مقدمة

في الثلاثين من يونيو (حزيران) 2012 خرج الشعب المصري عن بكرة أبيه في مظاهرات هادرة نظمتها «حركة تمرد» ضد نظام «الإخوان المسلمين»، مطالبين بخلع الرئيس الإخواني «محمد مرسي»، وفي عصر اليوم التالي الأول من يوليو (تموز)، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانًا يمهل القوى السياسية مهلة مدتها 48 ساعة لتحمل أعباء الظرف التاريخي، وذكر البيان أنه في حال لم تتحقق مطالب الشعب خلال هذه المدة، فإن القوات المسلحة ستعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها، ولما لم يستجب مرسي، ولا جماعته، كما كان متوقعًا، وفي 3 يوليو (تموز)، وبعد انتهاء المدة التي منحتها القوات المسلحة، وبعد لقاء مع قوى سياسية ودينية وشبابية، وبحضور «محمد البرادعي» رئيس «حزب الدستور» آنذاك، و«محمود بدر» و«محمد عبد العزيز» عن حركة تمرد، و«سكينة فؤاد» الكاتبة الصحفية، و«جلال مرة» الأمين العام لحزب النور، بجانب شيخ الأزهر «أحمد الطيب»، والبابا «تواضروس»، الذي قد تولى منصبه كبابا للأقباط «الأرثوذكس» منذ أقل من ثمانية أشهر، بالإضافة إلى بعض قيادات القوات المسلحة، أعل نوزير الدفاع آنذاك الفريق أول «عبد الفتاح السيسي» إنهاء حكم الرئيس «محمد مرسي»، على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شئون البلاد لحين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

الانتقام

بعد الفض الوحشي من قبل قوات الأمن لاعتصامي «رابعة والنهضة» في 14 أغسطس (آب) 2013 ، لم يجد الإخوان سوى المسيحين؛ كونهم الفئة الأضعف والأكثر هشاشة من بين أنصار النظام الجديد، والمشاركين في مظاهرات 30 يونيو (حزيران)، لينتقموا من الدولة من خلالهم؛ كعقاب على مشاركة الأنبا تواضروس في بيان عزل مرسي، واعتدى الإخوان ومؤيدوهم على ما يزيد عن مائة كنيسة، من بينهم كنائس أثرية في صعيد مصر، وتنوعت الاعتداءات ما بين تشويه الجدران، والاقتحام، والنهب ، وإطلاق الأعيرة النارية، وإلقاء الحجارة و«المولوتوف»، والحرق والهدم الجزئي أو الكلي، إضافة إلى المئات من حالات الاعتداء المنفصلة على مؤسسات وممتلكات ومنقولات خاصة بالأقباط، شملت 11 مدرسة، وجمعيتين، ومكتبتين، ومركزًا للشباب، وناديًا، وملجأ، وباخرتين، وقاعتي عزاء، ومسرح، إلى جانب العشرات من المحال التجارية والسيارات المملوكة للأقباط، بقيمة مبدئية للخسائر تتجاوز الـ 2 مليار جنيه، إلى جانب 8 ضحايا قتلوا بأيدي الإخوان، و لم تستطع القوات المسلحة،  ولا قوات الأمن وقف انتهاكات الإخوان في حق أرواح المسيحين وكنائسهم وممتلكاتهم ، والتي امتدت لأربعة أيام كاملة من 14 أغسطس (آب)، وحتى 18 أغسطس (آب).

استغلال الموقف

المثير للسخرية، أنه، وبدلًا من أن تعتذر الدولة لمواطنيها عن عدم قدرتها على حمايتهم من الاعتداءات التي كانت سببًا مباشرًا لحدوثها، تبادر بتعويضهم عن خسائرهم المادية والعينية، استغلت الدولة الاعتداءات بحق المسيحين لتحقيق مكاسب سياسية خاصة، وتعزيز موقف النظام: بدعوة حماية المسيحيين من عنف الإخوان، فعلى سبيل المثال، لاالحصر، انتقدت الإعلامية «لميس الحديدي» على فضائية «سي بي سي»، تصريحات ألمانيا بأنها تدرس خفض مبيعات الأسلحة لمصر، قائلة «أين مسيحيتهم؟ ألم يسمعوا عن الهجمات على الكنائس؟»، ثم عبرت عن دهشتها إن استطاعت أيًا من بلدان أوروبا «الكاثوليكية، والبروتستانتية» أن تدين العنف ضد جماعة الإخوان في سياق تلك الهجمات الطائفية.

وتحول الأمر برمته إلى كوميديا سوداء قاتمة، عندما يرى المتابع للأحداث نفس المؤسسة العسكرية التي دهست المتظاهرين المسيحين بمدرعاتها قبل عامين فقط، تستخدم الآن الهجمات ضد المسيحين لتبرير حكمها كحماة للوطن وللمسيحيين، ويرى المتابع الإعلام الحكومي الذي حرض الحشود على المسيحيين قبل عامين فقط، مطالبًا الشعب بالنزول للشوارع لـ«حماية جيشهم» من المسيحيين في مذبحة ماسبيرو، يشكو الآن من جماعة الإخوان الإرهابية التي تحرض على العنف ضد المسيحين!

فصل الدين عن السياسة

حملت قيادة الكنيسة الممثلة في شخص البابا تواضروس جزءًا لا يستهان به من مسئولية الخسائر التي طالت الأقباط، سواء في الأرواح أو الممتلكات، جراء إصراره على المضي قدمًا في إقحام الكنيسة في السياسة، حتى بعكس قناعاته الشخصية، والتي تؤمن بضرورة فصل الدين عن السياسة، والتي لم يترك مناسبة تمر دون أن يعلنها علانية، ففي المؤتمر الشعبي الذي أقيم على شرف زيارته الأولى لسوهاج في 18 أبريل (نيسان) 2013، أكد تواضروس أن «السياسة من التراب، أما الدين فهو من المقدسات، والخلط بينهما يسقط الدين ويفقده جوهره الحقيقي، ولذا فمن الأفضل أن يتم إبعاد الدين عن السياسة»، وفي حواره مع قناة الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 ، عاد تواضروس وأكد أن «الدين مثل البيضة ، والسياسة كالحجر إذا اختلطا خسرناهما»، وفي حواره مع الإعلامية «بسنت حسن» مقدمة برنامج «مثير للجدل» على  التليفزيون المصري في 30 أبريل (نيسان) 2014، عاد البابا وأكد نفس المعني قائلًا «الخلط بين الاثنين يفسد كليهما، ومن يرى أن الكنيسة تلعب دورًا سياسيًا لا يفكر جيدًا، والكنيسة تحتفظ بنقاوتها بعيدًا عن السياسة»، مؤكدًا أن «الكنيسة ليست مؤسسة سياسية على الإطلاق»، وبدلًا من أن يطلب البابا الصفح عن خطيئته التي لن تغتفر في حق المسيحيين الذين نهبت أملاكهم وممتلكاتهم وكنائسهم وأرواحهم؛ جراء إقحام نفسه في السياسة، خرج عليهم إمعانا في الاستفزاز؛ ليؤكد أن «وطنًا بلا كنايس أفضل من كنايس بلا وطن»!

العلاقة بين الكنيسة والإخوان

وبالرغم من أن العلاقة بين الكنيسة والإخوان لم تكن بهذا السوء كما يتصور البعض؛ فالرئيس المعزول محمد مرسى قام بتعيين الأسماء التي أرسلتها الكنيسة في مجلس الشوري، والتي كانت ـ كالمعتاد ـ رموزًا سيئة، شابهت مثيلاتها التي كان يختارها مبارك، وفي 25 فبراير (شباط) 2012 استقبل الأنبا «بيشوي» مطران دمياط «سعد الحسيني» عضو المكتب التنفيذي بحزب «الحرية والعدالة»، بكنيسة «الأنبا أنطونيوس» بالمحلة الكبرى، ومعه قيادات من الجماعة، وفي 6 سبتمبر (كانون الأول) 2012 هنأ الأنبا بيشوي مطران دمياط سعد الحسيني بمناسبة تعيينه محافظًا لكفر الشيخ.

وبمجرد فوزه بمنصب الرئاسة، وفي 27 يونيو (حزيران) 2012 استقبل مرسي وفدًا من الكنيسة، على رأسه الأنبا «باخوميوس» قائم مقام البطريرك؛ لتهنئته بالفوز بالمنصب، وضم الوفد الكنسي الأنبا «موسى»، والأنبا «هدرا»، والأنبا «أرميا» والأنبا «بيشوي»، وفي اليوم التالي كتب الأنبا موسى أسقف الشباب على حسابه بموقع «تويتر» تعليقًا على زيارته لمحمد مرسي، قائلًا «سعدنا بلقائنا مع الدكتور مرسي؛ إذ تعرفنا على قلب مليء بالطيبة والمحبة والتواضع، وامتلأ قلبنا بالطمأنينة بمشاعره الجياشة نحو جميع المصريين، بما فيهم الأقباط»، بل إن الكنيسة القبطية قد نسقت لزيارة مرسي لأمريكا، بحسب تصريح الأنبا «بولا» أسقف طنطا، والمتحدث الرسمي باسم الكنيسة لجريدة «اليوم السابع» في 21 سبتمبر (أيلول) 2012 قائلًا «الكنيسة تنسق لنجاح زيارة الرئيس مرسي لأمريكا، ولا شك أن مرسي هو رئيس كل المصريين، ويهمنا نجاح رحلته، لذا فالأنبا «ديفيد» يقوم بعقد اجتماع الآن في أمريكا لتنسيق زيارة الرئيس».

وبينما كان الشارع المصري يغلي ضد نظام الإخوان، ويتم تهجير المسيحيين من قرى الصعيد، وقبل أقل من شهر على مظاهرات 30 يونيو (حزيران) التي يجري الإعداد والتحضير لها على قدم وساق، خرج البابا تواضروس في حوار لبرنامج «90 دقيقة»، على قناة «المحور» في 4 مايو (أيار) 2013؛ ليطالب الشارع بالهدوء، ويمدح محمد مرسى، ورئيس وزرائه «هشام قنديل»، ونظامه، ويؤكد أن ما يحدث في مصر «هي مقدمات خير»!، وإجمالًا لم يصب الأقباط بأضرارفي عهد الإخوان، بقدر ما أصابهم في عهد السيسي من اختطاف وحرق كنائس، واعتداء وحشي من الشرطة على الأقباط، والاعتداء عليهم، وتعذيبهم، كما حدث في واقعة «جبل الطيرفي» 16 سبتمبر (أيلول) 2014 على سبيل المثال لا الحصر.

كنيسة يوليو 52

بعد خلع محمد مرسي و نظامه، أعلنت الكنيسة ولاءها للنظام الجديد، وارتمت في أحضانه كعادتها، لتجد الفرصة مواتية لإعادة بسط قبضتها القوية على شباب الأقباط الذين خرجوا من تحت عباءة الكنيسة السياسية في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وأعلنوا رفضهم للانصياع وراء توجيهات الكنيسة وتدخلها بالسياسة، وأثروا الانسحاق حرفيًا تحت مدرعات الجيش المصري في ماسبيرو في 9 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 بدلًا من الخضوع للعلاقة الآثمة بين «دولة يوليو» العميقة والكنيسة، والتي كانت الكنيسة قد فرضتها عليهم منذ نهاية الخمسينيات، بعدما استلمت «عهدة» الأقباط من الدولة، لتصير الكنيسة ـ حرفيًا ـ دولة موازية للأقباط، تمارس دورها السلطوي على حياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، وحتى الأحوال الشخصية للمسيحيين أصبحت الكنيسة تتحكم فيها بدلًا من الدولة، وصار هناك أسقفية للشباب، وأسقفية للخدمات العامة والاجتماعية على غرار وزارات الدولة، وافتتحت الكنيسة المستشفيات والمدارس المسيحية، لتصير سلطة رجال الكهنة على المسيحيين سلطة لا يماثلها أية سلطة أخرى، وأصبحت الدولة تتعامل مع المسيحيين باعتبارهم قبيلة، وكتلة واحدة يمكن التحكم فيها عن طريق شيخ القبيلة الممثل في شخص «البطريرك» أو حتى الأسقف.

وبالتجربة، وجدت الدولة أن تلك الطريقة هي الأمثل في التعامل مع الأقباط، واستغلتها في نواحي شتى، بداية من استغلال أصوات الاقباط لترجيح كفة مرشحي حزب الدولة في الانتخابات البرلمانية، إلى الضغط على الأقباط لقبول جلسات الصلح العرفي البغيضة، انتهاء باستغلال الأسقف أو البابا لتجميل وجه النظام في الخارج، خصوصًا فيما يتعلق بمسألة الحريات الدينية واضطهاد الأقباط أنفسهم، حتى أتت ثورة يناير (كانون الثاني)، ولأول مرة وجدت الكنيسة نفسها غير قادرة على السيطرة على شبابها وإخضاعهم تحت سيطرتها مرة أخرى، ففي كلمته للشعب المكلوم بعد صلاة الجنازة على شهداء كنيسة القديسين بالإسكندرية في 1 يناير (كانون الثاني) 2011، وجه الأنبا «يؤانس» سكرتير البابا آنذاك، وأسقف أسيوط الحالي، الشكر لرئيس الجمهورية، فانتفض الشاب «مينا دانيال» صارخًا «لاااا… لاااااا»، ليشعل الكنيسة كلها بصيحات الرفض الهادرة، وفي اليوم التالي خرجت مظاهرات الغضب القبطي من شبرا، وتوجهت إحدى المظاهرات يقودها مينا دانيال للكاتدرائية، التي صارت أشبه بمعسكر للأمن المركزي المتمركز بداخلها؛ للسيطرة على مظاهرات الأقباط الغاضبة، وتمكن يؤانس من الإمساك بمينا دانيال، وسلمه بيده للأمن المركزي، بعد أن صفعه على وجهه، بدعوى أنه «مش مسيحي، ومن العناصر الإيثارية المثيرة للشغب» على حد تعبير يؤانس نفسه، بالرغم من الصلبان الموشومة والواضحة على يد مينا، ولم تفلح محاولات الشباب القبطي للتفاهم معه لإطلاق سراحه، حتى تدخل القمص «بطرس بطرس جيد» متوسطًا لدى يؤانس حتى أطلق سراح مينا؛ مقابل مغادرة المكان مع رفاقه، وكانت الذروة عندما أصر الأقباط على الاعتصام أمام ماسبيرو، مطالبين بتنفيذ دولة القانون ومحاسبة الجناة، فأرسل البابا «شنودة» لهم الأنبا «يؤانس» مهددًا إياهم قائلًا «صبر الحكام قد نفد، وأنتم الخاسرون إذا استمر اعتصامكم»، فضربوا بتهديده عرض الحائط قائلين «نحن مواطنون يطالبون بحقوقهم المدنية»، وعندما تلقى يؤانس اللوم من إحدى الجهات السيادية لفشله في فض الاعتصام، أجابهم قائلًا «مش انتوا اللي استجبتوا لمطالبهم، وحسستوهم بقيمتهم وكبرتوهم علينا؟ اتصرفوامعاهم، احنا ملناش كلمة عليهم»، وبعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على مذبحة ماسبيرو، استقبل البابا شنودة بعض أعضاء المجلس العسكري في قداس عيد الميلاد 6 يناير (كانون الثاني) 2012، ووجه لهم التحية خلال عظته قائلًا «أهنئكم أيضًا بحضور هذا العدد المميز والمشرف من القيادات العسكرية التي تحبنا ونحبها، والتي عملت كل جهدها من أجل رفعة البلاد»، فقاطعه بعض شباب حركة ماسبيرو بالهتاف «يسقط يسقط حكم العسكر»، فيما قابل الحضور كلمة البابا بالتصفيق، واستمر الهتاف المناهض للمجلس العسكري نحو دقائق، وسط تجاهل تام من البابا شنودة الذي حاول جاهدًا رفع صوته في مكبر الصوت متعمدًا؛ للتغطية على صوت الهتافات، قبل أن يخرجهم شباب الكشافة الكنسية عنوة للخارج لمنعهم من الاستمرار.

يتبع غدًا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ماسبيرو
عرض التعليقات
تحميل المزيد