ليستِ الشماتةُ من أخلاقِ الكرماءِ، ولا ينبغي لها أن تكونَ، إذ لايرغبُ أحدٌ أن يصيبه أيّ شرٍّ، ولو كان الشامتً في محلّ المشموتِ بهِ لربما كان مثلَه إن لم يكن أسوأ منه حالًا! وعليهِ فإنّ ماحلّ في العالم من جائحة عامة شملت كل أجناس البشر في كل مقام ومكان هي الأقل استحقاقًا للشماتة من غيرها، إن كانَ هنالك مايُجيزُ الشماتة أصلًا، ولكنّها بلا ريبٍ، الأكثرُ استحقاقًا للتدبّر والمقارنةِ والتمثيلِ، خُصوصًا وقد عمّ هذا البلاءُ دولَ العالمِ الغنيةِ، والفقيرةِ، والمتقدمةِ، والمتخلفةِ، والديمقراطيةِ، والدكتاتوريةِ، الصغيرةِ، والكبيرة، دونَ تفريقٍ أو محاباة.

والذي يلفِتُ الانتباهَ – ولحكمة خفيّة – أن فيروس (الكوفيد-19)/كورونا هذا قد انفجر (فيهم) أي في سكان دول العالم المتقدمةَ و(الأشدِّ) ديمقراطيةً – على الأغلب – أكثر مما حدث (فينا) نحن سكان أغلب دول العالم المسكينةِ التي تئِنُّ منَ الفَقر والجَهل والتخلف والدكتاتورية.

وإذ نَنظرُ نَحن سكانُ هذه الدولِ الفقيرةِ المسكينةِ مَفجوعينَ إلى المصيبةِ التي أصابتنا وأصابت بني جنسنا في الدول المتقدمة، نَقفُ وقد ملأَنا الحُزنُ والأسى لما يصيبُ مئات الآلاف من المساكين من أبناءِ تلك الدولِ، رُبما بسبب دورِ قادتها في زيادة تفاقُم الأزمة وانفجارها على رؤوسِ ساكنيها، ونحن لا نمنُّ عليهم أبدًا فيما يغمرنا من حزنٍ وأسى على ما يصيبهم، فهذا خُلُقٌ إنساني لطالما سكنَ نفوسنا وتَنَعُّمنا به، وهو أقلُّ ما نستطيعُ فعله الآن ونحن محجورون في بيوتنا بسبب ذاتِ الفيروسِ الذي نزلَ بلاءً بِهم وبنا.

ولكننا لا يفوتنا بأن موقفهم لم يَكن دائمًا كموقفنا هذا، فهُم في أغلب المواقف لم يفعلوا شيئًا عندما تمكنوا، بل لم يحزَنوا ولم يهتمّوا (في الأعمّ الأغلب) بما حصل ويحصُل لأبناء الدولِ المسكينةِ من مصائبَ وبلايا، هذا إن لم يشُب سكوتَهم شيءٌ من الشماتة، بل حتى الرضا والزهو الخفي أحيانًا.

وقد عانى سكان الدولِ المسكينةِ من جميع انواع العذاباتِ التي يعاني منها – ولأول مرة منذ عقودٍ – أبناء الدول المتقدّمة، بل إنّ معاناتهم كانت ولا زالت أكبر وأعتى وأعمق بكثير مما يعاني منه سكانُ الدولِ المتقدمة الآن، وهناك من الامثلة الكثير مما لا يسعُ المقامَ ذكرُها.

فالمرضى في الدول المتقدمة يعانون الآن من سوء أحوالهم في المستشفيات وعدم كفايتها لمرضاهم، بل إن صورًا لمرضى رُقّدوا في الشوارع ومرائب السيارات انتشرت الآن، ربما لسوء تقدير ساستهم ومديري مؤسساتهم الصحية لحاجتهم الحقيقية لحجوم مستشفياتهم وعدد أسرتها وعدد أجهزة الإنعاش فيها، ولكن هذا هو تمامًا ما عانت ولا زالت تعاني منه الدول المسكينة دائمًا لأسباب معروفة.

وها هي اليوم أعداد ضحايا الدول المتقدمة في هذه الجائحة تتجاوز 100 ألف بكثير ولا يُدرى إلى أي عدد من مئات الألوف ستصل، فيما تجاوز عدد مصابيهم المليونين بكثير. ونحن أهل البلدان المسكينة، بالرغم من أننا معهم في ذات المصيبة، إلا أننا ننظُر إلى هذه الأعداد مذهولين مرتعبين محزونين داعين خائفين راجين رحمة ربِّنا لهم ثمّ لنا، ناشرين فاجعتهم هذه على صفحاتنا ومواقعنا أكثر من فواجعنا في ذات المصيبة.

ولكنهم نادراما فعلوا ذلك من اجلنا في نَكَابتنا المستمرة المُستديمة، فقد كانوا ينظرون ببرودٍ مُجحفٍ إلى أعداد قتلى وموتى الدول المسكينة في مصائبهم المتتاليةِ المتتابعةِ والتي بلغت مئات الالوفِ، وعدد الجرحى والمصابين وقد جاوزت الملايين في العقد الأخير فقط، عادّين أعداد ضحايا هؤلاءِ مجردَ أرقام تتضاعف كل يوم لا غير، لاناس يسقطون كأوراق الشجر في حروب مفروضة على تلك الشعوب، لا ناقةَ لهم فيها ولا جمل، أتت على الأخضر واليابس في هذه البلدان المسكينة ولا زالت إلى اللحظة!

ويعتصِرُنا الالم العميقُ ونحنُ نرى – للمرة الأولى في حياتنا – المئاتِ منهم يتساقطون ويُدفنون في مقابر جماعيةٍ بعيدًا عن أهاليهم وذويهم بلا طقوس أو شعائر، ويهالُ عليهم التراب بالجرافات والآلات بدلًا عن الأيدي، في مشهد رهيبٍ مفزعٍ ومخيفٍ. إلا أننا لا ننسى أن مئات الآلاف من أبناء الدول المسكينة المنحوسة دُفنوا أيضًا في مقابر جماعية، ولكن بأيدي حكوماتهم أو في حروب طائفية أو إثنية أو بلا أسباب محددة أحيانًا، كما حدثَ ويحدث في دول الشرق الاوسط وافريقيا وغيرها كثير. ورغم آهات هؤلاء المساكين وتوسلاتهم إلا أنّ أحدًا من الدول العالية القدر لم يذكرهم بشيء حينَها (ولا زال)، بل إن شبكاتَ إعلامهم تعمّدت ولاتنفكُّ تتعمّدُ التكتّم والتعتيمَ على تلكَ الكوارثِ وكأنها متعاقدة مع المجرمين في جرامهم النّكراء. ولا يُستثنى من ذلك إلا النّزرُ القليلُ من أفرادٍ أو قنواتٍ اعلاميةٍ ذكرت أرقامَ المُبادين في خبرٍ من أخبارها الثانوية.

واليوم يَطوي كثيرٌ من سكان الدول المتقدمة ليلهم بلا طعام أودواء، فهذه الجائحة الجامحة أتت على مصادر رزقهم، وأصبحوا بين عشية وضحاها عاطلين بلا عمل، بل بلا مأوى أحيانًا. وكادت نسب بطالتهم تزيد عمّا اعتادَت عليه الشعوبُ المسكينةُ التي اعتادَت هذه المظاهرَ منذُ عقودٍ كثيرة، والتي يعيش مئاتُ الملايين من أبنائِها بلا طعام ولا مأوى، يَفترِشونَ الأرضَ ويَلتحِفونَ السماءَ، وأَصبَحت مشاهدُ الأطفال وقد التصقت بعظامهم الجلودُ علامةً مسجلةً باسم كثيرٍ من الدول المسكينة المنكوبة.

وفي الوقت الذي يتربَّعُ فيه أفرادٌ قليلون من أبناء الدول المتقدمة على قمة أغلب ثروات المعمورة، تتقاسم البقية الباقيةُ، وهم الغالبية العظمى من أهل الأرض، ما تبقى ليأكلوا، ويشربوا، ويسكنوا، ويتعلموا، ويتطبّبوا، ويقضوا كلّ احتياجاتهم بتلك الفُتات! ولم نرَ يومًا يتقاسم فيه أغنياءُ الأرضِ هؤلاءِ مع فُقرائها التُعساءِ جُزءًا ولو ضئيلًا من ثرواتهم التي اخذوها وجمعوها – جُزئها أو جلـّها- بحقٍ أو بغيره من فقراءٍ الدولٍ المسكينةٍ.

بل إن لشعوب البلدانِ الفقيرةِ فضلًا وزيادةً في البلايا والمصائب! فعلى الأقل لم تَهدِم الجائحةُ بيوت الملايين من شعوب الدول المتقدمة على رؤوس ساكنيها العزٌل، كما فُعل ويُفعل بشعوب الدول المسكينة. ولم تتسبب الجائحة بقتل واغتصاب عشرات الآلاف من نسائهم وبناتهم حتى الرضع منهم كما فُعل من قبلُ وإلى الآن بأبناء وبنات الشعوب المسكينة المظلومة.

ولم تَرُشَّ حكوماتُهم أبدا انواع الاسلحةِ الكيميائيةِ على شعوبهمِ دونَ ذنبٍ ارتكبوهُ، إلا بسببِ قوميةٍ أو طائفةٍ ينتمون إليها بغيرِ اختيارٍ منهم، كما فُعل ويُفعل بشعوب العالم المنحوسِ بمباركةِ وسكوتِ وتكتمِ الدولِ الغنيةِ، بل بمعاونتهم وإمدادهم في أحيان كثيرة.

وحتّى في هذه المصيبةِ التي تبدو فيها أعداد المصابين في بعضِ الدول المسكينة أقل من الدول المتقدمةِ، فإن الحقيقة هي أبعدُ ما يكون عن ذلك، فالأعداد المعلنةُ في هذه البلدان قد لا تكونُ حقيقيةً! إما لقلةِ الفُحوصات، أو لأن حكوماتهم تخفي الأعداد الحقيقية –كعادتها – خوفًا من لومةِ لائم أو لمصلحةٍ سياسية ظاهرةٍ أو خفيةٍ! ورغم ذلك فالمشكلة في هذه البلدان الفقيرةِ أكبر بكثير، فمؤسساتها الصحية في أسوأ حال، كما أن الملايين من سُكانها هم دون خط الفقر أصلًا، وكثير منهم إما مهجّرون أو نازحون تحت خيامٍ مهلهلةٍ لا تحميهم من بردٍ، ولا تقيهم من حرّ، لتزيدهم هذه الجائحة بؤسًا ونَكَدًا.

وربما لن تَمضيَ إلا أشهرٌ قليلةٌ لتعودَ الدولُ المتقدّمةُ إلى ما كانت اُترفت فيهِ، متنعّمة بخدماتها ومستوى معاشها المكفولِ، لتنتعشَ معدلاتُ نموها مرة اخرى، فيما ستخرجُ الدولُ المسكينة من الكارثة (هذا إن خرجت منه) تُلملِمُ جراحها وما تبقّى من مؤسّساتها الصحية المنهكةِ الممزقةِ، لتستمر في مُقاسات معاناتها في الفقر والجهل والجوعِ والمرضِ.

ولربما يسأل سائلٌ: وما دخلُ شعوب تلك الدول المتقدمة المنكوبةِ الآن بما جرى ويجري لكم إلى اليوم؟ أو لستم تعيشون حالكم كحالهم في ذات الجائحة الجائرة؟

هو كذلك بالتأكيد! وربما حالنا – في هذه الجائحة – ليس أحسن من حال شعوب بعض دولهم إن لم تكن أسوأ، ولكن.. ألا يتفق معي ذلك السائل أن هذه الحادثة الفريدة هي فرصةٌ لهم ولنا كي نعيد النظرَ في أوّلياتنا وأولوياتنا؟ أليسَت فرصةً لنتفق معا على أن العالم أصبح شيئًا أصغر من القرية التي كانَ عليها قبل سنواتٍ قليلةٍ، إذ إن مفهومَ القريةِ لم يعُد مطابقا لمفهوم العالم الحالي! ولربما أمسى مفهومُ السفينةِ الصغيرةِ أكثرَ ملائمةً وموائمةً لما يعيشُه العالم اليوم، تلكَ السفينة التي إذا خرق فرد واحدٌ فقط من المليارات الذين يستقلونها في نصيبه خرقًا، فإن ذلك الخرقَ قد يأتي على حياةِ سكان السفينة كلهم! وهذا ما كان سكان الدولِ الغنيةِ يَنفونهُ مُطـَمئِنينَ أنفُسهم أنّ سفينتَهم ليسَت كسفينَتِنا، بل هي أسرع وأرفعُ قدرًا، تمامًا كعالَمِهِم الذي يَعلو عالمنا المسكين بطابقين!

وإلا فما الذي يجعلُ شخصًا يشتهي حساءً للخفافيشِ (كما يقال) في أقصى الارضِ يكادُ ان يوديَ بنُظم العالم الاقتصادية والصحية وحتى السياسيةِ ربما في أقاصيها البعيدة الاخرى، تمامًا كخارقِ السفينةِ، وفي المقابل فإن وَجَدَ شخصٌ واحدٌ فقط لقاحًا للمرضِ لربّما تَسبّب في نجاة جميع أهل المعمورة!

والغريب أن هذه الجائحة لم تَكشِف فيهم إلى الآن إلا عن مزيدٍ من التصرفات الغريبة التي تنمُّ عن أخلاقٍ تشي بقيمٍ وضيعةٍ، فبعضُ تلك الدول المتقدمة تَسرق شُحنات المستلزمات الطبية المرسلةِ إلى دولةٍ متقدمةٍ أخرى! بل إن منها من سرقَ شُحنات الإغاثةِ الطبية المتجهةِ لإحدى الدول المسكينة الفقيرةِ وأخذها لنفسه عُنوةً دون رادعٍ!

فأين يا ترى ذهبت القيم العليّةُ التي طالما صمّوا بها آذاننا في كلِّ مقامٍ ومقال مبشرين بها ومفتخرين؟ وقد تسرّبَت أخبارُ اختيارِهم للمسنين ليموتوا بدلًا عن الشباب! بمنعهم من أجهزة التنفس، بذات الحُجة التي كان يُعامِل بها النازيون مُعاقي المجتمعِ وضعفاءهم! بل إن رئيس دولة عُظمى استغلّ فرصة نزول الكارثة على دولة منافسة لدولته فنسبَ الفيروس إلى اسم تلك الدولة! ناسيًا قدرة الله على معافاة منافِسه وابتلاءِ شعبِهِ بها، بل أن يجعلَ بلدهُ أكثر بلدان الأرض تضررًا بالفيروس ذاته، وقد حدث بالفعل! وعلى هذا فالأمل معقودٌ بهذه الجائحة في تغيير تفكير شعوب الدول المتقدمة بخلاف تفكير قادتها الذين فشلوا في قيادة السفينة الصغيرة ذات الدفّاتِ المُتعدّدة بعدد سكان الأرض كلّهم أجمعين.

ولعلّ الشيءَ الوحيدَ الذي يختلف فيما يحدثُ لنا الآن بسبب هذه الجائحةِ عما كان ولا زال يحدثُ لنا باستمرارٍ من المصائب والبلايا، هو أننا وللمرة الأولى في التاريخ الحديث لسنا وحدنا في تجرع آهات المصيبة وأحزانها، إذ إن أهل الأرض جميعًا بما فيها العالم الغني المتقدم يشاركوننا أحزان ومصاعب هذا المصاب الرهيب، وللمرة الأولى يهتمّ الإعلام العالمي بمصيبتِنا ولا يُخفيها ولا يتكتّمُ عليها، وللمرة الأولى تَنشَغِلُ المؤساتُ المعنيّةُ في كلّ أنحاء العالم مُستَقتلةً بحلّ مشكلتنا! وللمرة الأولى أيضًا ومع كل الأسف لا يتساقط الآلاف منا وحدهم ليُدفنوا في قبورٍ جماعيةٍ، إذ إن دول العالم المتقدمة الغنية أمست تُسابقُنا إلى فعل ذلك بأبنائها، بعدما تعوّدنا أن تفعلَ حكوماتنا ذلك بنا في صمت وسكوتٍ منذ عقود.. اللهمّ إليكَ المُشتكى.. اللهم لا شماتة.. وللمرة الأولى أيضًا نحسُّ بِحقيقةِ ومعنى مقولةِ: حشرٌ معَ الناسِ عيدٌ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الناس, حشر, عيد
عرض التعليقات
تحميل المزيد