في السبعينيات من القرن المنصرم ظهرت أزمة في بريطانيا تحت عنوان «تاتشر مطاردة الحليب»، وظهرت هذه الأزمة بعدما صعدت السياسية البريطانية مارجريت تاتشر لتولي وزارة التربية والتعليم عام 1970م، وكان أهم قراراتها أنها ألغت نظام توزيع الحليب بالمجان في كل مدارس بريطانيا، وهو ما أثار ردة فعل غاضبة من المواطنين، كادت أن تنهي حياة تاتشر السياسية. لكن الظروف السياسية ساعدتها على مواصلة مشوارها السياسي، حتى أصبحت رئيسة وزراء بريطانيا لثلاث دورات متتالية، وبالتوازاي وصل رونالد ريجان لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح ريجان وتاتشر عرابين لسياسة اقتصادية جديدة وهي «النيوليبرالية»، وهي التي تعتمد على خفض الضرائب على الأثرياء وتقليص الإنفاق العام، وإضعاف الاتحادات والنقابات العمالية، وخصخصة القطاع العام. وهي الإجراءات التي تبناها صندوق النقد الدولي لاحقًا مع الدول النامية أو الدول التي تخرج من صراعات، وللنظرية نقد لاذع وجدت أثره تاتشر نفسها في نهاية ولايتها، من ازدياد معدلات البطالة والتضخم والكساد.

وبالرغم من مساوئ هذه النظرية، فقد اتبعها نظام السيسي في مصر بعمليات تعويم الجنيه، وتقليل الإنفاق الحكومي، ورفع الدعم عن المحروقات، لكن تطبيق النظرية ظل منقوصًا، فلم ترفع الدولة سيطرتها عن الاقتصاد، فظاهريًّا يبدو أن الدولة رفعت يدها عن الاقتصاد، إلا أنها ما زالت مسيطرة على رجال الأعمال؛ خوفًا من زيادة قوتهم، وما زال الجيش يسيطر على أكثر من 60% من الاقتصاد المصري، وهو إحدى مؤسسات الدولة، وكأنه يؤدي دورًا موازيًا للحكومة ومنافسًا للقطاع الخاص، وهنا يعتمد النظام المصري على القاعدة الماركسية «من يملك يحكم».

كان لهذه الإجراءات الاقتصادية أثر بالغ في حياة المصريين، فحسب تقارير اقتصادية، فإن مصر في عام 2018 كانت ثاني أكبر دولة في العالم من حيث زيادة ثروات الأغنياء، وبحسب مركز أبحاث «كريدي سويس» في تقريره عن الثروة العالمية عام2019، فقد أشار إلى أن 71.4% من المصريين ثروتهم أقل من 10 آلاف دولار، وأن 0.1% فقط من البالغين في مصر تزيد ثروتهم على مليون دولار، وأن هناك 66 مواطنًا مصريًّا يمتلك كل منهم أكثر من 500 مليون دولار، وارتفع معدل الفقر في مصر حسب الجهاز المركزي للتعبة والإحصاء لتصل إلى 32.5% بنهاية عام 2018 بينما زاد معدل البطالة ليصل إلى 8% عام 2019، وهو ما يشير إلى حجم التباعد الطبقي وتركز الثروة في يد عدد محدود من الأسر، بينما يعيش أكثر من ثلث الشعب تحت خط الفقر.

لذلك كان للبعد الاقتصادي أثر مهم في إجراءات الحكومة في مواجهة جائحة فيروس كورونا؛ فالحكومة أنكرت وجود المرض في مصر مع بداية الأزمة، رغم ظهور أكثر من حالة إصابة بكورونا قادمة من مصر في أكثر من دولة حول العالم، وهذا الإنكار كان محاولة للحفاظ على الاقتصاد، وخاصة القطاع السياحي الذي يعمل فيه أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، بل إن مصر استمرت في استقبال الرحلات من كل دول العالم، بل من الصين نفسها التي كانت بؤرة ظهور المرض، وهو ما أدى لوصول المرض إلى مصر حتى أدركت الحكومة خطورة الأزمة فاأغلقت المطارات في توقيت متأخر جدًّا. ورغم هذا الإغلاق، فإن الحكومة كانت تسعى لتسيير حياة المواطنين بشكل طبيعي إلى أن ظهرت تظاهرات التكبير في الإسكندرية، وهو ما كان ينذر بخطر الفوضى، مما دفع الحكومة لأخذ قرار بحظر التجوال جزئيًّا سعيًا منها لعدم تعطيل الحياة بحظر كامل، إلا أن هذه القرارات لم تكن كافية للمواطنين، خاصة أن 80% من القوى العاملة المصرية تابعة للقطاع الخاص وفي القلب منها العمالة غير المنتظمة، وهي نسبة كبيرة لا تستطيع الدولة التكفل بهم في ظل هذه الأزمة. وظهر أيضًا هذا الغضب لدى رؤوس الأموال، فظهر رجل الأعمال نجيب ساويرس ليطالب بعودة الموظفين للعمل مهددًا بانهيار الاقتصاد، وملوحًا بتسريح العاملين وتخفيض الأجور، رغم أن مصر ما تزال في الأيام الأولى من الأزمة. وهنا تظهر عكس أفكار آدم سميث بأن المصلحة الشخصية هي التي تحفز الناس وتقود العالم، وأن السوق كفيل بتحويل المصالح الشخصية الأنانية للأفراد إلى مصلحة جماعية، فهذه النظريات تساهم أكثر في توحش الناس، وتزيد الأنانية؛ لأنها تفتقد للوازع القيمي بشكل كبير، وعدم السيطرة أو التحكم من قوة أكبر كالحكومة.

هذا التذمر دفع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى دعوة شركات المقاولات للعمل بقوة رغم الحظر المفروض على حركة المواطنين، بالإضافة للتسهيلات التي سهلتها الدولة لرؤوس الأموال لاحتواء غضبهم.

هذه الأزمة هي امتحان للاقتصاد المصري بل الاقتصاد العالمي، وستكشف عن حجم الثغرات في الأنظمة الرأسمالية، وستؤثر بشكل كبير في السياسة في مصر حال استمرارها مدة أكبر، وفي حال اتخذت الحكومة قرارات اقتصادية تؤثر في حياة المواطنين، وهذا التأثير قد يهدد النظام الحاكم في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد