في اللحظات الأولى من الإعلان عن مرض كورونا؛ حين كان لا يزال في مهده محصورًا، كان وجه الأرض حينها مضطربًا؛ عالمٌ متناحر لا تُعرف له وجهة ولا خطة؛ معدلات فقرٍ متزايدة، واقتصاديات منهارة أو شبه منهارة، ودول متناحرة متصارعة، وحروب، ومجاعات.

لم ينتج ذلك كله بمحض الصدفة، فما هو إلا نتيجة مكر الأنظمة السياسية والحكومات المختلفة، وتفشي الفساد المالي والسياسي والأخلاقي في دول العالم أجمع؛ فهذه الموبقات على اختلاف أشكالها وتنوعها، لا تقتصر على دول العالم الثالث وحده كما يُصَوَّر لنا، بل تمتد لتشمل أعظم الدول والكيانات.

وبعد أن حلَّت كورونا ضيفة ثقيلة على العالم أجمع، انتشر الذعر والرعب بين الناس، فما كان من  بعض الحكومات التي كنا نتوهم إنسانيتها إلَّا أن كشَّفت عن أنيابها، فأيقنَّا حينها أن لا شيء يمثل معيارًا أساسيًا لقراراتها سوى المنظور المادي للحياة فقط، في ظل انعدام منظومة القيم والأخلاق بطبيعة الحال، فرأينا مثل هذه الحكومات لا تبالي بالطبقة الضعيفة صحيًا ككبار السن وغيرهم، بل تجعلهم كبش الفداء، أو الثمن الذي لا بد عن دفعه للتخلص من هذا الكابوس الجاثم على الصدور.

إن هذه التصرفات اللاإنسانية لحكومات وساسة العصر، وللدول التي يفترض أنها تعمل للإنسان، وتتغنى به وبمصلحته، يجعلنا لا نتوقع منها أن تُظهر رحمة بعد الأزمة، خاصة إن صدقت التنبؤات ومرَّ العالم بأزمة اقتصادية ضخمة كما يُقال، وهو ما يدلل عليه الوضع الراهن، عندها سيُكشِّر رأس المال عن أنيابه أكثر وأكثر، وسيدخل في صراع البقاء الذي لن يبالي من أجل كسبه من التضحية بالغالي والنفيس.

النظام العالمي الحالي برمته نظام زائف، يدعي الإنسانية في بعض المواقف وحين يكون الأمر مرتبطًا فقط بالحد من قدرات وإمكانيات وطاقات أي نظام بديل يحمل الأخلاق والقيم للعالم أجمع، ولكن لحظات الضعف تبدي ما حاول الجميع تغطيته من قبائح الأخلاق والخصال، فتكون النتيجة كما هي عليه الآن من قذارة وبؤس.

أما الحظ الأكبر من البؤس فقد كان لأدعياء العلمانية وحقوق الإنسان ممن لا يزالون يحكمون القبضة علينا نحن من لا ناصر لنا إلا الله، في الوقت الذي لم نسمع منهم كلمة إدانة واحدة للاإنسانية التي تفشت في العالم أجمع، فنجد التناقض الغريب والمعايير المزدوجة قد تبدَّت وصارت واضحة للعيان؛ فمن يدعي الإنسانية عليه أن يكون إنسانيًا في كافة الأوقات.

أما في عالمنا العربي، فقد ابتلينا بنماذج أخرى من التوحش والقذارة، وأقصد هنا توحش وقذارة أصحاب رؤوس الأموال، أو لنقل جزءًا منهم، ممن أظهروا وجههم الحقيقي في هذه الأزمة، فأخبرونا بتصرفاتهم أن لا شيء لديهم مقدم على أموالهم، وعلى كنوزهم؛ وكأنها ستبقى خالدة مخلدة.

إن هذه الطبقة تغطَّت بغطاء الخوف على الاقتصاد، وادَّعت امتلاك النظرة الثاقبة المستشرفة للمستقبل، لتقوم بممارسات لا تنمُّ إلا عن مدى الضيق الذي يعيشون فيه؛ أي ضيق النفس والقيم، فعندما تضيق منظومة القيم لدى الإنسان يُظهر وجهًا حيوانيًا قميئًا، يسعى من خلاله للحفاظ على مكتسباته الزائفة؛ دون أدنى اهتمام بالمجتمع وحاجاته، وبالإنسان الذي هو مصدر كل الثروات.

العالم اليوم يمر بلحظات قد يتمخض عنها العديد من التحولات الحقيقية، ولا أحد يعلم شكل المستقبل أو إلى أين نتجه، وتقرير المصير في هذه الأثناء كما هو دائمًا مرهون بالله تعالى وحده دون سواه؛ إذ تهاوت فكرة القوى العظمى، وباتت الدول كلها منكوبة، تتجرَّع القدر ذاته من الألم والدمار، فضلًا عن تهاوي تلك الإنسانية الزائفة التي صُدِّعت رؤوسنا بها، وكأن هذ الأنظمة التي تدَّعيها هي أرقى ما توصلت إليه التجربة الإنسانية برمتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد