تبقى المسرات والأحزان في هذه الدنيا بلاء وفتنة واختبارًا للناس، ويأتي على الإنسان الخير والشر، وكلاهما أيضًا بلاء واختبار، ويبقى مدى مجارات الناس لمثل هذه الظروف المتغيرة التي لا يدوم فيها أمر واحد بمدى استحضاره وتذكره عدم دوام الحال.
دق ناقوس الخطر في المشرق والمغرب، وأصيب العالم بحالة ذعر، فسُرقَت الطمأنينة من النفوس، ودَبَّ الخوف في قلوب البشر، واشتعلَ الرعبُ في نفوسهم اشتعالًا، وبدأ الناس يهربون من بعضهم البعض. فمنذ أكثر من شهرين والعالم يعيش في حالة طوارئ غير مسبوقة في زماننا، وفيات بالألوف، وإصابات لا تعد ولا تحصى؛ بسبب فيروس كورونا، الذي اخترق حدود الدول، وأجبرها على إغلاقها، وإيقاف الرحلات جوًا وأرضًا، فالمدن أغلقت وأصبحت شوارعها موحشة، لا يمشي فيها إلا الموت الذي يبحث عن التجمعات.
حرب جديدة يخوضها العالم، لكن هذه المرة العالم كله متحد؛ أمام جيش لا يرى بالعين ولا تشعر به إلا بعد فوات الأوان. وليس الهدف من هذا المقال بث الرعب في نفس القارئ، لا لن يكون كذلك أبدًا، بل سيكون وقفة اعتبار وتأمل؛ نقف على أثرها ونتعظ ونراجع أنفسنا ولو قليلًا.
وفي بداية الأمر يجب أن نشير إلى أن ما يمر به العالم من حالة ذعر وخوف ليست هي المرة الأولى، فقد سبق وأن حدثت كوارث وانتشرت أمراض استفحلت في الدول وكانت أشد فتكًا وتأثيرًا من كورونا؛ مما أدى إلى تغيرات كثيرة تبعتها هذه الأحداث. ويقال في كتب التاريخ وبالتحديد في كتاب الطاعون في العصر الأموي للكاتب أحمد العدوي والذي أحصى الطاعون وانتشاره في دولة بني أمية، وظهر الرقم مخيفًا؛ حيث انتشر عشرون طاعونًا في زمن هذه الدولة وكان ينتشر في سنين متقاربة، ولكن هذا الرقم يطمئن القارئ؛ وذلك ليتأكد بأن ما يمر به العالم اليوم لا يقارن أبدًا مع القرون الخالية وما واجهتم من أمراض وكوارث حصدت الأخضر واليابس.
ولنذكر معلومة مخيفة، ولكنها في نفس الوقت تشعرك عزيزي القارئ بالنّعم التي تغمرنا بالرغم من هذا الفيروس، حيث ورد في كتاب الاعتبار لابن أبي الدنيا، أن في عام 87ه‍. انتشر طاعونٌ في بلاد الشام، وأطلق عليه طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ في الفتيات في بداية الأمر، وكان يبيد عائلات بأكملها، وربما المشهد الأكثر إيلامًا في ذلك الوقت والذي يبين مدى فتك الوباء بالناس، أن الناس أصابهم يأس من النجاة من هذا الوباء، فحفروا قبورهم بأنفسهم، ومنهم من بقي ينتظر الموت وهو جالس أمام قبره.
ويذكر صاحب هذا الكتاب وبالتحديد (في صفحة 58) أنه لما حدث الطاعون الجارف في البصرة سنة 70، كان يموت في اليوم 70 ألفًا، فكانت السباع تدخل البيوت وتأكل من الموتى.
وإن أردنا نحصي ونذكر عدد المرات التي انتشر فيها الطاعون في البلاد لاحتجنا إلى أكثر من مقال، فما بالكم إن ذكرنا جميع الأمراض التي أبادت الكثير من الشعوب.
والآن ننتقل للحديث عن أحد الكوارث التي سُجلت في التاريخ القديم.
الزمان: (1065م – 1071م) المكان: مصر، وبالتحديد في عهد الدولة الفاطمية، سميت هذه الكارثة باسم الشدة المستنصرية، نسبة لحاكمها آنذاك المستنصر بالله، والتي دامت سبع سنوات حيث قلت مياه نهر النيل وقيل بأنها جفت بالكامل، وقلَّ الزرع، وهلك الحرث والنسل، وأصبحت الأراضي صحراء قاحلة، وصورَ المؤرخون الأحداث المُروعة التي حصلت في تلك الفترة، ويقربنا من الأحداث صاحب كتاب اتعاظ الحنفاء تقي الدين المقريزي. حيث يروي بكلمات تعتصر ألمًا، بأنه لما اشتدت عليهم الدنيا وتبدلت أحوالهم، بدأ الناس ببيع أغراضهم ومنازلهم من أجل لقمة العيش، وأصبح الناس يبحثون عن الأكل ويأكلون ما وجدوا أمامهم من قطط وكلاب، وانتشرت السرقات، ولم يكن هناك شيء يسرق! من شدة الفقر، حتى وصل الأمر بالناس آنذاك بأن يأكلوا الميتة ويختطفوا المارة، وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها.
فكما ذكرنا في المقدمة، بأنه ليس في هذه الدنيا دوام الحال؛ فلا ضراء تدوم ولا سراء، ولا فقر ولا غنى، فالوباء سيزول قريبًا، فما أحوج الإنسان إلى تعويد نفسه على هذا، وأن يستحضر دائمًا أمام عينيه أنه في دار فتن واختبار، وأن الحياة ما هي إلا حياة الآخرة، فيجب تعميق هذه الأشياء في نفوس المسلمين وترسيخها. وإن ما ذكرناه في صدر المقال، ما هي إلا أمثلة لنأخذ العبرة والموعظة منها في تقلب الدنيا، ونتذكر بأن هذا الوباء ربما يكون سببًا في رجوع الناس عن ضلالتهم، واستيقاظهم من سباتهم العميق، يقول الله عز وجل: وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) الأعراف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد