هنالك شعور قديم، قابع في وعيّ الناس وضمائرهم، يحاول دائمًا الإيحاء لهم بأن العالم الأفضل قادم، وأن العدالة لابد أن تتحقق يومًا ما في هذا الكوكب الفوضوي، تلك الفكرة الأفلاطونية كلما بهتت في وجدان الناس على اختلاف مشاربهم، تعود لتطفو عند كل مأزق يبلل عنجهية الإنسان ويخبره بأنه رغم كونه كائنًا حاكمًا للأرض إلا أنه مازال على حافة كل شيء.

كورونا الذي ضرب البشرية على غفلة من الجميع واجتاح الحدود والأقطار، أعاد ذلك الشعور الأفلاطوني للظهور، ثم ما فتئت الأقلام تكتب (العالم بعد كورونا ليس كما العالم قبل كورونا)، في ظاهر الفكرة رأي صائب، فالكوكب مثل أي بنيان، ما إن يدخله شيء ما، يجعله يتمدد، ثم من الصعب بعدها أن يعود لسابق عهده، إلا أن عمق التغيير الذي يتصوره الناس وردي، وكما جرت العادة في ذهنية الجماهير، التي لا تخضع للمحاججات العقلية وإنما تحكمها وتؤثر بها الصور الشاعرية.

الخوف الذي يعتري البشرية ليس الخوف من الڤيروس، وإنما الخوف من الفناء، الموت الذي ينبه غريزة البقاء في الإنسان ويجعلها تحدد سلوكه، إلا أن السؤال هنا، هل تستطيع تغيير سلوكه؟ أقصد إن كان العالم بعد كورونا ليس كما هو قبله، بالتالي لابد أن سلوكًا إنسانيًا جديدًا سوف يولد، وأن نمطًا آخر للعديد من المفاهيم يجب أن يتغير، وهذا ما أستبعده، ببساطة لأن النظام لا يهلك جملةً، بل ينتقل من حالة إلى أخرى، ومن قال إن الحالة الجديدة قد تكون أفضل من القديمة، أو أنها راديكالية التغيير في سلوكها، هي نسخة معدلة، النظام لا يتداعي، وإنما يعيد إنتاج نفسه بصورة تسمح له بأن يكون أكثر قوة ومتانة.

وأنا لا أقصد انقلاب موازين القوى، وتعدد الأقطاب، هذا في عرف التاريخ أمر بديهي، وحده التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة، وإنما هل من الممكن أن يكون العالم بعد كورونا متساويًا في هيكليته، أقصد أن يكون لكل طرف من الأطراف فرصة متساوية للمشاركة في القرار الدولي، أو أن يتجه النظام إلى الابتعاد عن الاستغلال، وتفضيل المصلحة الخاصة للسياسة أو الاقتصاد على الأخلاق، أو العمل بجدية على تخفيف آثار التلوث العالمي الذي تسببه الدول الصناعية، وغيرها من التغييرات الجذرية.

غالبًا كل ذلك مستبعد، لذلك لن يكون العالم مكانًا أفضل بعد انحسار الوباء، وإنما مكانًا أكثر فوضوية، لأن الڤيروس كان ضربة في الصميم لليبرالية الجديدة، وتحكم الشركات الضخمة بالقرار الوطني لتلك الدول التي تخلت عن واجبها في إدارة شؤون الناس، وهذا لم يعد سرًا، من خلال ملاحظة الدول التي تحول فيها الڤيروس إلى وباء، تدرك أن هيكلها الاقتصادي يعتمد في عمقه على الاقتصاد النيوليبرالي، عندما تنحسر مساحة تدخل الدولة أمام مساحة الشركات والمصانع، بالتالي لم تكن قادرة على ضبط الوضع الجديد، لأن القرار الوطني الكامل ليس في يدها، وإنما تتشارك فيه مع شركات وبنوك ومصانع ومؤسسات استهلكت الناس وجعلت من الداخل والخارج أسواقًا لمنتجاتها، أرواح الناس لا تدخل في حسابات الربح والخسارة، وإنما قدرتهم الإنتاجية والاستهلاكية، لذلك كان الوضع أقل سوءًا في الدول التي يخضع القرار الوطني للدولة بشكل أكبر.

بعيدًا عن التشاؤم وأكثر قربًا من الواقعية، العالم بعد كورونا هو ذاته قبله، بالنسبة لغالبية سكان الكوكب، أما لأصحاب القرار من الطبيعي إن يتبلور سلوك جديد في أساليب حمايتهم لمصالهم، والدفاع عنها، بسن قوانين جديدة تزيد من قوة وجودهم، وتحميهم مستقبلًا من أزمات مشابهة، لقد جعلهم الڤيروس أقوى، ومدّ عقولهم بفرضيات لم تكن في جداول أعمالهم، لذلك هم من سوف يصنعون التغيير المناسب لهم، بما يخدم مصالحهم فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حُلُم, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد