتمع الدولي بأسره. وللمفارقة فإن هذا النظام الجديد قد بشّر به الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب في خطاب له بتاريخ ١١ أيلول/سبتمبر ١٩٩٠، ويا لها من مصادفة رقمية!

أحدثت مفردات النظام العالمي الجديد هزة في أبحاث علم السياسة والعلاقات الدولية، إذ إن كثيرًا من النظريات التي كانت سائدة قبل هذا التاريخ، أصبحت قاصرة عن تفسير العديد من الظواهر والتحديات الدولية.

ولعل أكثر القطاعات تأثرًا كان حقل الدراسات الأمنية، وبمثال بسيط، أصبح الطرح الأمني الذي تقدّمه النظرية الواقعية (Realism theory) قاصرًا، وذلك يعود لأسباب كثيرة أبرزها أنّ أمن الدولة لم يعُد متحققًا بالقوة العسكرية التقليدية (الجيش) كما تقول النظرية، ولم يعد سباق التسلح والتسلح النووي كافيًا للدول الكبرى كي تحفظ أمنها، حيث برزت تهديدات أمنية جديدة للدولة نابعة من داخلها وليس بالضرورة على شكل تهديد عسكري من دولة خارجية.

وحيثُ إن النظام الدولي الجديد قد طرح نفسه كراعٍ لحق الفرد، انتقل الغرض الأمني من هدف (حماية الدولة) إلى هدف (حماية الفرد). وأصبح الأمن الفردي مسؤولية يُناط بالدولة تحقيقها. لكل هذه الأغراض وغيرها، كان لا بد من تنظير حديث للمسألة الأمنية.

 

مدرسة كوبنهاجن

 

 

ظهرت مدرسة كوبنهاجن للدراسات الأمنية في تسعينات القرن الماضي، وقدّمت مفهومًا جديدًا للأمن تمثل في أبعاد خمس هي: الأمن السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والمجتمعي، والبيئي.

نظّرت مدرسة كوبنهاجن للعديد من الأخطار والتحديات التي قد تواجه الدول من إحدى خواصرها الخمس السابقة، واعتبرت أن التهديدات العالمية الأخطر هي تلك التهديدات التي تعدّ عابرة للحدود، والتي لا تحمل طابعًا عسكريًّا مباشرًا، وتبثها كياناتٌ خارج إطار الدول (كالمنظمات الإرهابية، المافيا، شبكات التسلح، موجات الهجرة غير المنضبطة، الاستخبارات الأجنبية، وغيرها). هذا التوسّع في تعريف المخاطر أو التهديدات الأمنية، مترافقًا مع كمّ عريض من الدراسات والأطروحات التي رافقت ظهور مدرسة كوبنهاجن، قاد إلى بُعد جديد في توظيف مسألة الأمن لخدمة أغراض سياسية بحتة، بحيث أصبحت المعضلة الأمنية أداة في يد كيانات سياسية واستخبارية، تسعى من خلالها إلى إزاحة خصومها المفترَضين عبر تصويرهم كمهددات وجودية للأمن الفردي والمجتمعي، أو حتى الأمن القومي لدولة ما أو أمة.

هذا التطويع لمسألة الأمن، والذي قد يُمارس بطريقة غير أخلاقية أو موضوعية، كان قد برز على شكل مفهوم جديد دخل منظومة الدراسات الأمنية، أطلق عليه اسم Securitization (لم يتم الاتفاق على تعريبه: وبعضهم قال “الأمننة”). ويعني باقتضاب: “استحضار البُعد الأمني على مسألة ما (غير أمنية) وتصويرها كتهديد”. كما ظهر المفهوم العكسي للأمننة أو ما يعرف بـ Desecuritization.

هذان مفهومان في غاية الخطورة، ساهما خلال العقدين المنصرمين في بعثرة الخريطة السياسية للعالم، عبر الشرعنة لشنّ الحروب الأمريكية الاستباقية، وإسقاط أنظمة سياسية وزرع أخرى موالية للغرب، وتقييد الحريات بذريعة “الإرهاب”، والتحريض ضد الإسلام وإذكاء ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، وتنفيذ انقلابات عسكرية (مصر مثالًا)، وانتهاءً بحظر جماعات سياسية/دينية وفئات اجتماعية/عرقية ووصمها بالعار.

ولكن كيف يحصل كل ذلك؟

 

سنعتبر أن هناك ركيزتين أساسيتين لمفهوم الأمننة:

1.    يرى كل من “باري بوزان” و“أول ويفر” (منظرا مدرسة كوبنهاجن لدراسات الأمن)، أن عملية وصم أي جماعة أو تيار أو دين أو فكرة بأنها “تهديد أمني”، عملية لا تتطلب الموضوعية ولا يُشترط لها أن تقدم حججًا منطقية. إذ إن الخوف والقلق، هما من سيحرّكان الجمهور وليس الحجة والمنطق.

2.    يضيف “باري” و“ويفر”، أنّ عملية الأمننة هي مسألة خَطابية أو كلامية (Speech act). بمعنى أن الجهة التي تريد شيطنة فكرة أو تيار ما، وتصويره على أنه “تهديد”، لا تحتاج لأن تمارس أي تحركات أمنية، بل تحتاج فقط لأداء دور خَطابي وإعلامي مقنع للجمهور، لا أكثر.

وبكلمات أخرى، فإن عملية الأمننة (أو دعوني أقول، شيطنة جهة ما وتصويرها على أنها تهديد)، هي عملية أشبه بعمل جهاز غسيل الملابس، إذ يُدخل السياسيون إليه فكرة ما (قد تكون: دين، قومية، حزب سياسي، تيار فكري) ليحصل لها عملية “شيطنة” داخل هذا الجهاز، فتخرج على شكل واحـــد، هو: التهــديـــد الأمنــي. ولا عجب إن كان جهاز غسل الملابس هنا هو الإعـــلام.

 

 

مراحل شيطنة الخصم (الأمننة):

 

تلخص أطروحات المفكر الدنماركي “أول ويفر” هذه العملية في خطوات بسيطة، نستطيع ترتيبها تسلسليًّا في أربع نقاط، هي وصفة طالما استخدمتها النظم الأمنية والديكتاتورية لاغتيال خصومها معنويًّا، ولم تسلم حتى الولايات المتحدة من التورط فيها. هذه الوصفة تقول:

1. ســمّ شيئًا ما على أنه تهديد
إن كان خصمك حزبًا سياسيًّا، لا تُروج أنه حزب متخلف أو فاشل. لا تقل أنها جماعة دينية متطرفة، أو شعب غير حضاري… إلخ، بل ألقِ تهمًا من نوع: قتلة، تكفيريون، أعداء للإنسان، يجرّون البلاد إلى حرب ومواجهة عسكرية عدمية، خونة ومرتبطون مع الخارج. هذه التهم فقط تصلح أن تكون تهديدًا وجوديًّا يساعد أي سلطة ديكتاتورية على تحقيق أهدافها.

 

2. أقنع الجمهور أن يعطيك السلطة، وليس بالضرورة أن تطلب سلطة رسمية!

 

 
فقط قدم نفسك كمخلّص.  واطلب من الجمهور أن يعطيك الصلاحية أو التفويض لإنقاذه من الخطر، ليس بالضرورة أن تطلب التفويض عبر انتخابات أو قانون أو دستور، السلطة السائلة تكفي، وهي الأمثل إذ إنها فضفاضة بلا حدود، تستطيع رفع سقفها متى شئت!
هل يذكرك الأمر بتوقيعات حملة تمرد المصرية؟

3. أعلن حالة الطوارئ!

 

 

بعد أن أقنعت الجمهور أنك المخلص لهم من التهديد. أقنعهم أنك تواجه نيابة عنهم، تهديدًا وجوديًّا وليس مجرد خطر، تمامًا كما قال جورج بوش الابن بعد أحداث ١١ سبتمبر. قال إن الأمة الأمريكية باتت تواجه خطرًا يهدد وجودها “”Threat not risk. بوش أقنع الأمريكيين بخبث أن عليهم أن يخوضوا حربًا استباقية على بعد آلاف الأميال من بلادهم قبل أن يفوت الأوان، ويصل الإرهاب إلى كل بيت أمريكي.

 

 

4. شرعن تضييق الحرية باسم إنفاذ الحرية!

 
بعد الحادي عشر من سبتمبر، تقبل الشعب الأمريكي بسلاسة العديد من الممارسات التي تصنّف على أنها “رجعية”، وذلك كاستجابة للعبة الحرب على الإرهاب. قوانين التفتيش العاري في المطارات، قوانين التجسس على محركات البحث بشبكة الإنترنت، الاحتفاظ بسجلات المكالمات الهاتفية، كلها أصبحت مقبولة ويُدافع عنها بشراسة أمريكي، وكأن غالبية الشعب أصبح يضيّق حريته بإرادته.

بعد تحقيقك للخطوات الأربعة السابقة، تكون قد جرّدت خصمك من أي قيمة إنسانية، وأشعت حياله هالة من الذعر لدى الجمهور الذي سيطالبك بأن تقوم باستئصال هذا التهديد، وحالًا.. هذا الاستئصال سيمنحك المزيد من السلطة والنفوذ ليس فقط لإنهاء خصمك، بل لترسيخ سطوتك!

هل تذكركم هذه الوصفة بالسياسة التي أتبعها نظام الانقلاب في مصر لشيطنة تنظيم الإخوان المسلمين ووصف أنصاره بـ“الخرفان والإرهابيين”، وصولًا لتضليل جزء عريض من الشارع للتصفيق للانقلاب والنظر لعبد الفتاح السيسي على أنه المخلص؟

وهل يذكركم كيف استطاع الإعلام المصري شرعنة الحصار الخانق لغزة، بعد أن أقنع الجمهور أن القطاع هو المتسبب بأزمة الكهرباء والوقود، وبأن فتح معبر رفح يُساوي بالضرورة عملية مسلحة ضد الجيش المصري في سيناء بعد ساعات أو أيام؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد