قول نعم تزيد النعم

«وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ» أنجيل متى (23-16)

بعد 30 يونيو واصلت الكنيسة استهانتها بالأقباط، وأصرت على تمثيلهم سياسيًا بكل الطرق الممكنة، وفي حواره مع عزت بولس لموقع «الأقباط متحدون» في يوليو 2016، أكد الأنبا يؤانس أن «الكنيسة هي الممثل السياسي للأقباط وستظل كذلك»، الجدير بالذكر أنه في ديسمبر 2013 لم تعترض الكنيسة على أي من مواد الدستور، وقامت بالموافقة على كل بنوده، بما فيها من مواد مقيدة الحريات وتمس الهوية المصرية، وفي 1 يناير 2014 خرج البابا في إعلانات مرئية على القنوات المسيحية وغير المسيحية، ومقالات مكتوبة على الصحف القومية، مستغلًا تأثيره الروحي على الأقباط، ليحثهم على الموافقة على الدستور الجديد بقوله «قل نعم تزيد النعم»، ومؤكدًا على وضع الأقباط كلهم في خانة مؤيدي النظام، وفي 23 مارس 2014 خرج قداسة البابا في حوار مع جريدة الوطن الكويتية يعلن تأييده للسيسي في انتخابات الرئاسة، معتبرًا أن «ثورات ما يطلق عليه الربيع العربي لم تكن ربيعًا أو حتى خريفًا، وإنما شتاء عربي مدبر حملته أياد خبيثة إلى منطقتنا العربية لتفتيت دولها إلى مجرد دويلات صغيرة لا حول لها ولا قوة» على حد تعبيره، مستغلًا تأثيره الروحي على الأقباط للمرة الألف، للترويج لانتخاب الرئيس العسكري، وفي 4 يناير 2015 كانت الطامة الكبرى، حينما وجه قداسته الضربة القاضية في قضية مذبحة ماسبيرو، عندما صرح لقناة سكاي نيوز «أن حادث ماسبيرو كان خدعة من الإخوان للشباب المسيحي، استدرجوهم لمواجهة الجيش ثم تركوهم»، مبرئًا عسكر يوليو من دم الأقباط أمام العالم كما برأ بيلاطس البنطي نفسه من دم المسيح أمام اليهود، وقضى على أي أمل للأهالي المكلومين للقصاص لدم أبنائهم وذويهم، وفي المقابل زار السيسي الكاتدرائية المرقسية في ليلة عيد الميلاد 6 يناير 2016، ليلهب عقول المسيحيين بالرئيس الإنسان الذي يساوي بين جميع أبناء الوطن الواحد، ويدفعهم لتأييده أكثر وأكثر، وفي اليوم التالي كان الأنبا بولا يشبه السيسي بالمسيح في مداخلته الهاتفية على قناة صدى البلد مع أحمد موسى قائلًا «وفجأة كما ظهر الملاك مبشرًا بميلاد المسيح، فجأة نرى المسيح وقد ظهر داخل الكنيسة يوم ميلاد المسيح»، وأدلى القس مكاري يونان بدلوه خلال عظته الأسبوعية بالكاتدرائية القديمة بكلوت بك الجمعة 15 يناير 2016 مهاجمًا الشباب الذين يعارضون سياسات الرئيس السيسي قائلًا «الرجل ده مرسل من السماء لنا وهو عطية السماء لشعب مصر مثلما كان النيل هبة الله لمصر هكذا أصبح السيسي. أنا أبصم بالعشرة أن السيسي أفضل رئيس حكم مصر، ولم يمر بتاريخ مصر أحد مثله».

وبالطبع وكما هو متوقع، لم يزر السيسي الكاتدرائية في عيد القيامة التالي، بينما تمادى القمص بولس عويضة متحدثًا عن السيسي في مؤتمر بفندق سفير بمصر الجديدة قائلًا «أنا أذوب عشقًا فيه، وستات مصر معذورة في حبه»، وعندما استقبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز البابا تواضروس في 8 أبريل 2016 في مقر إقامته بالقاهرة، في أول لقاء من نوعه بين العاهل السعودي وبابا الكنيسة القبطية، تنازل البابا تواضروس عن صليب يده طواعية منعًا للإحراج، وخرج تواضروس من اللقاء ليؤكد «أن الملك سلمان بن عبد العزيز قال له إن السعودية تحتضن جنسيات مختلفة وأديانًا عديدة سواء مسلمون أو مسيحيون».

موقف الكنيسة من الحريات

خسرت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية كل المتعاطفين مع القضية القبطية عندما اتخذت موقفًا عدائيًا ضد الحريات والمساواة بشكل عام، وسارت في ركاب النظام على طول الخط، ففي حوار الأنبا بولا مع الصحفية شيرين ربيع على صحيفة المصري اليوم في 28 أكتوبر 2012 في أعقاب كتابة دستور الإخوان، سألته الصحفية عن عدم تفعيل حرية الاعتقاد في مصر بدليل قيود بناء الكنائس وملاحقة البهائيين، فأجاب بولا مؤيدًا قمع حرية الاعتقاد قائلًا «لا نريد أن نفتح هذا الباب لأنه سيفتح على مصر أبوابًا لا يستطيع أحد غلقها، مثلًا هناك مصانع كثيرة في مصر بها عمالة آسيوية، لهم انتماءات دينية غير سماوية، فهل نطالب الدولة بتوفير دور عبادة لهم؟ وفي نفس الحال مع البهائيين، لذلك اتفقنا على المسيحية واليهودية، وأنا صاحب هذا الاقتراح، لا الإخوة السلفيون، ووجدت تأييدًا من عدد كبير بالجمعية»، وفي 16 مارس 2014 أكد قداسة الأنبا تواضروس في مداخلة هاتفية مع الإعلامية رانيا بدوي على قناة التحرير أنه «لما تبقى البلاد متعرضة لعنف وإرهاب والجريمة بهذه الصورة، إزاي نتكلم عن حقوق الإنسان في الوقت ده؟ وتقارير حقوق الإنسان واضح أنها تقارير مغرضة وتقارير موجهة وتم إعدادها سلفًا»، وفي لقائه ببرنامج «يوم بيوم» عبر فضائية «النهار اليوم» في 15 أبريل 2016، أكد البابا أن «حقوق الإنسان موضة غربية»، مطالبًا الغرب بالكف عما سماه بنغمة حقوق الإنسان في مصر، وفي اليوم التالي مباشرة 16 أبريل 2016 أكد البابا في حواره مع الإعلامية ريهام السهلي على فضائية «النهار اليوم» أن حادثة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني مجرد «جريمة.. وقعت على أرض مصر، ربما فيها شبهات أنها مقصودة لوضع أزمة ما بين بلدين متحابين وحاسس أن الموضوع مُضَخَم أكتر من اللازم».

حجج واهية

دافع مؤيدو البابا ومريدوه عن تدخله الدائم والمستمر في السياسة، وافتقار خطابه للحيادية، والوقوف دائمًا وأبدًا في صف النظام، بحجة أنه يفعل ذلك لمصلحة شعبه القبطي، وبغرض الحصول على بعض المميزات مثل المساواة على سبيل المثال، لكن كل حججهم انهارت في 18 مارس 2015 عندما خرج البابا ليبايع الدولة في الاستيلاء على دير أثري في منطقة وادي الريان، يرجع إلى القرن الرابع الميلادي، بحجة أن القوات المسلحة ترغب في تشييد طريق يمر عبر أراضي الدير، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديث، يتم حبس راهب مسيحي بسبب رفضه التخلي عن ديره، ومحاباةً منه للدولة، فصل قداسته ثمانية رهبان من الكنيسة لاعتراضهم على قرار البابا بالتخلي عن الدير، وعن موقفه من أزمة دير وادي الريان، أجاب البابا في حواره على فضائية «صدي البلد» في 5 أبريل 2016 مبتسمًا «واحد ارتكب حاجة… واحد ارتكب خطأ.. إيه المطلوب؟»، ليخلي مسئوليته نهائيًا عن الراهب المسجون، ثم أتت حادثة تعرية سيدة قرية الكرم بالمنيا وإحراق منازل أقباط القرية في مايو 2016، لتكون الضربة القاصمة والفاضحة لأسلوب تعامل الدولة مع ملف الأقباط، ودليلًا وبرهانًا لا يقبل النقاش على أن كل محاولات الأقباط للوقوف في صف الدولة والتكتم على انتهاكاتها، لن تقابل سوى بالمزيد من الاضطهاد، فبعد محاولات عديدة للتكتم على الخبر أولًا، ثم محاولة إنكاره ثانيًا، حاول البابا تواضروس تهدئة الأمور وتبسيطها، مؤكدًا أن القيادات السياسية والأمنية قد وعدوه بتتبع الجناة وتسليمهم للعدالة، ودعا إلى «ضرورة ضبط النفس والتزام التعقل والحكمة، للمحافظة على السلام الاجتماعي والعيش المشترك، وإلى قطع الطريق على كل من يحاول المتاجرة بالحدث لإشعال الفتنة»، متناسيًا أن الأقباط مجني عليهم وليسوا جناة، حتى بالرغم من تواطؤ الأمن في تلك الحادثة، فطبقًا لشهادات الضحايا أنهم طالبوا الشرطة بالتدخل لحمايتهم (وكأن الشرطة تنتظر الدعوة للقيام بدورها)، فكان الرد أن الشرطة لديها أوامر بعدم التدخل.

وأكد السيسي في حديثه عن الواقعة في 30 مايو من نفس الشهر أن «أي حد هايغلط مهما كان عدده هايتحاسب، وأرجو أن السيدة المصرية يعني.. متاخدش على خاطرها»، واستشعر المسيحيون خيرًا بكلام السيسي، وبينما كان الأنبا مكاريوس الأسقف العام للمنيا يتمسك باستماتة بتطبيق القانون ورفض جلسات الصلح العرفي، مؤكدًا أن الصلح العرفي «إهانة للدولة والحكومة، وعلى الحكومة أن تكون غيورة على هذه الدولة أكثر من ذلك، ولن تتحقق هذه الحماية إلا إذا تم تطبيق القانون، وإحالة المسئولين عن هذه الجرائم إلى المحاكمة»، كان هناك فريق آخر يمثله الأنبا أرميا رئيس المركز الثقافي الأرثوذكسي وأحد رجال الدولة داخل الكنيسة، يقود الدفة في اتجاه جلسات الصلح العرفي والتصالح مع الجناة، من خلال ذلك الكيان المشوه الذي يسمى بـ«بيت العيلة» وبالفعل قام الأسقف أرميا ومعه القمص بطرس بطرس بسطوروس بزيارة للمنيا لتأدية دوره المتفق عليه في مسرحية تقبيل اللحى، ولتبرئة الأمن من التواطؤ السلبي والإيجابي في القضية، كما برأ البابا تواضروس المجلس العسكري من دم شهداء ماسبيرو من قبل، ومرت الأيام وهدأ الصخب المتعلق بالحادثة، ولم يقدم الجناة إلى المحاكمة حتى اليوم.

يتبع غدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أقباط
عرض التعليقات
تحميل المزيد