ذكر «جادل ديفيد رانسيمان» أستاذ العلوم السياسية بجامعة كيمبريدج، أن انتشار وباء كورونا قد أزاح ستار الديمقراطية عن الدولة الحديثة، وكشف عن وجه السياسية الحقيقي وهو الهيمنة وسلطة الإنفاذ والقسر، وأن فكرة «هوبز» عن الدولة ككيان يملك الحياة والموت، ويقر الشعب لها بتلك السلطة حفاظًا على الصالح العام، باتت ماثلة أمامنا الآن في ظل الحجر والعزل؛ بل نزول الشرطة والجيش إلى الشوارع في بلدان كثيرة لفرض النظام، وتغريم المخالف أو حبسه باعتباره يمثل خطرًا على الجموع.

وهناك بالقطع ظواهر كثيرة يمكن اعتبارها مؤشرات حقيقية على ذلك، منها اتخاذ إجراءات واسعة المدى لنقل العمل والتعليم إلى المنزل بما يسمح بمزيد من الضبط، بل التوثيق، وتطبيق سياسات الحد الأدنى، وضبط شراء السلع، ووضع حظر على السحب النقدي وشراء العملات الأجنبية.

ولعل أخطر ما يجري اليوم هو تحويل وسائط الاتصال إلى وسيلة لتحقيق أهداف استخباراتية طويلة الأجل، أو الجمع الكثيف للبيانات وبناء ترسانات معلومات، فقد أفصحت بعض الدول بالفعل علنًا عن ذلك، منها الكيان الصهيوني إذ تحدثت قيادته عن تطبيق الذكاء الاصطناعي الذي كان يستخدم ضد «الإرهاب» لرصد أماكن الأفراد عبر الموبايل وعبر التطبيقات المختلفة التي يمكنها تحديد الموقع، ضمانًا لبقاء كل شخص في بيته وعدم مخالفة ساعات الحظر.

لكن خبراء الأمن السيبراني ومنهم الخبير العربي «إيهاب خليفة» ينبهون إلى أن هذا سيتضمن هيمنة واسعة على شبكات الاتصال؛ مما قد يحمل في طياته آثارًا سياسية بقدر ما قد يفتح الباب للقرصنة، وربما اختراقات أكثر خطورة واردة في مثل هذه الأزمات في القطاعين الاقتصادي والمالي، وقد تحدث «كرستوفر فورد» مساعد وزير الخارجية الأمريكية بالفعل عن هجوم محتمل على المواقع الرسمية والبنية التحتية الرقمية ولوّح بأن هذا قد يؤدي إلى رد نووي (ربما في إشارة إلى الصين أو روسيا).

لكن ما يريد هذا المقال أن يلفت الأنظار إليه هو أن لدينا أيضًا من الشواهد على مدار الأسابيع الماضية ما يقدح في التوجه السالف ويُلقى عليه بظلال من الشك، فكما ذهب المفكر «زيجموند باومان» سلفًا، فإن «عدم اليقين» وغلبة التناقضات والانفكاك الجاري بين السلطة الشكلية واتخاذ القرار الفعلي، «بخاصة في ظل تشابك مستويات العولمة وتعقُّدها» وهي السمات الرئيسة لتداعيات الحداثة بما فيها هذه المرحلة، ومؤشرات التوتر في علاقة المدني بالعسكري لا تدل على هيمنة كاملة للدول على المشهد.

فمن ناحية، إذا كانت السيادة في الدولة القومية الحديثة عمودها الجيوش التي تملك سلطة السلاح، وتحتكر العنف، فإن المشهد الجاري لا يمكن للقوات المسلحة فيه أن تهزم هذا العدو غير المرئي.

ومهما أفرط الخطاب السلطوي في استخدام توصيفات وشعارات من قبيل الحرب على الفيروس ومعركة البقاء والأمن القومي، فإن هذه معركة لا يُمكن مقارنتها «بالحرب على الإرهاب» مثلًا، إذ يوجد في حالة الإرهاب خطر حقيقي حتى لو ضخمته الأنظمة أو وظفته لصالحها، أو حتى اخترقت الجماعات المسلحة لضمان استمرار التهديد، وبقاء دورة العنف الأفقي لتضاعِف تدابير التحكم الرأسية، وأما الوباء فقصة مختلفة.

إنّ الجيوش اليوم عاجزة «اللهمّ إلا بعض التحركات الاستعراضية»، فوزراء الصحة اليوم يسبقون وزراء الدفاع في الأهمية، والمؤتمرات الصحفية الرئاسية في الكثير من البلاد يقف فيها الرؤساء خلف الأطباء أو على الأقل كتفًا بكتف.

ولا يعني هذا فقدان الدول قوتها، بل يعني أن احتكار السلطة والعنف لن يمنع من انتشار الأوبئة، وبالتالي سيضع الدولة في مأزق العجز عن ضمان الحماية للحياة التي هي أهم مقومات تأسيسها للخروج من حالة الطبيعة التي كان الإنسان فيها يفقد حياته في «حرب الكل ضد الكل» كما ارتأى الفيلسوف الإنجليزي «هوبز».

فالوباء أثّر على كل المجتمعات على مستوى اليومي، وأثمر اهتمامًا شعبيًّا واسعًا بمتابعة ما يجري في كثير من البلدان الأخرى من إجراءات، بما سيرفع سقف التوقعات والمطالب والمحاسبة، وحين يتعلق الأمر بالحياة فإن «هوبز» نفسه رأى أن الشرط الوحيد للخروج على السلطة هو الحفاظ على البقاء الذي من أجله دخل الناس تحت سقف الدولة ابتداءً، تاركين خلفهم حالة الطبيعة وما فيها من توحش يهدد وجودهم.

وختامًا، فلا يستلزم ما سبق من فرض الحظر وضبط الحركة والتحكم في الانتقال وحسب، بل أيضًا تحويلًا للكثير من الموارد إلى القطاع الطبي في المستقبل القصير، كما في الأجل الطويل؛ لأن مثل هذه الأزمات مرشحة للتكرار، وقد كشفت الأزمة عن نقص في أعداد الأطباء والمستشفيات وتجهيزها في بعض البلدان، وسيكون من المتوقع التساؤل عن موازنات تذهب إلى القطاعات السيادية من دون رقابة، مقابل ترك البنية التحتية الصحية بهذا السوء لعقود طويلة.

والسؤال هنا، لأي مدى ستتحمل الدول ذات القوة والهيمنة العظمى ما يحدث بفعل الفيروس غير المرئي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أزمة, كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد