من الصعب أن نشاهد ما يجري الآن في عصر كورونا ولا نتذكر رائعة المخرج العالمي ألفريد هتشكوك (فيلم الطيور) للكاتبة البريطانية المتميزة دافني دو مورييه، حيث تعد القصة في عداد أدب الرعب الذي يجسد حكايات أسطورية شبه مستحيلة، والاستحالة التي تظهر في تلك الرواية جلية واضحة في عيون وأذهان البشر الذين لم يصادفوا من قبل تلك الأحداث المفجعة، وبمرور الزمن يتضح لنا عكس ذلك تمامًا، فإن هناك هياكل دقيقة أصغر كثيرًا من الطيور والكائنات الحية يمكنها أن تفعل الأفاعيل في الإنسان، بل يمكنها أن تدمر العالم كله، فإن فيروس كورونا كما يعرفه خبراء الطب والكيمياء هو عبارة عن سم ممرض للكائن الحي ولا يعيش الحياة كاملة إلا داخله، وقد عرف الدكتور مصطفى محمود رحمه الله الميكروب الخطير بأنه (كائن عجيب نصفه حي ونصفه ميت) حيث شبهه بمصاص الدماء (دراكولا) يموت في النهار، ولكن في الليل يقوم من فرشته، فالفيروس طبقًا لهذا التعريف هو مادة ميتة في النهار تتحول إلى كائن حي شيطاني ليلًا بحسب تعبير دكتور مصطفى محمود، وذلك إذا لامس أجساد حية، فهنا يطعن الخلايا الحية بمخالبه ثم يحقنها على حد وصفه.

إن الأساطير في عصر كورونا تحولت إلى واقع مرير، فقد تابعنا الفيروسات تعمل في نشاط واجتهاد غريب لتقتحم الشوارع والمنازل في العالم بأكمله لتزلزل مضجع الإنسان وراحته، فما بالنا اذا كانت الفيروسات كائنات حية نراها بالعين المجردة وهي تهاجمنا، إنها القدرة الإلهية العظيمة في أبهى صورها؛ لأن تلك الفيروسات التي خلقها الله سبحانه وتعالى تضاهي في قدرتها أعتى الأسلحة النارية والنووية، وذلك لأنها أكثر رحمة وأخف حدة، فإن تلك السموم الصغيرة غير المرئية تبدو راقية بلا صوت مرعب يخيف الأطفال كأصوات المدفعية والطيارات التي يلقيها بشار الأسد على الشعب السوري في بلاهة وشراسة منقطعة النظير.

 فإن هذا الفيروس الصغير إذا أصاب الأطفال فإنه لن يجرحهم أو يذبحهم مثل الصواريخ الروسية، بل إنه سيصيبهم ببعض الحمى التي سيقاومها جهازهم المناعي في قوة بديعة، حيث منحهم الله جهاز مناعي قادر على مقاومة تلك الجرثومات اللعينة، وفي أسوأ الأحوال إذا مات الطفل فلن يشعر بالعذاب أو الرعب الذي أصابه في الحروب، فإن كورونا كائنات أصغر من ذرات التراب لا تصيب النساء بالهلع كما يفعل الصرصور الذي يبدو في صورة بشعة مقززة بالنسبة لهن، فإن الله المنتقم الكريم هو المغيث لعباده الضعفاء المستجيرين بقدرته ورحمته، ألم يقل الله في كتابه الحكيم قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون). آية 5 سورة القصص.

لقد أراد الله سبحانه أن يعيد تنسيق الكون بما يشاء، وبما يرضى، فإذا أرد الله سبحانه إهلاك الطغاة والسفاحين جميعًا فإن ذلك ليس على الله بعزيز، بل يعد ضئيلًا جدا عنده، ولكنه يختار أن يهلك بعضهم ويمهل الباقين، حيث يرسل تلك الآيات عظة للناس، فربما تستيقظ القلوب الغافلة وتنهض العقول المغلقة، فالميكروبات المميته الخفية هي في حقيقة الأمر أضعف من النمل، وتكمن قوتها داخل الأجسام الحية فقط، فقد قال تعالى في كتابه الكريم: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولوان ماذا أراد الله بهذا مثلًا يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا، وما يضل به الإ الفاسقين).

على جانب آخر، فإن الله إذا أراد أن يرسل كائنات حية مرئية تهاجم البشر فإن ذلك ليس بعيدًا، فإنه من صفاته عز وجل أنه الصبور المنتقم القهار، وهنا يبرز لنا المعنى العبقري لقصة الطيور، وما سببته من تدمير للمدينة، حيث كسرت الأخشاب ودمرت المساكن حتى تتمكن من قتل البشر، فقد كنا نعتقد أنها حدوتة خيالية مخيفة، ولم يكن يخطر بعقولنا أن ذلك يمكن أن يصبح حقيقة واقعة، فكيف لا تحركنا تلك الأحداث وتهز قلوبنا الساكنة لتأخذنا لليقين بيوم القيامة وما يمكن أن يحدث فيه من أهوال.

قال تعالى: (القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش، فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ما هي، نار حامية). سورة القارعة.

فلنتأمل عظمة الله تعالى في تلك الآية ولندقق في معانيها وما ورد بها من أهوال، ولنحني رؤوسنا تعظيما وتبجيلًا لله القهار الغفار مالك الملك ذي الجلال والإكرام.

إن الإنسان الذي وصل إلى القمر بعلمه وعبقريته هو في النهاية ليس إلا مجرد كائن ضعيف، ولن يصل إلى أسرار الكون والفضاء، إلا بإذن الله جل جلاله صاحب هذا الكون ومالكه، ولن يكون شيء في ملكوته إلا بأمره، لقد أرسل الله هذا الميكروب المعقد جدًا حتى نتعلم ونرقى، فهو يعد محطة جديدة ومكسب كبير للعلماء والباحثين لتقديم الاختراعات، وإنتاج اللقاحات والأدوية لخدمة البشرية، إن الله أرسله رحمة، وليس انتقامًا، أرسله بردًا وسلامًا على الأطفال والنساء الضعفاء، وعبرة للظالمين وإهلاكًا للطغاة والمتجبرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد