يتحدَّث الجميع اليوم عن فيروس كورونا كمحطَّة فارقة في تاريخ البشريّة، وعن العالم قبل كورونا وعن العالم بعده، وعن المفاهيم والقيم التي ستعيد البشريَّة النظر فيها، بما في ذلك قيمة الإنسان.

يمكن استقراء مستقبل العالم بعد كورونا ممَّا نعيشه اليوم، كما يمكِّن طرح بعض التساؤلات من تحديد توجُّهات هذا المستقبل. من ذلك التساؤل حول تسارع دول العالم، بما في ذلك أشدّها ليبراليَّة في ضخِّ أموال طائلة في قطاع الصحَّة العموميَّة بعد أن أهملته لمدَّة عقود؟ وبما في ذلك التساؤل حول سخاء رجال الأعمال في تمويل هذا المجهود الإضافي لدولهم؟ وكذلك السؤال حول منطلق هذا الاهتمام المفاجئ بإنقاذ الأرواح البشريّة؟

يمكن تفسير هذه الهبَّة بعدَّة عوامل لا علاقة لها بالإنسانية، و لا تمتُّ للوعي بأهميَّة الذات البشريَّة بصلة، فتفشِّي وباء فيروس كورونا القاتل يعني أساسًا للأنظمة الليبراليَّة ولمن دونها، ولمن يموّلها:

فقدان عدد كبير من اليد العاملة المنتجة، والتي كثر الحديث عنها في المدَّة الأخيرة بصفتها موارد بشريَّة، خاصَّة في بلدان العالم الثالث.

بصفتها تلك، فإنَّ الموارد البشرية كغيرها من موارد المؤسسة تخضع لقاعدة العرض والطلب، وإنَّ قلَّة هذه الموارد سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع قيمتها.

سيحدُّ موت عدد كبير من العمَّال من البطالة التي يساهم وجودها في الحدِّ من قيمة اليد العاملة النشيطة، حيث تلعب اليد العاملة العاطلة عن العمل في الأنظمة الليبراليَّة دورين أساسيين، فهي من جهة مخزون من الموارد، يساعد وجوده من جهة أخرى في الضغط من قيمة الموارد البشريَّة العاملة (قانون العرض والطلب).

أخيرًا و ليس آخرًا، فانَّ تفشِّي الفيروس وموت عدد كبير من البشر يعني خسارة عدد مماثل من المستهلكين.

قد يختلف عديد القرَّاء مع ما سبق، وقد تكون هناك أسباب أخرى، وحتَّى مغايرة للتي قدَّمتها، غير أنِّي لا أعتقد أنّ هناك اختلافًا في بروز دور اجتماعيٍّ أكثر إنسانيَّة لجميع الدول بمختلف توجُّهاتها السياسيَّة والاقتصاديَّة.

لم تحد الدولة التونسيَّة عن هذا التوجُّه العالمي، وقد تكون القرارات الاجتماعيّة الجريئة والمكلفة اقتصاديًّا التي اتَّخذتها حكومة الفخفاخ لمجابهة وباء كورونا، منطلقًا لعودة الدولة التونسيَّة لدورها الاجتماعي التاريخي، وهو الدور الذي رسَّخه الرئيس بورقيبة عن قناعة وتحت ضغوط داخليَّة أساسًا (دور الاتحاد العام التونسي للشغل)، وهو الدور ذاته الذي أهمله تدريجيًّا الرئيس بن علي، عن قناعة وتحت ضغوط خارجيّة أساسًا.

تخلَّت الدولة التونسية خلال فترة حكم الراحل، بن علي، تدريجيًّا عن دورها الاجتماعي التاريخي، وتحوّل دور التعليم من محاربة الجهل إلى محو الأميّة، وتدنَّت أوضاع المرفق العام الصحِّي، وتدهورت خدمات النقل العمومي، مقابل ازدهار قطاعي النقل والصحَّة الخاصين، والتي لا يمكن للجميع، وخاصَّة للطبقة الوسطى والضعيفة التمتّع بخدماتها، نظرًا إلى تدنّي أجور هذه الطبقات. حتّى أصبح التداوي في القطاع الخاص يحدث بالاقتراض. وأصبح العامل يعتصر عصرًا في غياب تام وصمت مطبق للدولة، التي تجاوزها القطاع الخاص، وسيطر عليها، خاصّة بعد ثورة 2011. وغابت خلال هذه الفترة الحلول الجماعيّة، وهيمنت عقليّة الخلاص الفردي. وأصبح مفهوم البروليتاريا كما عرَّفها أنجلز في كتابه «مبادئ الشيوعيّة» أي طبقة المجتمع التي تكسب قوتها من بيع عملها حصرًا، منطبقة تمامًا على السواد الأعظم من العمّال التونسيين. والبروليتاريا كما عرّفها أنجلز في درجة أقلّ من العبوديّة، حيث إنّ العبد يباع مرّة واحدة، وتضمن له مصلحة سيّده ذاتها عيشه: الأكل والسكن، في حين أنّ البروليتاري يجد نفسه مضطرًّا لبيع نفسه كلّ يوم لضمان عيشه.

ومن هذا المنظور فإنّه يمكن تصنيف العمّال في دول العالم المتقدِّم ضمن درجة العبيد، فخلافًا لتونس ولمثيلاتها من دول العالم الثالث، فقد قامت الدول الغربيّة التي يديرها أناس ذوو نظرة واضحة تجيد الحفاظ على التوازنات الكبرى بين مصالح رجال الأعمال وحاجيات شعوبها، بتوفير حدٍّ أدنى من الخدمات لعمّالها، كما يفعل ذلك السيّد لعبيده.

قامت بذلك بعض هذه الدول انطلاقًا من باب توجّهاتها الاجتماعيّة، وقامت به أخرى من منطلقات ليبراليّة بحتة، أي من باب الحفاظ على مواردها البشريّة، من ذلك أنّ توفير نقل لائق، منتظم سريع ومريح للعمّال من شأنه أن يحسّن إنتاجيتهم، فمردود العامل الذي يصل إلى مكان عمله جالسًا في ربع ساعة سيكون أفضل حتمًا ممن يقضي ساعتين واقفًا ليصل إلى مكان عمله. وتوفير مرفق صحّي ذي جودة من شأنه المساهمة في الحفاظ على صحّة العمّال، و على سرعة عودتهم للعمل في حال مرضهم.

أعتقد إذن كما يعتقد الكثير أنَّ كورونا ستغيِّر العديد من المفاهيم، وأنّها ستعيد للذات البشريّة قيمتها في العديد من الدول المتقدِّمة، أمَّا في دول العالم الثالث، ومن باب الموضوعيّة، فأعتقد أنَّ نجاح كورونا في الارتقاء بعملة هذه الدول من مرتبة البروليتاريا إلى مرتبة العبيد، سيكون إنجازًا كبيرًا.

وأختم بما ختم به ماركس بيان الحزب الشيوعي المعروف أكثر باسم المانيفستو: «يا عمَّال العالم اتَّحدوا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد