يندرج الأقباط في ظل الحكم الإسلامي مع أهل الذمّة وهي لفظة أُطلقت على جميع الرعايا وقاطني البلاد المفتوحة من غير المسلمين، وتعنى أنهم في عهدة الله ورسوله، وفي عهدة جماعة المسلمين، لهم حقوق وعليهم واجبات، وبالمثل المسلمون عليهم ما عليهم ولهم ما لهم، ولأهل الذمة أن يعيشوا بأمانٍ في كنف الإسلام الأمين، سالمين في انخراطهم بجماعة المسلمين. ولشد ما تربطنا بالقبط المواثيق، فيطول التاريخ بيننا ومعهم لحد أن يُسطّر فيه كتب، وإن يكفينا هنا ذكر قسمات جليّات من التاريخ، الذي جمّت تفصيلاته، وتشرذمت سقطاته – أي قلّت وانعدمت- فهاك أهم ما هو جدير بالسرد وخير ملخّصٍ:

وبداية أستهل بوصية خير الخلق- صلى الله عليه وسلم – “إذا فتحتم مصر، فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحمًا”، وعن كلمة ” رحمًا” قال ابن اسحق فقلت لمحمد بن مسلم “ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم؟ فقال : كانت هاجر أم إسماعيل منهم “.

ويكفل للقبط في عهدتهم للمسلمين حقوق جلّت كثرتها. أولًا حق الحماية من الاعتداء الخارجي، وأي قهر داخلي؛ فعلّق الإمام “الظاهري ابن حزم” في كتابه مراتب الإجماع”: “إنّ من كان في الذّمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صونـًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة” (1).

ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي، موقف شيخ الإسلام ابن تيمية (2).

ويأتي في ظل الحماية الداخلية، حماية الأبدان والأموال، وصون الأعراض، فإن كثُرت الأدلة هنا والشواهد فما يُروى عن الرسول خير دليل؛ “من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقـًّا أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة”، ويروى عنه: “من آذى ذِمِّيـًّا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة”، وعنه أيضًا: “من آذى ذميـًّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله”. وفي صون أموالهم ما جاء عن النبي لنصارى نجران (3).

حتى إن إيذاء الذّمي القاطن لدولة الإسلام – ولو بكلمة- يأثم له المعتدي؛ يقول الفقيه الأصولي المالكي “شهاب الدين القرافي” في كتاب “الفروق”: “إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقـًا علينا، لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا (حمايتنا) وذمتنا وذمة الله تعالى، وذمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة، فقد ضيَّع ذمة الله، وذمة رسوله، وذمة دين الإسلام”. (4)

كذلك مما هو جدير بالذكر أنّ الإسلام قد صان وحفظ من له عوز، أو أخذته حاجة، أو أضناه كِبرٌ، وأعجزه السن، فيُعال من مال الدولة، ففي عقد الذمة الذي كتبه “خالد بن الوليد” لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: “وجعلت لهم، أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”. وأيضًا قصّة عمر بن الخطاب مع أحد شيوخ أهل الذمة (5).

وسمح كذلك الإسلام بحرية ممارسة الشعائر الدينية، وحرية الاعتقاد وإن لم يلزمنا هنا ذكر تفاصيل، فالأمر جليٌّ لناظر التاريخ والشواهد، و الحق أبلجٌ- أي مشرق- مستنير، فهاك نتفـًا ومثال في عهد خالد بن الوليد لأهل عانات “ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم”. وعهد عمر بن الخطاب لأهل إيلياء (6).

وسُمح لغير المسلمين بحرية العمل وتولّي الوظائف وحرية الكسب ومزاولة ما يختارون من المهن الحرة فقد قرر الفقهاء أن أهل الذمة كسائر المسلمين، ولم يستثنوا من ذلك إلا عقد الربا فإنه محرم عليهم كالمسلمين وقد رُوِي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كتب إلى مجوس هجر: “إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله”.

كما يمنع أهل الذمة من بيع الخمور والخنازير في أمصار المسلمين، وفتح الحانات فيها لشرب الخمر. ويستثنى أيضًا الوظائف التي يغلب عليها الطابع الديني كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات.

ومع اقتضاب ما ذُكر، وجمّ ما تجاوزنا عنه من شواهد، فقد توحّد المسلمون والنصارى في انخراطهم، وشمول دار العدل والإسلام لهم سواسية، بل كان الأقباط خير عون للمسلمين والعكس أصح، فيقول سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم – “الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله”.

وقد رحّب الأقباط بالمسلمين الفاتحين مع أن الروم نصارى مثلهم، وتساند الطرفان لرد الغارات الصليبية رغم محاولات الصليبيين لفتنة النصارى عن الزود والدفاع مع المسلمين، فعندما نزل الفرنسيس في الإسكندرية، خرج المستشرقون من مكامنهم، ومارسوا مهامهم، وكانوا يفتلون للأقباط في الذروة والغارب، ويقبّحوا الإسلام في أنظارهم، وأن للقبط حق الحكم، ولهذا جاء الفرنسيون، لدحر الحكم الإسلامي، ووقع في حبائلهم من وقع، وثبت من ثبت. ووثق ما إلى هذا العلّامة “أبو فهر محمود شاكر”.

 

فهذا من خلق وشيم الإسلام على درب خالق الخلق، أن جميع الرعايا موحّدين، القبط واليهود مع أقرانهم- أي أمثالهم- المسلمين، فمصطلحات الأقلية والأكثرية ليس لها أصلٌ في الإسلام وما سيق من آياتٍ من عند الله بيناتٍ إنما هي موجّهة لعموم الناس، فلا يتفاضل الناس بعضهم على بعض إلا بالتقوى” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”، ” إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”. وكذلك شرع الإسلام تعدد وتنوع الشرائع في ظلاله.

ويعلّق” ابن القيم” على نظام الجزية: “ثم إن ما يتم دفعه شيء ضئيل جدًّا بالنسبة لما يدفعه المسلم زكاةً لماله، فقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ربي على يد الرسول الرحيم محمد صلى الله عليه وسلم- جعلَ الجزيةَ على الموسرين 48 درهمًا، وعلى المتوسطين في اليسار 24 درهمًا، وعلى الطبقة الدنيا من الموسرين 12 درهمًا، وهذه النسبة ضئيلة للغاية، ولا تتجاوز ما يكسبه الفرد منهم في عدة أيام من السنة، وهي بذلك أقل بكثير مما يدفعه المسلم كزكاة عن أمواله؛ حيث يدفع 2.5 في المائة” (7) .

 

ولم يكن يتم أخذ الجزية إلا من الرجال الأحرار العقلاء القادرين عليها، وليس الجزية من امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا مريض، ولا راهب؛ وذلك لما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ باليمن”أن على كل حالم دينارًا”. وأعفى الإسلام أهل الذمة من الانقياد في الجيش، فلم يرغمهم على حق الجهاد مع المسلمين إلا لمن كانت له رغبة، وقيل عن علي بن أبي طالب” إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا”.

وشهد شاهدٌ من أهلها

ما كتبه ساويرس بن المقفع النصراني الأرثوذكسي المعاصر للفتوحات الإسلامية” “وكانت أعمال الأرثوذكسية الصالحة تنمو، وكانت الشعوب فرحين، مثل العجول الصغار، إذا حُلَّ رباطهم، وأطلقوا على ألبان أمهاتهم”.

ويقول “جوستاف لوبون” إنّ القوة لم تكن عاملًا في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارًا في أديانهم .. فإذا حدث أن انتحلت بعض الشعوب النصرانية الإسلام واتخذت العربية لغة لها، فذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى”(8)

ويقول المؤرخ الإنجليزي “السير توماس أرنولد”: ” لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وأنّ العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح”

ونختم برواية أن أسماء بنت أبي بكر، كانت تحكي فتقول: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد قريش، فاستفتت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وقالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟

فقال: “نعم صليها”. فتالله لا نشهد في التاريخ شاهدة، ولا نجد في جنباته جناية تناحر بين المسلمين والأقباط، وأي خلاف عن هذا الدرب إنما هو انحرافٌ عنه إن لم يكن ردًّا لعدوانٍ- كما في معركة أليس عندما ناصر النصارى الفرس على العرب فحق عليهم القتال- فهذه أمتنا وهذا ما يحتّمه الإسلام في معاملة القبط، وليغفر لي الله ما أغفلت وتجاوزت عنه من التفاصيل، وذلك ولله الأمر من قبل ومن بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(الفروق ج ـ 3 ص 14 - 15 - الفرق التاسع عشر والمائة) 1-
2- حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ ليكلم "قطلوشاه" في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيرًا، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له.
3- روى أبو يوسف في "الخراج" ما جاء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجران: "ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أموالهم وملتهم وبِيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير."
4- أول مصدر
5- فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال له ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والسن والحاجة. فقال لهما أنصفناك كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك"، وأخذه إلى بيته، وأعطاه ما يقيته، ثم أرسله إلى خازن بيت المال، وأمره أن يسقط عنه الجزية، وأن يعطيه من مال بيت المال.
6- في عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء القدس نص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانـًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.
7- كتاب أحكام أهل الذمة
8- حضارة العرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد