منذ منتصف شهر مارس 2020 قررت معظم حكومات العالم إغلاق مدارس التعليم الأساسي والعالي والمعاهد المتوسطة والتقنية، وذلك لدعم جهود التباعد الاجتماعي في سبيل وقف انتشار جائحة كورونا التي توصي بها الجهات الصحية العالمية والمحلية. بمعنى آخر تم تجميد العملية التعليمية التقليدية.

برزت في هذا الجانب بعض القرارات مثل إعادة جدولة العام الحالي وفصول الدراسة الجامعية كما تم بالكويت، في الجانب الآخر وفي أغلبية دول الشرق الأوسط والعالم، تم الاستعانة بالحلول التقنية عن طريق تطبيقات وأدوات الإنترنت ولاحظ الجميع استخدام مصطلح التعليم عن بعد من قبل القائمين على العملية التعليمية والناطقين الإعلاميين لخلايا الأزمة والاعلام التقليدي والموازي في مواقع التواصل الاجتماعي بشقيه المفيد والهدام، وهذا موضوع آخر.

وبما أنني من المهتمين والمؤيدين لفكرة التعلم عن بعد واستخدامها في مكانها، أودُّ بداية أن أشرح بعض المصطلحات المتداخلة والمبادئ والتي يتم استخدامها من قبل صناع القرار والإعلاميين وحتى بعض المختصين بشكل غير حذر مما يفقدها معناها المنشود ويؤدي إلى ما اسميه ضبابية المصطلحات.

التعلم الالكتروني e-learning هو التعلم باستخدام التقنيات الإلكترونية، وغالبا ما تكون باستخدام شبكة الإنترنت للوصول إلى المناهج التعليمية خارج الفصول الدراسية التقليدية. هناك العديد من المصطلحات المستخدمة لوصف التعلم الذي يتم تقديمه عبر الإنترنت. بدءًا من الدراسة عن بعد، إلى التعلم الإلكتروني المحوسب، والتعلم عبر الإنترنت، والتعلم عن بعد وغيرها. وهنا يبرز أهمية توضيح وإضافة أمر هام جدًا كشرط أساسي لفعالية هذا النوع من التعلم وهو وجود المعلم أو الأستاذ أو المحاضر حسب المرحلة التعليمية من تعليم أساسي أو متوسط إلى عالي.

فهو ليس تعلم يتم تقديمه عبر قرص DVD أو قرص مدمج أو شريط فيديو أو عبر قناة تلفزيونية أو على مواقع التواصل الاجتماعي. بل هو تعلم تفاعلي حيث يمكنك التواصل مع المعلمين والأساتذة والطلاب الآخرين. في بعض الأحيان يتم عقد الحصة أو المحاضرة مباشرة مع الأستاذ live، حيث يمكنك «إلكترونيًا» رفع يدك والتفاعل والمشاركة مباشرة، وأحيانًا تكون المحاضرة أو الحصة تم تسجيلها مسبقًا Prerecorded.

عند دراسة ما تم تقديمه من قبل معظم الدول العربية من برامج التعلم عن بعد، ومن خلال تجربتي كوني أبًا لطالبين في صفوف التعليم الأساسي ومدارس مختلفة، وكوني أستاذًا أكاديميا بالتعليم العالي ودرست من خلال التعليم عن بعد، لاحظت مدى غياب الفهم الشامل لعملية التعلم عن بعد من قبل القائمين على العملية التعليمية من إداريين ومعلمين وصناع قرار. ويجب التوضيح هنا إن ما يجري الآن هو تعلم عن بعد اضطراري Emergency Remote Learning بغرض إتمام العملية التعليمية بأقل الاضرار ومن المجحف الإشارة إليها بمنظومة تعلم عن بعد كاملة الأركان.

لكي تكون تجربة التعلم والتعليم عن بعد فعالة ،متكاملة، يجب على الجميع إدراك وفهم أنها عبارة عن منظومة متكاملة تشمل عناصر عدة أهمها الأستاذ والمحتوى والتقييم الأكاديمي والبنية التحتية والتقنية ونوع المادة وقابلية وتدريب الطلاب المسبق لاستقبال هذا النوع من التعلم وعمر الطلاب والمرحلة الدراسية وغيرها.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال ولا نسمح باختزال هذه العملية باستخدام شرائح العروض التقديمية Presentation Slides والمعدة أصلًا ضمن أدوات البيئة الصفية التقليدية وعرضها عبر وسائط توصيل إلكتروني باستخدام تسجيل صوتي أو فيديو بجودة رديئة جدا غير تفاعلي ومن ثم تسمية هذه التجربة تعلم عن بعد. فهذا غير عادل بحق التعلم عن بعد وقد نجد أصواتًا لاحقًا من شريحة الطلاب أو المعلمين أو صناع القرار يذمون ويقرون بعدم نجاعة هذا النوع من التعلم، ويأتي هذا بسبب عدم الجاهزية لهذه المرحلة على جمع الأصعدة وليس العيب بالتوجه، فأرجو من الجميع عدم تشجيع هذه الأصوات وتفهم أسباب النجاح من خلال قراءة هذا المقال.

كما سيؤدي ذلك إلى فقدان فرصة ذهبية لا تعوض لإنقاذ التعلم عن بعد من الموت السريري الذي كان يعاني منه أصلا قبل جائحة كرونا لأسباب أهمها عدم الفهم والادراك والتمويل أحيانًا أو عدم الرغبة أصلا من قبل القائمين على المنظومة التعليمية والجامعات والمعاهد لحماية مكتسباتها.

أهم عناصر منظومة التعلم عن بعد سردًا وليس بترتيب الأهمية

1. الفئة المستهدفة: اتفق الباحثون والمختصون والتربويون على الحرص على اختيار الأدوات والمحتوى المعرفي الملائم للتعلم عن بعد حسب المراحل الدراسية المختلفة وخصوصا المراحل الأولى من التعليم الأساسي. وذلك بسبب أساليب التعلم التي يمتلكها طلاب تلك المرحلة، والتي لا تتعدى أعمارهم العاشرة واحتياجاتهم لكسب المهارات الاجتماعية والسلوكية المقبولة. وينصح المختصون على تقييم قابلية تلك الأعمار مسبقا للاستفادة من هذا النوع من التعلم عن طريق إجراء البحوث والتجارب والتعلم من تجارب الآخرين. بالمجمل يجب الإشارة هنا بحتمية إدراك ان التعلم عن بعد قد لا يناسب جميع الأعمار الدراسية وخاصة التعليم الأساسي.

2. المحتوى المعرفي والأكاديمي: تشير معظم التجارب الناجحة للتعلم عن بعد إلى ضرورة موائمة المحتوى المعرفي لأسلوب وتقنيات التعلم عن بعد، وذلك من تصميم محتوى المادة مع مراعاة أساليب تعلم وعمر الفئة المستهدفة والتخصص النظري أو التطبيقي. تحضر هنا أهمية وجود أخصائيين تصميم المحتوى المعرفي Instructional Designers والمسئولين عن تصميم المحتوى الأكاديمي ليتم توصيله عن بعد. تتم هذه العملية بالشراكة القريبة جدًا بين المصمم والأستاذ أو المحاضر لتحقيق مخرجات التعلم Learning Objectives لتأمين التفاعل المطلوب بين الطلاب والمحتوى المعرفي باستخدام المقاطع المصورة إذا لم يكن هناك تفاعل حي في ذلك الوقت. يشمل التصميم أيضًا أساليب تطوير التقييم الأكاديمي أو المعرفي Assessment والذي سيناقش لاحقًا.

وهنا يبرز تحدّ كبير وهو عدم وجود تخصصات جامعية وبرامج تدريب رصينة كافية في الجامعات العربية لإعداد كوادر محلية بهذا المجال بالإضافة لعدم وجود هذه الوظيفة أصلًا ضمن الهيكلية الإدارية لمعظم مدارس التعليم الأساسي أو الجامعات إلا القليل منها.

3. التقييم المعرفي والأكاديمي للطلاب Assessment: تلعب نشاطات تقييم الطلاب دورًا كبيرًا في الوقوف أداء الطالب المعرفي غالبا عن طريق الامتحانات أو الفحوص. يتفق معظم المختصين على ضرورة إلمام المعلم أو المحاضر بالطرق المختلفة للتقييم بالإضافة إلى الطريقة التقليدية كالفحوص وأهمية موائمتها لمخرجات التعلم المنشودة ببداية الفصل الدراسي أو الجامعي ومقارنتها بتوقعات الطلاب لاحقًا.

يشير الباحثين إلى الدور الكبير الذي تلعبه طرق حديثة مثل التقييم المستمر Continuous Assessment والأوراق البحثية Research Papers والمشاريع التطبيقية Applied Projects والتفاعل باستخدام وسائل النقاش الإلكتروني بين الطلاب واستخدام التفكير النقدي Critical Thinking من خلال استخدام تقنيات نظم إدارة التعلم Learning Management System وغيرها من الطرق الحديثة للتقييم. من الأهمية هنا الإشارة إلى وجود عدد كبير من الأدوات التقنية والتي تساعد المعلم على تطوير بنوك من الأسئلة الإلكترونية والتي تستخدم في مجال التعلم عن بعد.

4. يلعب المعلم أو المحاضر دورًا رئيسيًا في تطوير وإيصال محتوى معرفي عن طريق التعليم والتعلم التقليدي أو التعليم عن بعد. فيجب أن يكون ملما بعدد من الأدوات التقنية والطرق الأكاديمية المناسبة للمرحلة الدراسية والعمرية للطلاب. فلا يوجد مقاس واحد كما يقولون لتحضير وإيصال المحتوى المعرفي بغض النظر تقليديا كان أم عن بعد. يحتم هذا على المعنيين بإدارة المنظومة التعليمية وضع البرامج التدريبية والأكاديمية المدروسة للكادر التدريسي للتأكد من حصول المعلمين والمحاضرين الجامعيين على كيفية Know How لتطوير محتوى مناسب للتوصيل عن بعد بما فيه عمليات التقييم الأكاديمي.

5. البنية التقنية التحتية المطلوبة لتحقيق أهداف التعلم عن بعد تشمل وجود شبكة اتصال إنترنت مع سرعة مقبولة لتوصيل المحتوى الأكاديمي والمصمم بحرفية بغرض التوصيل عن طريق الإنترنت. وتشمل إتاحة الحواسيب لشريحة واسعة من افراد المجتمع بأسعار مناسبة لتوسيع رقعة التعلم عن بعد في حال كان خيارًا مناسبًا لبعض الطلاب في التعليم الأساسي أو الجامعي.

6. يشير الباحثون والمختصون إلى ضرورة وضع دورات تدريبية لتوعية الطلاب على وسائل التعليم عن بعد وطرق إدارة البيئة الصفية عن بعد والسلوكيات العامة المطلوبة والحقوق والواجبات وفوائد هذا النوع من التعلم. يعد هذا عنصرًا مهمًا للغاية لنجاح تجربة التعلم عن بعد.

7. ويستمر اعتماد التعلم عن بعد كنظام تعليمي مساو للتعليم التقليدي بالحقوق والاستحقاقات والواجبات موضع جدل عقيم بين معظم وزارات التربية والتعليم العالي في الدول العربية وبين شريحة طلابية كبيرة وهنا أخصص المرحلة الجامعية فقط، ترى في التعليم عن بعد فرصة ذهبية للتغلب على تحديات عديدة كالوقت والتكلفة والحاجة إلى العمل من قبل عدد كبير من الطلاب الجامعيين. في حين أن التعليم عن بعد أصبح يخرج الملايين في العالم وأصبح له مؤسسات اعتماد عالمية في معظم دول العالم. فهل يساعد وباء كورونا على إنقاذ التعلم عن بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد