«ثق بإخوانك» لافتة يرفعها كثيرٌ من الإخوان في وجه كل من ينتقد قرارًا للقيادة، أو يبدي رأيًا مخالفًا، أو يسأل عن حكمة توجه ما، أو يطالب بالمحاسبة عن خطأ أو تقصير.

فمفهوم الثقة -من وجهة نظرهم- أن يُسلِّم الأخ تلقائيًّا بصلاح القيادة وكفاءتها وحكمتها وصواب كل قراراتها، وأن ينفذ الأوامر الموجهة إليه دون نقاش أو اعتراض.

والثقة -من وجهة نظرهم- حق أصيل للقيادة، يحصل عليها كل من تقلَّد موقعًا قياديًّا في أي مستوى إداري وتنظيمي.

والثقة -من وجهة نظرهم- واجبٌ على كل أخ لا يصح أن يستمر عضوًا بالإخوان المسلمين دون أن يلتزم بها، وفق التصور سالف الذكر.

ويصبح مطعونًا في مدى تحقق ركن الثقة في أخ إذا كان كثير الانتقاد وإبداء الرأي، وإذا كان كثير التساؤلات راغبًا في المساءلة والمكاشفة والمحاسبة.

ويترتب على هذا الفهم تقديم الإخوان المنفذين بلا مناقشة وتزكيتهم وتصعيدهم، وإسناد المهام التنظيمية إليهم. في حين يتأخر أصحاب الرأي الراغبون في المناقشة والمساءلة، المطالبون بالشفافية والمشاركة في صنع القرار.

وبمرور الزمن يصعد المنفذون الموظفون إلى مراكز القيادة الوسطى والعليا بآفاقهم الضيقة وقدراتهم المحدودة على التفكير وصنع القرار الإستراتيجي، فيصبح رأس الجماعة معطلًا جامدًا، فتضمحل الجماعة حتى تذوب وتتلاشى.

ويترتب على هذا الفهم أيضًا أن تتركز سلطة القرار في يد مجموعة صغيرة في القيادة العليا، ومجموعات صغيرة في القيادة الوسطى في كل قطاع جغرافي وقسم فني، دون أن يشاركهم جمهور الإخوان، ودون أن يسائلوهم، ودون أن يحاسبوهم؛ فتخرج كثير من القرارات معيبةً ناقصةً، ويتراكم العيب والنقص حتى تتخبط الجماعة وتخرج من حفرة إلى أزمة، ولا تدري كيفية الخلاص منها.

ويترتب على هذا الفهم كذلك أن تخسر الجماعة عقول النابهين من أبنائها، بحجة أن لديهم عيبًا في ركن الثقة، فإما أن ينزوي أصحاب هذه العقول في جنبات الجماعة بلا فاعلية، وإما أن يتخذوا قرارًا مؤلمًا بالخروج من الجماعة بلا رجعة.

حدث هذا كثيرًا ويحدث، ولا يماري في ذلك إلا من يُصرّ على دفن رأسه في رمال لن تغنيه شيئًا.

والأمر يتطلب أن نعود إلى نص كلام مؤسس الإخوان عن الثقة، وسوف ندرك بعد قراءته قراءة عميقة مدى الفجوة بينه وبين هذا الفهم المغلوط والممارسات المنحرفة، وسوف ندرك بعد دراسته على مهل كمّ الشوائب التي رانت على هذا المعنى، والتي ينبغي أن يُنقي منها الإخوان منهجهم، وهم على أعتاب التأسيس الثالث لجماعتهم.

يقول البنا في رسالة التعاليم:
«وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة.
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا).

والقائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها ونجاحها في الوصول إلى غايتها وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب
(فأولى لهم طاعة وقول معروف).

وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا.

والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات، لهذا يجب أن يسأل الأخ الصادق نفسه هذه الأسئلة ليتعرف مدى ثقته بقيادته:
١ – هل تعرف إلى قائده من قبل ودرس ظروف حياته؟
٢ – هل اطمأن إلى كفايته وإخلاصه؟
٣ -هل هو مستعد لاعتبار الأوامر التي تصدر إليه من القيادة -في غير معصية طبعًا- قاطعة لا مجال فيها للجدل ولا للتردد ولا للانتقاص ولا للتحوير؟ مع إبداء النصيحة والتنبيه إلى الصواب؟
٤ – هل هو مستعد لأن يفترض في نفسه الخطأ وفي القيادة الصواب إذا تعارض ما أمر به مع ما تعلم في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص شرعي؟
٥ – هل هو مستعد لوضع ظروفه الحيوية تحت تصرف الدعوة؟ وهل تملك القيادة في نظره حق الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الدعوة العامة؟

وبالإجابة على هذه الأسئلة وأشباهها يستطيع الأخ أن يطمئن على مدى صلته بالقائد وثقته به، والقلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء
(لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)».

هذا نص كلام البنا عن الثقة، إنه يريد ثقة متبادلة بين القادة والجنود، وليس للقادة فقط كما يظن أصحاب الفهم المغلوط.

والثقة عند البنا ليست حقًّا مكتسبًا يحوزه القائد لمجرد أنه قائد، ولكنها تنبني على دراسة عميقة لشخصية القائد في ناحيتين: الكفاءة والإخلاص. فلا يكفي أن يكون القائد تقيًا صالحًا حتى يستحق الثقة، بل ينبغي أن يتسم إلى جانب الصلاح بالكفاءة اللازمة للقيام بمقتضيات موقعه القيادي.

وبديهي أن هذه الدراسة العميقة تستوجب من الجندي كثرة السؤال والنقاش والتحري والمتابعة والمراقبة.

ومنطقي أن هذه الدراسة العميقة تستوجب من القيادة أن تجيب عن هذه الأسئلة، وأن تناقش وتوضح.

وطبيعي أن هذه الدراسة العميقة تتطلب مناخًا شفافًا وأجواءً صحيةً تشجع الجندي على أن يقوم بهذا الدور دون أن ترفع في وجهه لافتات مشهورة مثل: «لا تشق الصف»، ومثل «إخوانك اللي فوق عارفين كل حاجة».

لقد أراد البنا أن تكون علاقة الجنود بالقيادة على ثلاث مراحل:
أولها: مرحلة الدراسة العميقة لكفاءة القيادة وإخلاصها، وفيها يكثر السؤال والنقاش، ويُهيأ المناخ الشفاف الصحي لتحقيقها.
وثانيتها: تحقق الثقة المتبادلة بناءً على تلك الدراسة العميقة.
وثالثتها: طاعة القيادة في غير معصية وفيما لا يخالف نصًّا شرعيًّا.
فلا طاعة بغير ثقة، ولا ثقة بغير دراسة عميقة.

وهكذا نجد أن الخطوة المحرمة -وفق الفهم المغلوط- هي عينها الخطوة التأسيسية لتحقيق الثقة، وفق منهج البنا رحمه الله.

وللحديث بقية إن شاء الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثقة
عرض التعليقات
تحميل المزيد