في زمن الكورونا.. تدابير استثنائية وانعكاسات مستقبلية

تعيش الإنسانية اليوم على وقت عاصفة فيروس الكورونا، أزمة كفيلة بأن تمهد لتجسيد قرارات ستشكل من جديد وجه العالم في السنوات القليلة القادمة، حيث يؤكد، في هذا السياق، المؤرخ المعروف يوفال نوح هراري أن عاصفة الكورونا ستمر، لكن الخيارات التي نتخذها الآن يمكن أن تغير حياتنا لسنوات قادمة. لطالما كان للأوبئة وقع كبير على مختلف المجالات خاصةً منها الاقتصادية والسياسة. ولعل مثال الأنفلونزا الإسبانية التي ظهرت منذ حوالي قرن من الزمن، يشكل خير تدليل.

 لكن من المؤكد أن فيروس الكورونا سيكون له تأثير أكبر من خلال إضفاء تغير جذري للوعي وللسياسات، الأمر الذي من شأنه أن يؤسس لإدراج أولويات جديدة كفيلة بأن تساهم في إرساء نظرة أو مفهوم جديد ومغاير لمسائل تقليدية.

فتحت أزمة الكورونا الأخيرة الأعين على هشاشة البشرية أمام الأوبئة، فعدم صمود الدول المتقدمة أمام انتشار هذا الفيروس، سيفتح الباب أمام إعادة النظر في أولويات الحكومات خاصةً في القطاع الصحي إلى جانب ضرورة تدعيم مجهودات التنسيق والتعاون الدولي في القطاعين الصحي والاقتصادي. كما أنه سيكون هناك نقاش حول الموارد لأن بعض الدول، نظرًا لتداعيات الأزمة، في حاجة للأموال حتى تتسنى لها مواجهة قضايا الصحة والأوبئة.

إذ إن حماية مواطن دولة ما سيثبت أنه أمر محال دون توفير حماية، في المقابل، لمواطن دولة أخرى. ونشير كذلك إلى التطلعات والمطالب الرامية لتنفيذ برامج واسعة لترميم النقائص التي اعترت الصحة العامة في الدول النامية وتمويل المنظمات والهياكل الدولية مثل منظمة الصحة العالمية. كما أن حوارًا سيثار بشأن التوجهات والسياسات الفردية للدول المرتبطة بالقطاع الصحي وانعكاساتها غير المباشرة على المجتمع.

وعليه فإلى أي مدى ستحافظ الدول على تلك الموازنة التقليدية في بعدها الصحي بين المصلحة العامة وحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية؟ بمعنى ألن تساهم التدابير الاستثنائية في الكشف عن توجه جديد للدول ألا وهو تأمين صحة مجتمعاتها الحرة على حساب ما تتمتع به من حريات؟

ولا يخفى على الكثيرين أن أزمة فيروس الكورونا مثلت مجالًا ملائمًا لبروز نقاشات جديدة حول السيادة والوطنية، خاصةً مع تصاعد المخاوف حول أن هذه المرحلة قد لا تقودنا للتضامن العالمي، بل إلى نوع من العزلة القومية حيث أكد بعض السياسيين أن أفضل الطرق هي غلق الأبواب أمام ناشري الفيروس، والوصول لاكتفاء الذاتي من الطعام والأدوية وضبط دخول المسافرين والمهاجرين والإصرار على حماية «المواطنين» وغض النظر عن حال الآخرين.

ولن تكون هذه الآثار مقتصرة على السياسات الخارجية، فدور الدولة بعد هذه الأزمة يطرح عديد التساؤلات. فأخذ الدولة بزمام الأمور قد يعيدنا لشكل الدولة القوية المتدخلة والمقيدة للحقوق والحريات باسم حماية الصالح العام. فما حدث في إسرائيل على سبيل المثال من إغلاق للبرلمان من قبل بنيامين نتنياهو على الرغم من خسارته الانتخابات يجعلنا نتساءل عن مستقبل الديمقراطية خاصةً في الديمقراطيات الناشئة.

من المؤكد كذلك أن العديد من تدابير الطوارئ قصيرة الأجل التي تم اتخذها في العديد من الدول ستصبح عناصر أساسية من عناصر الحياة. هذه هي طبيعة حالات الطوارئ، فهي تقدم العمليات التاريخية بسرعة كبيرة، حيث إن القرارات التي عادة ما تستغرق سنوات من المداولات، يتم تمريرها الآن في غضون ساعات.

إذ إن في خضم الحرب ضد الكورونا ولأول مرة في التاريخ، تم استعمال التكنولوجيا لمراقبة الجميع واستخدمت الصين في هذا المجال عديد أدوات المراقبة الجماعية هذه أكثر من غيرها، مع مئات الملايين من كاميرات التعرف على الوجه ومع مراقبة الهواتف الذكية، وأجبرت الناس على إعلان حالتهم العامة وهو ما مكنها من تتبع مكانهم للعثور على الأشخاص الذين التقوا بهم. كما سمحت إسرائيل مؤخرًا بتطوير تقنيات مخصصة عادة لمراقبة الإرهابيين لتعقب الأشخاص المصابين بالفيروس.

قد يقول البعض بأنه لا يوجد شيء جديد في كل هذا، ففي السنوات الأخيرة، استخدمت كل من الحكومات والشركات تقنيات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى لتتبع ومراقبة ومعالجة الناس. ومع ذلك، إذا لم نكن حذرين، فقد يمثل الوباء مع ذلك فاصلاً هامًا في تاريخ المراقبة. ليس فقط لأنها قد تطبع نشر أدوات المراقبة الجماعية في البلدان التي رفضتها حتى الآن، ولكن أكثر من ذلك لأنها تشير إلى انتقال كبير من المراقبة «فوق الجلد» إلى «تحت الجلد« كما يؤكد المؤرخ يوفال نوح هراري.

إن المرور لمرحلة المراقبة البيو مترية لا يمكن إلا أن يكون مؤشرًا خطرًا، فمن الوهم الاعتقاد بأن هذه المراقبة يمكن أن تكون فقط عابرة. فتاريخيًا، لطالما تمكنت التدابير المتخذة في حالات الطوارئ من البقاء في مكانها حتى بعد الطوارئ، لأنه دائمًا ستكون هناك تهديدات جديدة.

وفي حالة الفيروس التاجي الذي نعيش تحت سطوته الآن، يمكن للحكومات أن تجادل بوجود «موجة ثانية» محتملة للحفاظ على المراقبة، أو حتى بعض التهديدات الأخرى. يمكن أن تكون المعركة حول هذا الفيروس هي الحجة الحاسمة في المعركة الحالية حول البيانات الشخصية، لأنه عندما يتعين على المرء أن يختار بين الخصوصية والصحة، فإن الناس يفضلون الصحة بشكل عام.

دائمًا ما تمهد الأزمات العالمية لسحق الأعراف التي طال أمدها، وتفتح الطريق أمام ظهور أنظمة وهياكل وقيم جديدة. فظهور فيروس عالمي جديد يبقينا محتجزين في منازلنا، ربما لأشهر، يعيد بالفعل توجيه علاقتنا بالحكومات، والعالم الخارجي، وحتى ببعضنا البعض. بعض التغييرات التي يتوقع الخبراء رؤيتها في الأشهر أو السنوات القادمة قد تبدو غير مألوفة أو مقلقة، لكن دئمًا ما توفر لحظات الأزمات فرصة لاستخدامات أكثر تعقيدًا ومرونة للتكنولوجيا، وإحياء تقدير للأماكن الخارجية ومتعة الحياة البسيطة الأخرى.

لا أحد يعرف بالضبط ما سيأتي، ولكن من المؤكد أن نظرتنا إلى العمل وحتى الدراسة على سبيل المثال، ستتغير. فما الفائدة من الذهاب إلى مقر العمل وإضاعة الوقت في التنقل وفي بعض الاجتماعات عديمة الفائدة، في حين يمكن للفرد العمل في المنزل؟ فالموظف الأمريكي يقضي أكثر من 225 ساعة في المواصلات سنويًا. إن توفير هذا الوقت قد يكون ميزة في غاية الأهمية. ففي تقرير للمنظمة الأمريكية Gallup حول أوضاع العمل الأمريكية اتضح أن الأشخاص الذين يعملون خارج المكاتب يحققون نسبة أعلى من التحمس والمشرقة في العمل تصل من 60 إلى 80 في المئة من الوقت مقارنة بزملائهم في المكاتب.

من المؤكد أن العمل عن بعد غير ممكن لجميع القطاعات، وقد يسبب في بعض الأحيان نوعًا من العزلة، ولكنه يحقق نسبة أعلى من الإنتاجية حسب عديد الدراسات، وهو ما قد يؤدي إلى تغير جذري في مناخ العمل بعد نهاية أزمة فيروس الكورونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد