تعد حالة الطوارئ العالمية، فرصة فريدة لإعادة التفكير، في نظام القيم والمؤسسات والأفكار التي اعتبرتها البشرية ثابتة.

إيقاع الحياة الذي اعتدناه توقف، عالمنا كما نعرفه قد تغير. لم يعد كل شيء اعتقدنا أنه ضروري ضروريًّا، بل  بالعكس. فالفيروس التاجي أعطانا دروسًا للتعلم من هذه التجربة. كما أنه أتاح لنا الفرصة لرؤية الأشياء من منظور آخر.

دعونا نتوقف للحظة. دعونا نضع جانبًا المعلومات التي تجري مشاركتها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وأعداد المصابين والقتلى، ومقاطع الفيديو الخاصة بقادة العالم الذين يترددون في اتخاذ القرارات، دعونا ننسى ذُعر الأشخاص الذين خرجوا لتفريغ المحلات التجارية، وألم الأطباء الذين ينبهوننا؛ بالالتزام بالحجر الصحي، وتجنب الأسباب التي تؤدي إلى الانهيار والخوف الذي نشعر به جميعًا من احتمال أن يصاب بعض أقاربنا بالمرض مما يكون سببًا في تأزم حالتنا النفسية.

في منتصف ليلة الحجر الوقائي، والصمت الذي لا يمكن تفسيره، دعونا نبقى صامتين وننظر من بعيد، حيث يبدو الكوكب وكأنه بقعة من الغبار تطفو في كثافة الفضاء المظلم. من هناك، دعونا نرى ما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه الأزمة التي تواجه البشرية؟ إن الأزمة تعني الفرصة. الحقيقة هي أنه ليس كل ما جلبه الفيروس التاجي معه سيئًا. لقد علمنا أيضًا بعض الأشياء الجيدة. وأحد الدروس الرائعة التي يتركها لنا الفيروس التاجي والتي تعلمناها منه، هو:

1. كمستهلكين

عالميًّا، كان من الضروري فقط النظر إلى الرفوف الفارغة لمحلات «السوبر ماركت»، لندرك حقيقتنا أننا كائنات استهلاكية. هل نفعل ذلك خوفًا من أن نصاب بشيء ونموت جوعًا، أم أننا أنانيون؟ سيكون لكل واحد أسبابه.

تُظهر الإجراءات التي تفرضها الحكومة من منع التجوال إلا للضرورة الملحة، أنه يمكننا البقاء على قيد الحياة لأكثر من أسبوع دون زيارة مراكز التسوق. والعيش بأقل قدر ممكن.

علمنا التخطيط لحياة منزلية أفضل. نحسب جيدًا ما نأكله وقبل كل شيء ما لا نأكله أبدًا. علمنا أن ندرك أهمية النظافة. يبدو أنه لا يوجد بديل للمقاومة والوقاية غير النظافة المستمرة، وغسل اليدين جيدًا لمنع العدوى باتباع توصيات المؤسسات وكل التفاصيل الصغيرة نظرًا إلى أهميتها، وهي عادة متأصلة في ديننا الإسلامي الذي يأمرنا بالنظافة، والدليل على ذلك الوضوء.

2. الأزمة كفرصة للتغيير

كل ما يحدث لنا من أزمات هي فرصة جديدة للتغيير، تدفعنا للعمل على إعادة بناء الإنسان والحياة معًا، بطريقة سليمة ومنطقية. على مر التاريخ، مروا بأزمات مثل هذه، فرصة لإعادة التفكير في أنفسنا كبشر. حدث «الطاعون» الذي اجتاح أوروبا في القرون الوسطى (بين عامي 1347 و1352) وأدى إلى مقتل ثلث سكانها، وسمي بـ«الطاعون الأسود» أو «الموت العظيم».

وباء الجدري الذي قتل 500 مليون شخص في العالم (في الفترة ما بين 1880 و1980)، وسمي بـ«القاتل الأعظم» أو أسوأ مرض عرفته البشرية على مدار تاريخها. قبل الثورة الفرنسية. في مواجهة أدلة وفاتنا، تظهر أفكار إبداعية وتغير الواقع الذي كنا نعتقد أنه غير قابل للتغيير. يجب أن يبقى شيء واحد جيدًا من كل هذا: أن هذه الأزمة، هي في النهاية محرك لتغيير نموذجي.

3. نحن جزء من الكل

أمام فيروس كورونا المستجد تلاشت تلك الحدود الوهمية التي وضعتها الدول، ووضعت قيودًا وشروطًا لعبورها. ليؤكد لنا هذا الفيروس التاجي أن العالم واحد، وسياسة الحدود حسب قانونه الصارم غير موجودة.

علمنا أن نكون أكثر مسؤولية ونحس بالوعي الاجتماعي. يبرز الشعور بالانتماء إلى مجموعة فكرة الصالح العام. كوننا جزءًا من شيء أكبر من أنفسنا يجعلنا أقل أنانية، وأكثر امتنانًا، وأكثر تعاطفًا.

كشفت هذه الأزمة عن أننا جميعًا عرضة للفيروس التاجي، ولهذا السبب فإن الحدود والجدران والقضبان والجيوش كمقياس للسيطرة على الأمة خدعة سخيفة. يتطلب تفشي مثل هذا العمل المشترك والمنسق لجميع دول الكوكب، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الميول السياسية.

وكشف الانتشار السريع للمرض عن أننا جميعًا مهاجرون. لطالما مشينا حول العالم. وإن بناء الجدران، وطلب التأشيرات، وعدم السماح للقوارب المليئة بالمهاجرين الأفارقة على وشك الغرق في البحر الأبيض المتوسط​​، لا يمكن العمل به ما دام العالم أصبح في عصر التكنولوجيا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو واحد تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وفيروس كورونا خير مثال على ذلك.

علمنا قضاء المزيد من الوقت مع الأسرة،  وإعادة بناء العلاقات مع من نحبهم أكثر. إذا قمنا بتهيئة البيئة المناسبة، فإننا ننشئ مساحات وجداول عمل وترفيه، ويمكن أن يكون الوجود في المنزل متعة ومثالًا واضحًا على أن المصالحة، وترميم العلاقات ممكنة. كما علمنا تحسين إدارة التكنولوجيا. للتحدث إلى الأهل والأصدقاء عن طريق مكالمة الفيديو، تحميل واجبات الأطفال المنزلية على المنصات التعليمية، إلى العمل عن بعد دون أن المغامرة بحياتنا في المحاولة للعمل خارجًا.

4. فرصة لإعادة الحياة لكوكبنا الذي هو مصدر حياتنا.

من الفضاء يعد كوكبنا كيانًا، نظامًا يتنفس؛ وحدة كاملة ومثالية. كل شيء مترابط وكلنا جزء من هذا النظام العظيم. ما يحدث هنا سيولد شيئًا هناك.

لن ينقذ وباء الفيروس التاجي الكوكب، ولكن منحه فترة الراحة التي يحتاجها، في الأسابيع الأخيرة شاهدنا صورًا وأخبارًا تظهر أن الكوكب يتعافى. تغزو الطبيعة البرية مدنًا فارغة، ويؤدي وقف الأنشطة البشرية – وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون – إلى إبطاء تدمير طبقة الأوزون. علاوة على ذلك، فإن انخفاض التلوث في المحيطات يعطي البيئة البحرية فرصة للتعافي من الدمار المطلق الذي سببه لها الإنسان الذي كان بمثابة الفيروس التاجي، وهذا الأخير بمثابة الطبيب المعالج، انقلبت المعادلة فأصبح الضار نافعًا والعكس صحيح أيضًا.

إن أزمة الفيروس التاجي تجعلنا نفكر في الضرر الذي نتسبب فيه للأرض. هناك المزيد من الخيارات الصديقة للبيئة التي يمكننا تنفيذها، صيانة وحماية للبيئة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نؤكد لك أن هذا الوباء سوف «يشفي» الأرض بالكامل، أو أنه الحل الذي نحتاجه لإنقاذ الكوكب، ولكنه كان بداية التغيير الجذري الذي نريد رؤيته. تُظهر هذه الأزمة العالمية القدرة الكبيرة على التحول التي نملكها، بشكل فردي وجماعي، فيما يتعلق بكوكبنا. الدرس الذي نستخلصه هو أنه يجب اتخاذ إجراءات عاجلة عندما ينتهي كل هذا.

5. يجب أن نترك الحيوانات البرية تعيش حياتها الطبيعية

فيروس «covid-19» من المحتمل جدًّا أن يكون مصدره من – الخفافيش – على الرغم من أنه لم يثبت ذلك. من المعتاد رؤية هذه الحيوانات في – الأسواق – شائعة جدًّا في جنوب شرق آسيا – من الخفافيش والسلاحف… تباع هذه الحيوانات إما ميتة من أجل الطعام، إما تُذبح عند الطلب. حيوانات برية خُلقت لتكون في مكانها المناسب والأنسب لطبيعتها الحيوانية.

 فيروس تاجي أعطى للحيوانات برية أو بحرية فرصة لتعيش حياتها الطبيعية. هناك المئات من مقاطع الفيديو للحيوانات البرية التي تتجول في شوارع إيطاليا، والمياه الصافية في البندقية، والصمت، والهواء النقي، والدلافين تقترب من الرصيف، والغطس في نافورة «تريفي». يجب إعطاء الاهتمام بالبيئة من الآن فصاعدًا أولوية كبرى.

علمنا الفيروس أن نكون أصدقاءً للبيئة، وأن نكون أكثر إيكولوجية في تعاملنا مع الطبيعة، التي أصبحت تتعامل معنا بمبدأ الأخذ والعطاء.

6. التضامن كمعنى للحياة، فرصة لبناء الإنسان والاقتصاد.

ولعل الجواب يكمن في التضامن، وهو أحد الدروس العظيمة التي يتركها لنا هذا الوباء. نتعاون معًا لمواجهة هذه الكارثة الإنسانية، لأننا واحد كما قال الكاتب والفيلسوف الروماني «لوكيوس سينيكا»: «نحن أمواج من البحر نفسه، وأوراق من الشجرة نفسها، وأزهار من الحديقة نفسها».

علمنا أن نكون أكثر دعمًا وتضامنًا . هناك شباب يرافقون العازبين والأطباء المتقاعدين الذين يتطوعون في المستشفيات، فنادق خُصصت كأماكن ليعالج المصابون فيها؛ مطاعم تتبرع بالطعام؛ جلسات أطفال مجانية للعائلات التي تضطر للذهاب إلى العمل، وحتى ممارسة التمارين البدنية من خلال بعص وسائل التواصل الاجتماعي،  مع دروس مباشرة مجانية ويسترشد بها مدرب شخصي.

 أما اقتصاديًّا، فقد كشفت هذه الأزمة عن هشاشة بنية الاقتصاد العالمي. الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث أزمة اقتصادية عالمية مماثلة لأزمة 2008. فالعالم يعيش أزمة حقيقية مرتبطة بجائحة كورونا، وهو على شفا الهاوية إذا لم يجر استيعاب هذا الفيروس. مشاكل أصغر، وأبعد مكان هي مشاكل الجميع. إنها ليست منافسة بين الأمم. وإنما هي فرصة لتتبنى كل دول العالم سياسة واحدة تهدف إلى العمل المشترك في بناء اقتصاد واحد.

حان الوقت للتغيير نحو الأفضل. من الضروري ارتكاب الأخطاء، والخطأ الذي يعد بمثابة درس؛ هو تجنب ارتكابه مرة أخرى، هذه فرصة تعليمية رائعة في النهاية، إذا نظرنا إليه من هناك، من أقصى أطراف الكون، يبدو أن القليل من الأشياء منطقية أكثر من اتباع المنطق السليم. ربما يكون الخوف من الموت الذي أحدثه هذا الوباء حول العالم، هو أفضل طريقة لتعلم العيش السليم والإدارة الرشيدة والحكيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فيروس
عرض التعليقات
تحميل المزيد