كثرت الأحاديث في الآونة الأخيرة حول حتمية تغيير فيروس كورونا للنظام السياسي العالمي، وباتت مقولة أن ما بعد كورونا ليس كما قبلها أكثر شيوعًا، وقد أدلى الكثيرون بدلوهم في هذا الموضوع، منهم من له سابق خبرة في آليات قيام واندثار الأنظمة السياسية، وأكثرهم يرددون المقولة ترديدًا، كاستجابة يمليها الانصياع اللا إرادي لتداعيات الحدث المستجد، أو نظرًا للتأثر اللا واع بموجة الحديث عن التغيير الحتمي، الذي سيفرضه فيروس كورونا على العالم. فهل حقًا سيتغير النظام السياسي الدولي بسبب كورونا؟

بعيدًا عن الحدية في التناول والتفكير، فإن ثمة مرتكزات أساسية لنشوء أو تفكك الأنظمة السياسية في العالم، فهي لا تظهر أو تنتهي عبثًا، أو وفقًا للرغبات والأمزجة والأهواء، أو كردات فعل عنيفة تجاه مستجدات تظهر دون سابق إنذار، بل وفقًا لقواعد راسخة ومعلومة، وذات صلة لصيقة بالمكتسبات والخبرات والقدرات البشرية أساسًا. يعتبر ثبات النظام السياسي العالمي نتاجًا لجملة مع العوامل والمؤثرات والمعطيات، ولما كانت عجلة التغيير تمثل الثابت الوحيد في هذا النظام، نظرًا للانزياح المستمر في موازين القوى التي تضبط بوصلته، والتبدل المطرد في المعطيات المنشئة له، سواء أكانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، فإن فرصة النظام في البقاء تظل رهنًا بقدرته على ضبط إيقاع التغيير الذي لا يكف عن الاشتغال، وتوجيهه الوجهة التي تخدم حضوره أطول فترة ممكنة. إن المعطيات التي تؤثر على مصير النظام من التنوع والكثرة والتعقيد والتداخل؛ ما يجعل من عملية ربط تغيير النظام بمعطى طارئ وحيد أمرًا مستهجنا.

نعم من المتوقع أن يسفر كورونا عن كثير من التداعيات والآثار غير المسبوقة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا على المستوى الدولي. بيد أن هذا التأثير يكتسب زخما لأن الفيروس قد ظهر في سياق موات، وتدور فيه عجلة التغيير بتسارع واضح، وسابق لظهوره. لا أود مناقشة مقولة أن كورونا سيغير النظام العالمي، بل أود التذكير بأن المقولة تقفز عن الحقيقة التي مفادها أن حركة التغيير في النظام السياسي العالمي تجري على قدم وساق منذ عقدين من الزمن على أقل تقدير، وهذا يكفي لإيضاح تهافت ربط تغيير النظام العالمي المرتقب بظهور كورونا فحسب. وعليه فإن الفيروس سيسرع في التغيير الناجز بالفعل، ولن يكون سببًا منشئًا له، وبين هذا وذاك فرق وأي فرق.

إن الأكثر أهمية من المعالجة السابقة يتعلق بطبيعة التغيير المتوقع، وموقعنا فيه كأمة. من الواضح أن الأمتين العربية والإسلامية كانتا خارج نطاق الفعل والتأثير فيما يتعلق بتشكيل النظام السياسي العالمي طيلة القرن المنصرم على أقل تقدير. لكن هل ثمة فرصة يمكن اهتبالها اليوم لتساهما في تشكيل النظام السياسي العالمي؟ وهل يمكن لهما أن يكونا طرفًا – ولو من الدرجة الثانية – في معادلة تدشين نظام عالمي جديد؟ إن ذلك يتوقف على جمة من المحددات. منها امتلاك القدرة والإرادة والرغبة، فضلًا عن التحين المسبق للفرصة.

غني عن القول أن النظام العربي القائم، والذي ورث الحالة الاستعمارية المنصرمة، ليس لديه الرغبة ولا الإرادة لتجاوز الدور الوظيفي المناط به حتى اللحظة، أو تجاوز السقف السياسي الذي يحدده له الآخر (العدو)، بالرغم من امتلاكه للإمكانات والقدرات التي تؤهله لفعل ذلك، بل للمشاركة الفاعلة في صياغة النظام السياسي العالمي المأمول، ولا يزال هدفه الأسمى يتمثل بالحفاظ على بقاء النخب السياسية الحاكمة في مواقعها أطول فترة ممكنة، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الحيوية للشعوب المقهورة.

إن أهم عوامل الاستفادة من حركة التغيير الدولية، والنجاح في وضع قدم راسخة في النظام السياسي القادم تتمثل بحضور الوعي، وامتلاك التصور الصحيح، والاستشراف الدقيق، والتخطيط السليم، وحشد الإمكانات المتاحة، ووجود الإرادة الصلبة، والثقة الراسخة بالقدرة على الفعل، وتسجيل النجاحات وبز الأقران، وما فوق الأقران في المعارك الناشبة بين يدي المرحلة المؤذنة بالأفول، وتلك القادمة بعد حين. مما لا شك فيه، أن ما تقدم ينطبق على تركيا تحديدا، فهي تسعى جاهدة منذ سنين لتغيير طبيعة علاقتها بالغرب، وإعادة تأسيسها على قواعد جديدة، فبدلًا من علاقة التبعية المطلقة كما هو حال النظام العربي، سعت تركيا ولا تزال لفرض نفسها ندا في مواجهة الآخر، وقد نجحت في ذلك حتى الآن نجاحات معتبرة. إذ إنها تعمل بجد، وتستشرف الفرص منذ أمد بعيد للدفع بعجلة تغيير السياسات العالمية قدمًا.

إن المعركة المشتعلة ضد كورونا هذه الأيام تشي بنجاح تركي واضح فيها، ففي الوقت الذي انكشفت فيه دول الغرب بما فيها الولايات المتحدة أمام التحدي الذي يفرضه كورونا، لم تنكشف تركيا، وبدا أن نظامها الصحي واستعدادها وقدرتها على التعامل مع الفيروس يتقدم على نظيراتها في الغرب، فهي لا تواجه نقصا في الكادر والمستلزمات الطبية، من جهة، بل تقدم يد العون لعشرات الدول بما فيها الغربية المتقدمة من جهة أخرى، وإذا كان لكورونا أن يسرع في تغيير النظام السياسي الدولي، فإنه سيكون للأنظمة التي لم تهتز أو ترتبك في مواجهته دور مختلف، وأكثر وضوحًا في عالم ما بعد كورونا. يضاف لما سبق أن تركيا مهيأة للتغيير وراغبة فيه، وتواقة لحدوثه، وفوق ذلك فإنها مؤهلة للتأثير في الآخرين أكثر من حاجتها للتأثر فيهم وقبول سياساتهم، وقد أعدت نفسها لذلك بشكل مسبق، أما النظام العربي القائم فلن يبارح التزامه بلعب دور الفاعل الأكثر حضورًا في معارك الآخرين فحسب، فإن له القدرة على المساهمة في التغيير العالمي المنشود؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جائحة, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد