يعيش سكان العالم خلال هذه الأيام على وقع تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، والذي تم تصنيفه من طرف منظمة الصحة العالمية في البداية كوباء، ثم كجائحة في ظلّ انتشاره في أغلب دول العالم، بالإضافة إلى غياب لقاح أو علاج فعّال لهذا المرض. ممّا جعل أغلب البشرية على اختلافها في حالة حرب ضد هذا العدو الخفي. وتكمن قوة هذا الفيروس في سرعة انتشاره خاصة بعد مرور عدة أسابيع من بداية اكتشاف أول حالة إصابة. حيث، وفي غضون بضعة أشهر – لغاية 9 مايو (أيار) 2020 – بلغ عدد الحالات المصابة بهذه الجائحة بجميع دول العالم أكثر من 4 مليون إصابة، بينما وصلت عدد الوفيات إلى نحو 280 ألف وفاة أغلبها بالولايات المتحدة الأمريكية وبأوروبا.

فبالرغم من التطور العلمي والصناعي الذي حققته الإنسانية، فقد تمكن فيروس كورونا من التغلب على أقوى وأعتى الدول على غرار أمريكا والصين وأغلب الدول الأوروبية. حيث شهدت هذه الدول خسائر بشرية واقتصادية فادحة. لذلك التجأت أغلب المجتمعات إلى علمائها من أجل إيجاد حلول وعلاج لهذا الوباء الفتّاك. بينما بقيت أغلب الدول العربية تنتظر إنقاذها من بقية الشعوب المتقدمة، وذلك بعد تهميشها للعلم وللبحث العلمي، وخاصة للكفاءات العلمية التي أصبحت تعمل في ظروف صعبة تتسم بغياب الاحترام والاهتمام؛ مما أجبر أغلبهم على أن يهجروا أوطانهم بحثًا عن ظروف معنوية ومادية تتناسب مع إمكاناتهم.

حيث لم تتجاوز نسبة الإنفاق على البحث العلمي بالعالم العربي في أقصى الأحوال 0.7٪ من اجمالي الناتج القومي، بينما بلغ المعدل العالمي أكثر من 2٪. مع العلم بأنّ عدة دراسات تشير إلى ضرورة أن تتجاوز هذه النسبة 1٪ لكي يكون البحث العلمي ذا جدوى وفعالية في التنمية الاقتصادية والصناعية. فهل تستوعب الدول العربية هذا الدرس؟ وتتدارك هذا النقص الفادح في منظومة البحث العلمي.

وتجدر الإشارة بأن فيروس كورونا نجح وفي ظرف وجيز من أن يفرض ويحقق عدة إنجازات عجزت عنها عديد الدول والمنظمات الدولية، ومن أهمها ايقاف عدة حروب على غرار الحرب باليمن وسوريا، بالإضافة إلى إجبار قوى عظمى عن إجلاء جنودهم من العراق (القوات الأمريكية)، وسوريا (القوات الروسية) خوفًا عليهم من كورونا.

علاوة على ذلك، فقد تم تسجيل انخفاض في مستويات التلوث الهوائي خاصة بعدة دول صناعية، وذلك بفضل كورونا الذي فرض على أغلب سكان العالم إجراءات الحجر الصحي. مما ساهم في تقليل استعمال وسائل النقل وجعل عدة مصانع تعلّق عملها إما جزئيًا أو كليًا. وهي فرصة من أجل تحسين جودة الهواء وتطهير الكرة الأرضية من الغازات، الملوّثة للبيئة، المنبعثة من المصانع ووسائل النقل. فحسب منظمة الصحة العالمية، فإنّ تلوث الهواء المحيط يتسبب في مقتل أكثر من 350 ألف شخص شهريًا، وهو أضعاف عدد ضحايا كورونا.

كما وضّحت دراسة أجريت بالصين في فطرة انتشار فيروس كورونا، بأنّ قرابة 77 ألف شخص تم إنقاذ حياتهم خلال شهرين فقط، وذلك بفضل انخفاض التلوث الهوائي. من ناحية أخرى أظهرت دراسة أوروبية بأن ثقب الأوزون بدأ في الانغلاق بعد تسجيل انخفاض هام في كميات الغازات الملوثة، وذلك بسبب التراجع في استعمال وسائل النقل وإغلاق عديد المصانع.

وقد أجبر انتشار كورونا أغلب سكان العالم على المكوث في بيوتهم تفاديًا للعدوى. وهذا الإجراء سيساهم في تحسين العلاقات الأسرية في صورة تم استغلال وقت الفراغ بصفة إيجابية، حيث أصبح هناك متسع من الوقت من أجل التواصل الإيجابي في العائلة وذلك عن طريق التأطير والاستماع والحوار المتبادل. كما مكنّنا هذا الفيروس عبر الحجر الصحي من فرصة لاكتشاف الذات من جديد بكل واقعية وموضوعية. ونظرًا لتعطل جلّ الأعمال والدراسة بكل المدارس والمعاهد والجامعات، التجأ أغلب سكان العالم إلى العمل والتدريس عن البعد. ويعتبر ذلك حافزًا وفرصة جيّدة للبشرية من أجل اكتشاف أهمية ومميزات الرقمنة وتقنيات التعليم الإلكتروني والعمل عن بعد.

وفي غضون بضعة أسابيع تمكنت كورونا من إحداث قفزة نوعية في العادات الصحية، إذ أصبحت العناية بالنظافة والطهارة وبالغذاء الصحي من أولويات سكان العالم. كذلك نجحت كورونا في أحداث ثورة في العادات الاجتماعية حيث ارتفع منسوب العمل التطوعي والجماعي. كما تشير عدة دراسات إلى أن انتشار فيروس كورونا تسبّب في تراجع معدل الجريمة وتجارة المخدرات حول العالم نتيجة لعمليات الحجر الصحي وحظر الجولان الذي فرضته كورونا في أغلب دول العالم.

وحسب الإحصاءات الخاصة بحالات الإصابة بهذا الفيروس، فإنّ كورونا لا يميز بين غني وفقير فقد أصاب السياسيين، والمشاهير، والأغنياء، والفقراء.. كما لا يفرق بين دول عظمى ودول ضعيفة اقتصاديًا، حيث أصبحت كل البشرية بمختلف أجناسها وأديانها على نفس السفينة وتواجه نفس المصير. وبالتالي ستجبر كورونا جميع دول العالم على التعاون والتعاطف فيما بينهم وعلى مراجعة أولوياتهم في علاقة بالصحة والبيئة والبحث العلمي الذي ينفع البشرية، بدلًا عن الاستثمار في التسلح وتصنيع الاسلحة الفتاكة. فعلى سبيل المثال سعر طائرة حربية من الجيل الخامس يكفي لشراء أكثر من 7 آلاف جهاز تنفس صناعي متطور.

وبقطع النظر عن أضرار وعن أسباب انتشار فيروس كورونا المستجد حول العالم، فإنّ وجوده له تأثير مهم على البشرية كما تم ذكره سلفًا، وهو أمر مقدر من عند الله، ولحكمة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وما علينا إلا الأخذ بالأسباب والتوكل على الله من أجل التصدي والقضاء على هذا الفيروس. كما وجب علينا كمسلمين التحلي بالصبر، والرجوع، والتضرّع إلى الله، ففي جميع الحالات أمر المؤمن كله خير كما جاء في حديث رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، وكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.

فهذا المخلوق المجهري كورونا تمكن من أن يرعب الدول العظمى وأن يريها ضعفها وعجزها في أوج قوتها. وهي رسالة قوية لمختلف القوى العالمية من أجل تحفيزهم على القيام بمراجعات جدية لسياساتهم وأولوياتهم في علاقة بالبيئة والصحة والسلام العالمي. فمن المؤكد بأنّ هذا الوباء سيزول بإذن الله كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: «إنّ مع العسر يسرًا». وبالتأكيد العالم ما بعد كورونا سيتغير، ونأمل أن يكون نحو الأفضل. وأختم بقوله سبحانه تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد