كان كل العالم مستشعرًا لنسمات الحرب العالمية الثالثة جراء زوابع التوتر الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001ِ، والحرب على العراق، والدمار الذي لحق بسوريا واليمن، إضافة إلى مخاض الثورات العربية، واستخلاف (داعش) للقاعدة الإرهابية، ناهيك عن محاولات تغيير الهندسة الفكرية العربية والإسلامية.

كل هذا يصب في قالب الأساليب التقليدية للحروب التي تعتمد على الجيوش والأسلحة بانواعها.

إلا أن العالم اليوم يعيش لحظات تاريخية نادرة واستثنائية؛ لأن ذلك الكائن المجهري استطاع أن يزهق أرواح البشر، ويخلط أوراق الدول، ويهدد أمن العالم بأسره. إذ إنه في الوقت الذي يحاول فيه الخبراء إيجاد ما يمنع تفشي هذا الوباء، يتوسع هذا الكائن بسرعة البرق ليحصد أرواح الآلاف حول العالم، حيث يقدر عدد المصابين بأكثر من مليون مصاب على مستوى العالم، حسب ما أعلنت عنه جامعة جون هوبكنز الأمريكية، أما الوفيات فقد تجاوز عتبة 50 ألف شخص، وذلك حسب منصة ورلدو ميترز المتخصصة في متابعة مختلف الإحصاءات حول العالم.

فرضية وجود هذا الفيروس

حسب الخبير تريفوز بيدفورد فإن الاحتمال الأكثر ترجيحًا لانتشار هذا الوباء، يتمثل في نقل الخفافيش الحاملة لهذا الفيروس العدوى إلى حيوان ثديي غير معروف، وعن طريق هذا الحيوان المفترض وصل الفيروس إلى الإنسان في حدود مدينة ووهان الصينية مع نهاية 2019، وذهب في نفس المنحى تقريبًا الكاتب الروسي ديميتري الكسيف، كما تبقى في الغالب هذه الفرضية هي المعتبرة لدى الأوساط الصحية، منها منظمة الصحة العالمية، ولدى شريحة واسعة من المراقبين.

في حين أن هناك فرضية أخرى ترجح أن هذا الفيروس صناعة مخبرية تمت هندسته وراثيًا وتجربته على الإنسان، والتأكد من درجة فاعليته ضمن التحضير لحرب بيولوجية. واستند هذا الطرح على تصريح ضابط الاستخبارات الإسرائيلي داني شوهام عبر صحيفة «واشنطن تايمز»، حيث ربط الفيروس القاتل والمدمر بعمل بعض المختبرات الضالعة في العمل على تطوير أسلحة بيولوجية، وتبقى هذه الفرضية غير مستبعدة أمام إعطاء جواب علمي بخصوص هوية هذا الفيروس ومصدرة إلى أن يتم إصدار تقرير علمي مقنع.

إن هذا الفيروس لم يكتف باستهداف السلامة البدنية للإنسان واتخاذ مناعته رحمًا ليتكاثر فيه، بل استهدف أمن الناس من الخوف وأمنهم من الجوع، كما استهدف سياسة دول واقتصادها وطوق العالم في غرفة انعاش، واستطاع أن يثبت مزاعم النظرية الواقعية وهي إحدى نظريات العلاقات الدولية التي تقر بأنانية الدول والبحث عن مصالحها بالدرجة الأولى من أجل البقاء.

لكن في اوقات المحن الإنسانية الكبرى غالبًا ما يكون الدين مصدرًا للسكينة والطمأنينة وملجأ للنجده، في الوقت الذي يدخل فيه الجميع في حالة ترقب مشوبة بكثير من الهلع والخوف، ويعيش فترة سكون، الوحيد الذي يحدث فيها ضجيجًا هو عدد الضحايا.

كورونا والتعاليم الأسلامية

قد تكون تعاليم الدين الإسلامي من أكثر التعاليم الدينية إسهامًا في الحد من انتشار فيروس كورونا في حال تم الالتزام بها حسب اعترافات غربية، ومن بين هذه التعاليم: النظافة، الحجر الصحي، والعزل الاجتماعي.. وغيرها من التعاليم، مما حتم هذا على بعض الحكومات القيام بها وتطبيقها للسيطرة على المرض.

ففي تقرير للباحث الأمريكي كريج كونسيدين نشر في 21 مارس (أذار) 2020 بمجلة «نيوزويك»، نقل فيه عن الدكتور أنتوني فوسي عالم المناعة، والدكتور سانجاي جوبتا المراسل الطبي، قولهما إن التزام النظافة الصحية والحجر الصحي، أو ممارسة العزل الاجتماعي عن الآخرين أملًا في الحيلولة دون انتشار الأمراض المعدية، تعد أكثر التدابير فاعلية لاحتواء تفشي وباء كورونا المستجد. وهو ما قد أوصى به نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم قبل 1400 عام، وحث على اتباع الأسباب الاحترازية اللازمة لضمان استقرار وسلامة الجميع في حال انتشار الأوبئة الخطيرة.

ويعد الحجر الصحي الذي تقوم به الدول اليوم قد تبينت مبادئة في العديد من الأحاديث النبوية، إذ حثت الناس فيها بالامتناع عن الاحتكاك الاجتماعي، وعن عدم الدخول إلى البلدة المصابة بالوباء، ومنع أهل تلك البلدة الخروج منها، فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم به (يقصد الطاعون) بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، والطاعون هو كل مرض عام أو بلاء يؤدي إلى وفاة الكثير من الناس.

وامتد الحجر عبر العالم لحد غلق الكنائس والمعابد، وقد كان للديانة الإسلامية نصيب من هذا الحجر، فبالرغم من إعادة فتح صحن الكعبة عقب إغلاقة مؤقتًا لمنع انتشار الفيروس لا يزال قرار تعليق العمرة والحج قائمًا، إضافة إلى تعليق إقامة الصلوات وصلاة الجمعة في المساجد وأدائها في المنازل، والاكتفاء فقط برفع الأذان على مسامع الناس، وذلك لأجل اعتبارات تتعلق بالوقاية الصحية، وهذا أمر يبيحه الإسلام حسب علماء الدين والفقهاء.

كما يؤكد الإسلام في القيم السلوكية على قيمة النظافة، وهي سلوك حضاري منذ أن انتشر الإسلام، حيث قال تعالى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وقال صلى الله عليه وسلم النظافة من الإيمان، حيث يرى الكاتب والصحافي العراقي إياد الدليمي أن شعوب العالم بدأت تراجع ثقافة النظافة لديها، مضيفًا أن هذا الفيروس القاتل والمتفشي الذي يهدد العالم سيغير كثيرًا من عادات الشعوب وثقافاتها وأولاها النظافة.

وفي حديثة للخليج أونلاين أشار الدليمي إلى أن العالم اليوم يعتمد في مجابهة الفيروس على النظافة، وكثير من آليات النظافة نعرفها نحن كمسلمين، موضحًا: نحن نعتمد الماء في الطهارة للصلاة ونعتمد الاغتسال، ولدينا أحاديث نبوية توصي بغسل اليدين قبل الأكل وبعدة وبعد الاستيقاظ من النوم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده.

عودة الإسلام

لكن ما يحسب لهذة الجائحة انها عززت من مكانة الإسلام بعد ما كانت تربطة علاقة صراع مع الغرب، فحين اعتلى صوت الاذان سماء اوروبا خفتت اصوات العنصرية والكراهية والعداء للإسلام، وصدحت المساجد بالتكبير والتهليل وذكر اسم الله بامر من حكومات هذه الدول.

حين يرفع الأذان في سماء ألمانيا لأول مرة، ويصدح من شرفات منازل إيطاليا، وتنادي للصلاة أصوات عذبة من مساجد إسبانيا بعد توقف دام 500 عام، فاعلم أن كل المحاولات العلمية والطبية لم تفلح بعد، والكل يقف مترقبًا داعيًا لإعجاز رباني ينقذ العالم من بطش هذا الوباء.

فقد نشر الرئيس الامريكي دونالد ترامب عددا من التغريدات يدعوا فيها مواطنية للصلاة ودعاء الرب ان يلهمهم الحماية والقوة في مثل هذه الاوقات، وهو ما حثنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لان الدعاء يكفي للعلاج ورفع البلاء، ففي حديث وارد عن انس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني اعوذ بك من البرص، والجنون، والجذام، ومن سيئ الأسقام. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الإنسان يظل دائمًا يفتقر إلى السماء، لقوله تعالى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه.

إن عالم ما بعد الكورونا سيكون مختلفًا عما قبله، إذ إن هذه الجائحة ستعيد ترتيب الكثير من التفاصيل، وقد تجبر الشعوب الغربية على اتباع عادات تتقاطع مع تعاليم الإسلام، وقد تكون هذه الجائحة قد قطعت تذكرة عودة للدين الإسلامي وحجزت له مكانًا بين الغرب ليشهد هذا الأخير في الفترة المقبلة اعتناق المزيد منهم لهذا الدين السمح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد