لم تكن الزوايا منذ نشأتها ذات توجه ديني خالص، بقدر ماكان منشؤها لأغراض مصلحية، وأطماع شخصية، ولعل سنوات الاستعمار في الجزائر قد رفعت الحجاب عن الكثير مما كان مستورا بغطاء الدين والتديُّن، ناهيك عما كشفته لنا جمعية العلماء المسلمين من خفايا وأسرار هذه الطرق، التي هزت عرش الإسلام في الجزائر، وحرفت طريقه، ليصبح العمى ملازما، والجهل معلما، نقتدي بهما في شؤوننا الدينية والدنيوية.

والسياسة كتصريف وتنظيم لشؤون المجتمعات، لم تخل من الفساد، ولعل ما نقلته لنا كتب الماضين – من أدب وفكر – في هذا أبلغ دليل على ذلك، وكما أن الإسلام مشربنا خلقا، دينا ودنيا، فلابد للأدب أن يكون ساقينا، وفي أحوال الساسة والسياسة يقول الأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه «النظرات» ردا على سائل يسأله لماذا لا يكون سياسيا ويتسع قلمه للسياسة كما إتسع للأخلاق والأدب؟ فيجيبه بحكمة الواعي: «أنا لا أحب أن أكون سياسيا، لأني لا أحب أن أكون جلادًا، ولا فرق عندي بين السياسيين والجلادين، إلا أن هؤلاء يقتلون الأفراد، وأولئك يقتلون الأمم والشعوب» وما موت مجتمعنا الجزائري وتعطيل حركيته إلا بسبب ما تبثه هذه الطرق من أفكار صوفية مارقة، كيف لا وهي التي تركض خلف المناصب السياسية، ولاء لها، وإتباعا لمنهجها.

وعلى العموم فإن للزوايا الجزائرية علاقة وطيدة بالسياسة، وقديمة إلى حد ما، تعود إلى أيام الاستعمار الفرنسي، حيث لم يكن آنذاك منتسبوها في طليعة المقاومين للمستعمر كما يعتقد بها المتزمتون، حين نسبوا رمز المقاومة الشعبية «الأمير عبد القادر» إلى الزاوية القادرية، إحدى الطرق الصوفية المشهورة، وهو بريء من شعائرها وتوجهاتها.

فبالرغم من انحسار هذه الطرق من قبل جمعية العلماء المسلمين أثناء الاستعمار والنظام البومديني بعد الاستقلال، إلا أن الأوضاع انقلبت مع تولي عبد العزيز بوتفليقة للرئاسة عام 1999، الذي أعطى لهذه الزوايا نفسا جديدا وجعلها تابعة لرئاسة الجمهورية لا لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف. حتى تنغمس في السياسة من أخمص قدميها إلى آخر شعرة من رأسها.

وتحصي الجزائر اليوم أكثر من 380 زاوية لها أربعة آلاف مدرسة قرآنية، يتبع مريدوها طرقا صوفية متعددة أشهرها القادرية والرحمانية والعلوية وبلقايدية والتيجانية المنتشرة في العديد من دول العالم، ويتبعها أكثر من 350 مليون شخص عبر العالم.

وبسبب مكانتها وسلطتها المعنوية المستمدة من الدين المحرّف ومن قرب مشايخها للرئيس بوتفليقة، باتت هذه الزوايا مقصدا للوزراء وللشخصيات السياسية للتقرب من مشايخها لتجديد الولاء للرئيس، كما يقصدها كل من حلت عليه لعنة النظام لفك هذه اللعنة، وبالتالي فإن انغماس هذه الزوايا في السياسة وتلميع صورة السياسيين ومنح «صكوك الغفران» لهم، أمر اعتبره البعض انحرافا خطيرا يشوه تاريخها؛ وقبل أن أعرض واقع هذه الزوايا لا بد لنا من طرح موقف جمعية العلماء المسلمين منها، وكيف تمت محاربتها؟

جمعية العلماء المسلمين ومحاربتها للطرق الصوفية.. قراءة تاريخية

تعتبر جمعية العلماء المسلمين من الجمعيات التي وقفت في وجه الزوايا والطرق الصوفية التي تملأها الخرافات والأساطير، فهي اتخذت في منهج إصلاحاتها وأولى برامجها أن تكون العقيدة أولى المشكلات التي يجب معالجتها وتطهيرها من الشوائع التي ذرتها عليها الزوايا الصوفية، وبدون هذا التطهير لن يكون هناك توحيد صحيح، ولا وحدة وطنية حقيقية، ونجد هذا مكتوبا في الفصل الثالث، من ميثاق جمعية العلماء المسلمين، حيث تقر المادة – 69 – النص التالي: «…والعقيدة الحقة لها ميزان دقيق وهو الكتاب والسنة، فإذا عرضنا أكثر عقائد الناس على ذلك الميزان وجدناها طائشة، فأي سبيل نسلكه لتقويمها، إن اقتصرنا على بيان العقيدة الصحيحة واجتهدنا في إقامة الأدلة، فإن التأثير يكون قليلا، لأن النفوس قد اصطبغت بعوائد وتقاليد مستحكمة، والفِطر قد فسدت بما لابسها من خرافات وأوهام، فالواجب إذن أن نبدأ بمحاربة تلك البدع والخرافات بطرق حكيمة تقرب من أذواق الناس، فإذا ماتت البدع والخرافات وصَفَت الفِطر من ذلك الشوب سهُل تلقين العقيدة الصحيحة وتلقّتها النفوس بالقبول».

ويا ليت شعري لو تحقق هذا البند فقط، لكانت الجزائر قد استقلت منذ نشأة هذه الجمعية، ولكن للأسف لم يتحقق، ذلك أن اجتماع المستعمر مع هذه الزوايا قد شكل قوة كبيرة في وجه القلة من الشعب الواعي الذي تمثله هذه الجمعية، ونلاحظ أنّ في أيام الحملة الكبرى على الحكومة الفرنسية ظهر هؤلاء بمظهر مناقضٍ للدين، فكشفوا الستر عن حقيقتهم المستورة، ووقفوا في صف الحكومة الاستعمارية مؤيِّدين لها، خاذلين لدينهم وللمدافعين عن حريته، مطالبين بتأييد استعباده، عاملين بكلِّ جهدهم على بقائه بيد حكومة مسيحية تخربه بأيديهم وتشوِّه حقائقه بألسنتهم، وتُلوّث مُحارِبُه ومنابره بضلالتهم.

ويقول العلامة والمصلح الإمام البشير الإبراهيمي رحمة الله عليه: «وما هذا السلاح في حقيقته إلا طائفة ربّاها الاستعمار على الطمع الخسيس، وما يَلِدُهُ الطّمعُ من خُنُوع واستِكانة، وراضها على التقليد له والإئتمام به، وطبعها على الإخلاص له والتفاني في خدمته، وسَلَخَهَا من هذه المعاني التي يعتزُّ بها الرِّجال، من الضمير الوطني، والشعور الديني، والقيمة الشخصية، والإرادة المستقلة، ودرجها في مدارج (التسليك) الحكومي إلى مقام التجرد والفناء، فلما تم له ذلك منها، وأصبحت منه كالميت من غاسله، صرفها في أغراضه، وسخرها في مصالحه، واتخذ منها وسائل لغاياته؛ فتارة يثير بها الغبار في وجوه العاملين، وتارة يلهي بها الأمة والألسنة والمجالس، ليشغلها بالباطل عن الحق وبغير المفيد عن المفيد، وتارة يقيم منها ضرارًا للحق وضرة لأهله، وهو في كل ذلك يلتمس بها ما يلتمسه المبطل إذا خانته الحُجة”.

ومبنى هذه الأسلحة الدينية الفتاكة – الزوايا الصوفية – في ظاهر أمرها وباطنه على حيوانية شرهة لا تقف عند حد في التمتع بالشهوات، والانهماك في اللذائذ، وجمع الأموال من طريق الحرام والحلال، واصطياد الجاه، وحب الظهور، والاختلاط بأهل الجاه، وإيثارهم والتزلف إليهم؛ لهذا يضيف الإمام البشير الإبراهيمي قائلا: «عرفنا هذا من الإدارة الاستعمارية حتى ما يغالطنا فيه أحد، وعرفنا من هذه الطائفة أنها كانت في تاريخ الاستعمار طلائع لجنوده، وأعمدة لبنوده، وشباكًا لصيده، وحبائل لكيده، وأنها كانت ومازالت، في المواقف الوطنية والأزمات القومية، داعية هزيمة ووسيلة تخذيل، وأن من المخجل أن نسمي أفرادها أناسيّ تعقل وتعي وتشعر، وإنما هي آلات وأدوات تُسخّر وتسيّر… ولما فضحناهم من هذه النواحي كلها لجئوا إلى العامة يستصرخوها بإسم الغَيْرة على الأوائل… وإنَّ كثيرًا منهم ليعني بالأوائل أباه القريب وجدَّه؛ وقد كان في هؤلاء الأوائل الذين يعنونهم من ينتحل ظواهر من التَّديُّن، وفيهم من يفعل فعل الأبالسة».

ولا تتعجب إذا كان الاستعمار لا يجد مُبتغاه إلا في طائفة مخصوصة تسمى الزوايا، ولكن تأسف لهذه الطائفة التي تُمكن للاستعمار أن يعبث بكرامة الدّين، فيستخدمها باسمه، وأن تكون لها – مع هذا – دعوى في الدين.

ليس هذا فقط، ذلك أنهم لو أكلوا أموال الناس بالباطل، وتسلطوا بتآمرهم وتحالفهم مع الأنظمة ضد الشعوب، من غير أن يتَّخذوا الدِّين شباكًا لهان أمرهم على النَّاس ولاتَّقوهم به اللُّصوص، ولوَكَلْنَاهم نحن إلى القوانين والوَزَعَة… فأما أن يعبثوا بالدين كلّ هذا العبث وبما حرّم الله من أعراض المسلمين وأحوالهم، ثمَّ يريدون أن نسكت عنهم كما سكت العلماء من قبلنا، فلا والله ولا كرامة.

لهذا أقول وأكرر، إذا كان مبدأ «جمعية العلماء المسلمين» هو الإصلاح الديني بأوسع معانيه، وعقيدتهم في الطُّرق هي أنها علة العلل في الإفساد ومنبع الشرور، وأن كل ما هو متفشّ في الأمة من ابتداع في الدين، وضلال في العقيدة، وفساد في السياسة والاقتصاد، وجهل بكل شيء وغفلة عن الحياة، وإلحاد في النَّاشئة، فمنشؤه من الطرق ومرجعه إليها، فإن هذا لصحيح مائة بالمائة، لأن الطرقية – الزوايا – في صميم حقيقتها: احتكار لاستغلال المواهب والقوى، واستعمار بمعناه العصري الواسع، واستعباد بأفظع صوره ومظاهره».

الزوايا.. من الدين المتصوف.. إلى السياسة

ما يحدث اليوم في الساحة السياسية، ليس مختلفا عن الأمس القريب، ذلك أن الزوايا كانت داعما للحكومات الاستعمارية التي تعاقبت سلطتها من الأولى إلى السابعة، واليوم هي تقف إلى جانب الفساد والبيروقراطية المتفشية في أوساط المجتمع، وإن كان النظام له قبضة من حديد على هذه الزوايا فإن هذه الأخيرة لها قبضة من فولاذ على الشعب، ومن المؤسف جدا أن نلاحظ دخول الزاوية المرزوقية على خط السجال السياسي المشتعل في الجزائر، على خلفية عودة وزير النفط السابق شكيب خليل – المتهم بأعظم ملفات الفساد – إلى الواجهة من بوابتها الواسعة، أثارت جدلا واسعا في الأوساط الدينية، بسبب ما أثير حول توظيف الزوايا الصوفية في التجاذبات السياسية، فبعد وضعها في مواجهة التيارات الإخوانية والسلفية التي يتهمونها بالتطرف، يجري استغلال ثقلها الديني والاجتماعي في توزيع صكوك الغفران السياسي، على شخصيات لا زالت محل شبهة من قبل الرأي العام والقضاء، وخلق قرار استضافة الزاوية المرزوقية بمحافظة الجلفة.

حيث كان شيخ الزاوية المرزوقية «عبدالقادر ياسين»، قد صرّح لوسائل الإعلام، بأنّ استضافة هيئته للوزير «شكيب خليل»، نابعة من قناعتها ببراءة الرجل وبالظلم الذي تعرّض له من طرف جهات معينة في السلطة، وأنه لا يوجد شيء رسمي في مؤسسة القضاء الجزائري ضد شكيب خليل، ومن يحمل أدلة على ما عرف بضلوعه في قضايا فساد، عليه أن يقدمها للعدالة الجزائرية. دون أن يدلي بدلوه حول الاتهامات المحققة من قبل القضاء، ولا عن عدد الملفات التي تنسب إليه، حتى ولو كانت هذه مؤامرة، فأين القضاء في بلاد قد خيم على عدله ظلام السلطة؟

ثم يضيف – دون أن يستحي لسانه من قول الباطل – على أنّ «وقوف هيئته خلف الرئيس بوتفليقة، وهي داعمة له في كل ما يقوم به، وأنّ تأييدها له ولرجالاته نابع من شعورها بضرورة رد الجميل للرجل، نظير ما قدمه للزوايا وللفكر الصوفي منذ اعتلائه قصر المرادية عام 1999، فقد مرّ وقت على الدور الصوفية كادت تختفي فيه تماما، بسبب المد التوسعي لتيارات الإخوان والسلفية وتيارات الإسلام السياسي، الأمر الذي جر البلاد إلى عشرية حمراء، بسبب تنامي أفكار التطرف والتشدد الديني».

كل هذه التصريحات في وجه الحق، لم تكن إسعافا وتطهيرا لشخصية وزير النفط السابق، بل كانت بابا للولوج داخل عمق السياسة، وللسياسة باب يسمى الفساد، وللفساد أعوان، وهؤلاء هم خدمه، فهل يمكن أن نعتبر الزوايا الآن دورا للتعبُد؟ بالطبع لا، ذلك أنها لم تكن في السابق، ولن تكون اليوم، ولك أن تبحث بعين الواعي لا بعين المقلد التابع.

فالواقع إذًا يكشف لنا أن الزوايا التي اعتادت الوقوف الى صف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة دون قيد أو شرط، على مر الثلاث عهود السابقة، تحفظت وترددت في مساندته للمرور إلى الرابعة وفضّلت ضبط حساباتها لخدمة مصالحها على نحو صحيح قبل أن تراهن على مساندته، استنادا لما جاء في تعليق المحللة السياسية الألمانية «ايزابيل ويرانفال»، المتخصصة في الطرق الصوفية بالمغرب العربي، عشية الانتخابات الرئاسية، موضحة، في سياق ذلك، بأن «الاتحاد الوطني للزوايا ليس منظمة منسجمة، فبعض أعضائها مقربون من الرئيس بوتفليقة، بينما يحتج أعضاء آخرون على أن الزوايا لا تتم معاملتها بطريقة متساوية وعادلة»؛ فهي لا تكفيها أن يكون رداؤها دينيا فقط، بل تطالب لتكون سياسية، وهو أبرز دليل على أن ابتعاد هذه الزوايا عن الدين هو كبعد الأرض عن السماء، أو بالأحرى أن الدين بريء من أفعال هذه الزوايا كبراءة الذئب من دم يوسف.

وأضافت المحللة السياسية أن «زاوية مثل البلقايدية أو الهبرية (الدرقاوية) قدّمت لها مساعدات وإعانات كثيرة من قِبل الرئيس بوتفليقة مقابل مساندتها له، بينما زوايا أخرى فضلت مساندة نظام سمح لها، منذ 20 إلى 30 سنة، بالعودة إلى الساحة بعد مرورها بمرحلة صعبة طبعها التهميش والإقصاء في فترة حكم بومدين». وهذه التفاصيل تكشف، إلى حد ما، الأبعاد الخلفية من وراء زيارة إطارات عسكرية سامية ومسؤولي أحزاب ورؤساء ووزراء وغيرهم لزاوية الهامل (الرحمانية) والتيجانية والقادرية والعلوية والبلقايدية وغيرها.

إن ما قامت به الزاوية «بغسل عظام شكيب» التي تلطخت سمعته بملفات الفساد، وهرولة الكثير من الشخصيات السياسية – ومنهم الوزراء – في طلب بركات شيوخ الزوايا للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، يعدّ «توظيفا سياسيا سيئا للدين لأغراض سياسية وهم الذين يعيبون على غيرهم ذلك»، وما أصدق جمعية العلماء المسلمين، حين وضعت بندا كاملا وهدفا واضحا لمحاربة هذه الزوايا التي تحالفت مع الاستعمار سابقا، وتتحالف اليوم مع الفساد.

فأيُّ منفذ للجزائري البسيط الذي يريد طريقا لله وحياة كريمة، دون أن يُقضى فيه على حقه، ويهضم فيه صوته، ذلك أن المواطنة وحدها لا تكفيه، ولا استقلال عن هذه الزوايا يسعفه من الإذلال الذي لحق به، إلا من كان تابعا لإحدى الطرق الملعونة، أو تحزبا مع إحدى الفرق السياسية المشؤومة، فلا هذا ولا ذلك سيرتفع بالجزائر دينا ودنيا. أفيقوا من غفلتكم يرحمكم الله، وابحثوا في قلوبكم عن ذرة حق تدفعكم بالدفاع عن دينكم، قبل أن يهضم وتهضم معه حقوقكم الوطنية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- القانون الداخلي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، للمزيد أنظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1997
- محمد البشير الإبراهيمي، مقتطفات من تصدير جمعية العلماء المسلمين، مكتبة الرضوان، الجزائر، 2008
عرض التعليقات
تحميل المزيد