يعيش العالم اليوم تجربة قاسية من جميع نواحي الحياة المختلفة، وقد تضررت الدول أجمع بشكل كبير من جراء هذه الأزمة أو الوباء الذي يجتاح تقريبًا كل المعمورة، بحيث إن الاقتصادات الكبرى والمؤسسات العالمية أصبحت ترضخ لما يمليه عليها هذا الوباء المتفشي بشكل مفزع ومقلق، ولقد عرفت في الأشهر القليلة الماضية عملية غلق واسعة لجميع المعابر والحدود الدولية، وانهارت المنظومات الطبية والصحية في الكثير من دول العالم، لعدم استطاعة هذه القطاعات تحمل العدد المهول من الإصابات بهذا الفيروس المستجد والمكنى بفيروس كورونا (كوفيد-19).

وقد تسابقت الدول المتقدمة مخبريًا في التوصل لعلاج أو لقاح لهذا المرض القاتل والذي قد يستغرق بحسب إحصاءات صادرة عن معاهد بحوث مرموقة أكثر من 18 شهرًا، وفي خضم هذا الانتظار يعيش العالم اليوم حالة من الفزع والهلع المرتبطين كليًا بمدى قرب إصابة الأشخاص بهذا الفيروس والتحرك بسهولة وسيولة داخل أجسامنا، فالكل ينتظر معركته مع هذا المرض إما بالانتصار عليه، أو الهزيمة أمامه.

بالرغم من خطورة هذه الجائحة والتي تحذر منها منظمة الصحة العالمية في كل فرصة سانحة، إلا أن هذا الوباء خلق حالة من الوعي لذى الأفراد داخل المجتمعات، على الكثير من الأصعدة المختلفة، بما فيها التعرف على القواعد الصحية والطبية اللازمة اتبعها عند تفشي هكذا أمراض في المجتمعات، بالإضافة إلى المعلومات التاريخية حول طبيعة الأوبئة التي اجتاحت العالم في القرنين الماضيين، وكيف تعاملت معها الحكومات في تلك الفترة، زيادة على ذلك الامتثال لقواعد السلامة والاحتراز التي أقرتها المنظمات الصحة العالمية، والحكومات والجهات المدنية المختلفة كالحجر الصحي.

والاهتمام بالنظافة الشخصية كعملية غسل اليدين المتكررة، والابتعاد عن المصافحة والتقبيل، واتباع فلسفة التباعد الاجتماعي والفيزيائي لتقليل فرص الإصابة والعدوى من هذا المرض.

بالرغم كل هذه السيرورة الطويلة من الإرشادات الصحية والتي يتعامل معها البشر اليوم على أنها من البديهيات، تشكل وعي آخر مهم وضروري، ويرتبط أكثير بعملية التغيير التي يجب أن تحصل في كل مجتمع مهما اختلفت درجة تطوره وتقدمه، فعملية التغيير قد تحصل نتيجة العديد من المتغيرات التي يمر بها المجتمع مثل (الحروب، التكنولوجيا، التلوث، الأمراض… إلخ)، ولذلك وجب التنوية بأن مرحلة فيروس كورونا من المتغيرات التي قد تعيد بناء وتشكيل العالم وفق خارطة جديدة تختلف كليًا عما كان سائدًا في العقود الأخيرة، وتعيد إحياء حضارات لتتسلم المشعل وقيادة العالم اليوم، بحيث سنقوم بتحديد الرزنامة التاريخية بالقول؛ الحدث قبل كورونا والحدث بعد كورونا.

الوعي بخطورة الوباء قد يفضي إلى نزعة عقلانية جديدة، تتعامل مع الوضع كأنه طريق مسدود لانتهاء البشرية والعالم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عند ظهور كورونا في جمهورية الصين الشعبية، حاول الكثير في مجتمعاتنا هذه تبرير هذا الوباء على أنه عقاب إلهي لما كان يحدث لمسلمي روهينغا من قبل الحكومة الصينية، ولكن بعد مرور أشهر قليلة ووصول هذا الوباء إلى المنطقة العربية، تحولت هذه النظرة أو تلاشت تلقائيًا، وأصبح التعامل مع الوضعية أكثر حذرًا بعيدًا عن التأويلات الماورائية، والتي أنتجت عقمًا خادعًا للفرد العربي المحلي.

فضرورة التحلي بقيم العلم والثقافة ضرورية في هذه المرحلة الحساسة والصعبة في تاريخ الإنسانية أجمع، فالتعلق والتشدد بالأمور الأخروية على سبيل تحقيق والضفر في الدنيا أمر يجب إعادة مراجعته في منظومتنا الفكرية بالمطلق، فاليوم الفرد في منطقتنا المحلية على اختبار صعب جدًا، قد يتبين فيها الكثير من المعطيات ويتحدد من خلاله سلم أولوياتنا، ومكانتنا في الجوار والعالم أجمع، فالمعاهد والمخابر وإنتاج المعرفة هو السبيل الوحيد اليوم للخروج من هذا المأزق الذي وضعنا أنفسنا فيه، قد تتبدد اليوم الرؤية؛ وتتضح غدًا بشأن من هو أكثر حكمة في التعامل مع الأزمات وكيفية إداراته.

الأزمة اليوم حقيقة؛ عالمية واسعة، ولكنها تعني كل شخص فينا، فمصائرنا بأيدينا، وطرائق الخروج من هذه المعضلة نحن من نصنعها، فلابد علينا جميعًا التحلي بأخلاق العلم وما ينص عليه العلم، فالإنسانية أهم بكثير من المعتقدات الشخصية والاعتناقات الفردية، والإتثنيات والعرقيات، للحظات سنفقد كل شيء، وللحظات أخرى بإمكاننا الإبقاء على كل شيء، الوعي والذهنية القويمة في هذه الأثناء هي المخرج الوحيد لنا، فعلينا التشبث بها الآن، ومستقبلًا بكل تأكيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد