فيلم الإرهاب والكباب (1992) بطولة عادل إمام، قدم قضية ملحة تعبر عن سخط عموم المصريين من استبداد الدولة بهم واستهتارها بمصالحهم، بل تعمد تعقيد حياتهم لحاجة في نفس يعقوب. قام فيه مجموعة من المواطنين بانقلاب عفوي غير مخطط له على جهاز الدولة، من خلال احتجاز رهائن في مجمع التحرير بالقاهرة.

عندما أصبحت المجموعة المتمردة في موقع قوة وحانت لحظة التفاوض بينها وبين الدولة، وجدت المجموعة نفسها عاجزة عن التعبير الفوري عن مطالبها بشكل واضح ومرتب، بما فيهم قائد المجموعة الذي بعد وقت قصير من التفكير والتعبير عن أنه ليس له مطالب فردية خاصة، جلس على الكرسي، خفض رأسه وعبس وجهه وقال في حزن وانكسار «أنا مش طالب غير إنسانيتي، مش عايز أتهان، مش عايز أتهان في البيت ولا في شغلي ولا في الشارع، بيتهيألي دي مطالب لا يمكن أتعاقب عليها». حتى بعد التحالف مع الرهائن ضد الدولة وسؤال المتمردين لهم عن مطالبهم، عجز جمهور الرهائن المعبر عن الشعب المصري عن مطالبة الدولة بشيء في حالة من الصمت المكبوت. فمظالم المصريين ضد الدولة، كمظالم كل شعوب الجنوب، أعم وأكثر من أن تحصى في عدة نقاط تملى على الدولة في حالة لحظية من التفاوض.

 فهي مطالب قيمية، كالعدل والكرامة، وحسن المعاملة، تتطلب تعديلات مؤسسية تهدف لإعلاء قيمة الإنسان كأولوية، بعكس ما هو حاصل الآن في مرتبية الأولويات لدى الحكام، التي تضع بقاء الحاكم في السلطة واستمرار الكيان السياسي الحاكم، كأهم هدف للدولة، حتى لو كلف ذلك قتل نصف الشعب. عندما أدركت المجموعة سريعًا عدم جدوى المطالبة بتعديلات هيكلية في هذا الظرف الخاطف، قررت المطالبة بكيلو كباب وكفتة مع السلطات لكل مواطن مقهور.

ما يفعله فيروس كورونا الآن يشبه كثيرًا ما حدث في هبَّة «الإرهاب والكباب»، ولكن هبة عالمية ضد نظام الهيمنة والاحتكار الأوروبي. هاجم الجرثوم بشكل عفوي ومفاجئ، دار الكرة الأرضية واستقر عند مستبدين الكون وجلادين العصر، وكأنه عالم بهيكل السلطة ومصب الاستغلال الاقتصادي العالمي، أصاب الأوروبيين وأكثر ما أصاب هو زعيمهم الأمريكي جلاد العالم، التوسعي العنيف والمتغطرس، الذي أرجع العالم بالقوة وبالقصد إلى عصر الاستعمار في القرن التاسع عشر بعنصريته، بعلاقاته غير المتكافئة بين الشعوب، بالاستغلال الاقتصادي ونهب موارد البلاد التي لا تمتلك أسباب القوة، باستقطاب النخب الحاكمة حول العالم وتحفيزها ضد شعوبها مقابل بقائهم في الحكم، بتعمد إبقاء منافسيه الموجودين والمحتملين ضعفاء بأي ثمن دون أدنى اعتبار لأي قيم أخلاقية من سلام وعدل وحرية.
هجمت كورونا على استبداديي العصر الحديث، ملأت مستشفياتهم، ألزمتهم بيوتهم، أغلقت شركاتهم، أفلست حكوماتهم، أمرضت جيوشهم، فضحت ضعفهم وهشاشة مجتمعاتهم. هذا الوباء أوقف (ولو مؤقتًا) الماكينة العالمية للقهر والاستغلال المتمركزة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وإن كانت له بعض التكلفة، على شعوب العالم الترحيب بهذا الوباء، فهو يشكل هبة اعتراضية نيابة عنهم على هذه المنظومة الدولية اللعينة، التي دفعت الناس للتنافس فيما بينهم كما تتنافس الحيوانات المفترسة في الغابة على مبدأ البقاء للأقوى، واحتقار الضعيف وامتهانه. ولكن هل تكون هبة الكورونا مثل هبة الإرهاب والكباب لحظية رمزية خاطفة؟ أم تطول وتتسبب في سلسلة أحداث تفضي إلى تغيير هيكلي وإعادة لتوزيع السلطة والمكانة والثروة في العالم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد